يقدّم «مركز بيروت للمعارض» في بيروت معرضاً استعادياً للفنانة سلوى روضة شقير، من 27 سبتمبر (أيلول) الجاري الى 13 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يضمّ في محتوياته صورة عن أعمال الفنانة الكاملة.

Ad

سلوى روضة شقير إحدى رائدات الفن التجريدي النحتي في العالم العربي، تحضر أعمالها بقوة في بعض الأماكن العامة في بيروت وأمام بعض المباني القديمة. وهي وُلدت في هذه المدينة، وعرضت للمرة الأولى فيها رسوماً ذات نزعة هندسية في «النادي الثقافي العربي» الذي كانت مسؤولة فيه عن تنظيم المعارض والمحاضرات.

وجدت سلوى نفسها في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي بعد رحلة قصيرة نسبياً مع المدرسة الانطباعية مستلهمة للفن الإسلامي الذي قادها في ما بعد الى التجريد. وقبل أن تنصرف كلياً الى النحت، بدأ مشوارها الفني في إنتاج مجموعة من الأعمال الزيتية، فبدأت مع التشخيصية تحت تأثير الفنان اللبناني عمر أنسي الذي تلقّت على يديه دروساً في الرسم في بداية الأربعينيات.

شكّلت تجربة سلوى في باريس، حيث أقامت لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة، عاملاً مهماً للتشبّث بالفن التجريدي الذي لم يكن له نصير في العالم العربي آنذاك. وكانت رحلتها الى العاصمة الفرنسية عام 1948، وهناك التحقت بمعهد الفنون الجميلة وتابعت دروساً تقنية في حقل الجداريات والحفر والنحت ومن ثم مارست رسم الأجساد العارية في معهد «غراند شوميير للرسم الحر». وبعد ذلك، التحقت الفنانة بمحترف الفنان الفرنسي ليجيه فرنارد لمدة ثلاثة أشهر غير أنها لم تستمر فيه لأن منهاج العمل لم يوافق مزاجها الفني. وقد حرصت سلوى شقير على استلهام علم الهندسة والفيزياء كمرجعية أساسية وجوهرية صاحبت أعمالها النحتية كافة منذ فترة باريس وحتى الوقت الحاضر على رغم تنوّع المادة التي استخدمتها من الخشب والحديد والطين.

أسس حسابيَّة

تعرّفت سلوى إلى فنانين عالميين كبار وآخرين شبان أصبحوا عالميين أمثال فازاريللي وبولياكوف وسونيا دولوني وجاكوبسون. وعملت في محترف الفن التجريدي للفنانَين جان ديوان وإدغار بيلي، كمساعدة إدارية مسؤولة عن إعداد محاضرات ومقابلات مع الفنانين. وفي تلك الآونة، أقامت معرضاً في «غاليري كوليت ألندي» المتخصصة بالفن التجريدي في باريس وشاركت في «صالون الحقائق الجديدة». ولو استقرت هناك، على ما تذهب إليه، لكانت الآن في عداد الفنانين العالميين.

عُرفت سلوى بمواقفها المبنيّة على قناعة مطلقة بأسس الفن الإسلامي الحسابية، ورفضت منذ البداية نقل الواقع، مُستغنية عن كل مرجعية أيقونية أو رمزية. وقد اشتهرت الفنانة بمنحوتاتها المركبة من قطع عدة تتفكّك أو تتراكم حتى اللانهاية، مثلما تتفكّك أو تتراكم أبيات القصيدة العربية. كذلك دافعت عن خصوصية فن عماده الشكل كما الشعر عماده الكلمة. على أن العاصفة التي أثارتها سلوى في الستينيات من القرن العشرين وما زالت مفارقاتها بلا إجابات، هي انتقادها شعراء الحداثة على إهمالهم المعنى والوزن!

وخلال الستينيات عملت سلوى أساساً في الحجر، والخشب أو الحديد. ثم لبضع سنوات في أوائل السبعينيات طبّقت مفاهيمها للتصميم، خصوصاً الوحدات المتكررة، على بعض المواد الحديثة مثل الألومنيوم، والفولاذ الصامد، والبلاستيك، والبلكسيغلاس، وخيط الشبكة وخيط النيلون.

نوافير ومقاعد

في أواخر السبعينيات،  بدأت سلوى أيضاً بإنتاج منحوتات عملية، من بينها النوافير والمقاعد. وحتى خلال الحرب اللبنانية، بقيت تعمل بالوتيرة نفسها ولم تتعرّض أعمالها للأذى باستثناء منحوتة واحدة عند مدخل بيروت الجنوبي. والطريق بالنسبة إلى هذه المبدعة اللبنانية هي التجربة الصوفية. والشكل النهائي، كما فهمته الفنانة ذات الولع العلمي، هو شكل تجريدي لا يوصف بالخطوط والمساحات والألوان، بل إنه مجموعة المعادلات القائمة بين عناصر العمل وبين العمل ومحيطه.

وتصف الناقدة الفنية اللبنانية هيلين خال فن سلوى شقير بأنه «يقوم على أساس التصورات الثقافية ويعكس بعمق فهمها لروح الفن الإسلامي العربي». وبسبب تأثير الفن الإسلامي ـ العربي على فنّها تقول هيلين «إن الفنانة قد أدركت العلاقة الخاصة الموجودة بين الرياضيات المجردة والفن». وفي عام 1993، كتبت عنها الناقدة خالدة سعيد في مجلة «مواقف»: «أعمال سلوى النحتية هي جزء من الحركة الداخلية التي تشوّش على كل وجوه المظاهر الفيزيائية من الشكل الى تلاشي نهاياته، فمن النادر رؤية نحت لا يسعى الى الانشطار أو الى النمو ولا يغرب في التعددية أو في التغيير».

أما الناقد جوزف طراب فوصف سلوى بأنها «محلّقة فوق السرب»، لأن أفكارها سبقت عصرها. ويتذكّر التأثيرات الجمالية التي أوجدها معرضها عام 1962 في نفسه، وكان ما زال طالباً في العلوم الإنسانية والاقتصادية يبحث عن ذائقته الخاصة التي وجدت مجالها في النقد الفني. ما يثير إعجابه بها هو إصرارها على تنفيذ عملها بنفسها. إذ إنها امتلكت من الخصائص الفنية ما جعلها رائدة في لبنان خصوصاً والشرق عموماً، معتبراً أن تلك الخصائص مرتكزة على جوهر مبادئ الفن الإسلامي الفلسفية من دون أن تكون أسيرة الزخرفة، لذا فهي مجدِّدة.

بقيت أفكار سلوى روضة شقير، ولفترة طويلة، غير مفهومة سوى لحلقات صغيرة من متذوّقيها، ومن محترف الفن التجريدي في باريس أخذت تتّسع لتشمل محبي الفن من جميع الأجيال والجنسيات.