يوسف إدريس أحد أشهر الأطباء المصريين الذين تركوا الطب إلى الأدب، وعلى رغم غيابه عن عالمنا في أول أغسطس (آب) 1991، إلا أن ذاكرة الثقافة العربية وضعته في مكان يليق بموهبته المتوهّجة، كرائد للقصة الحديثة ومثقّف مهموم بقضايا وطنه وأمّته، وتجسّد انتماؤه العميق بعروبته من خلال كتابات متنوّعة ودالة في القصة والمسرح والرواية والمقال، ولُقِّب بتشيخوف العرب.بدأت رحلة إدريس في 19 مايو (أيار) 1927، حيث وُلد في قرية البيروم بالشرقية في مصر وتعلّم في المدارس الحكومية، والتحق بكلية الطب جامعة القاهرة وتخرّج فيها عام 1951، ليعايش ظهور تيارات فكرية ووطنية وتطوّرها، أثّرت إلى حدّ كبير في مسارات حياته وحوّلته من مهنة الطب إلى عالم الإبداع الأدبي.
سطعت موهبة إدريس بين رفاق جيله، مثل الدكتور مصطفى محمود وصلاح حافظ وعبد الرحمن الشرقاوي وفتحي غانم وغيرهم، ودعم تلك الكتابات الواعدة الشاعر والطبيب أيضاً إبراهيم ناجي الذي فتح أبواب مجلة «القصة» التي ترأس تحريرها لنشر نصوص المواهب الشابة.اختار إدريس أن يداوي النفوس بقلمه، وكتب قصصاً عدة لفتت انتباه النقاد والقراء، وصدرت روايته الأولى «البيضاء» عن معاناة المرضى مع الآلام والفقر، في ما يبدو أن تجربته القصيرة مع ممارسة مهنته كطبيب قد فجّرت في داخله نبع الإبداع المتوهّج ككاتب يلتقط أدق التفاصيل الحياتية وما يدور في أعماق النفس البشرية.أرخص لياليهكذا بدأ إدريس في نشر قصصه القصيرة ليؤكد بصمته وجموحه نحو تحويل مجرى الكتابة إلى الواقعية، ذلك في وقت اتسم فيه الأدب المصري خصوصاً والعربي عموماً بنزعة وجدانية تميل إلى تطبيق أفكار واتجاهات قائمة على منهج علم النفس التحليلي وتيار الكتابة الرومنسية.وتُعتبر مجموعة إدريس «أرخص ليالي» بداية فجر جديد للقصة العربية في اقترابها من عالم المهمّشين والتقاط التفاصيل الإنسانية الصادمة لوعي متكلّس وذائقة جامدة ترى الفن والإبداع هروباً إلى عالم زائف. فانتبه النقاد إلى تلك الموهبة المتفجّرة، وكتب عميد الأدب العربي د. طه حسين مقدّمة كتاب «جمهورية فرحات»، ليقول: «أجد فيه من المتعة والقوة ودقة الحس ورقّة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء، مثلما وجدت في كتابه الأول «أرخص ليالي» تعمّقاً للحياة وفقهاً لدقائقها وتسجيلاً صارماً لما يحدث فيها».وتوالت أعمال إدريس القصصية مثل «رجال وثيران» و{العسكري الأسود» و{آخر الدنيا»، ووصفها النقاد بأنها تجمع بين سمات ديستويفسكي وكافكا وتعتمد على حساسية فائقة وإدراك نافذ لأعماق إنسانية بعيدة، وتعدّ أعماله بداية الواقعية المصرية التي أثرت إلى حدّ كبير في جيل كامل من الأدباء ظهر في بداية الستينيات.وظلّ إدريس في قمّة توهّجه الإبداعي خلال ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، وقدّم قصصاً وروايات عدة، أثارت الراكد في حياتنا الثقافية، ودفعت أقلام النقاد إلى تناولها بالدراسة والتحليل مثل «لغة الآي آي» و{العيب» و{الحرام» و{نيويورك 80» وغيرها.يُذكر أن القصة العربية قبل منتصف القرن الماضي، كانت لا تزال تخطو في مراحلها الأولى، ثم جاء إدريس ورسّخها وثبّت أقدامها ونقلها من المحلية إلى العالمية بلغة قريبة من الإنسان العادي، ومن برجها العاجي إلى لغة التخاطب اليومي، واتسع فضاء نصوصه لشخصيات تعيش على هامش الحياة عبر أمكنة متعددة في الريف والمدينة.مرحلة التشيخوفيّةيقول يوسف إدريس: «التشيخوفية مرحلة في حياة كل كاتب للقصة القصيرة لا بد أن يمر بها»، وقد قارن النقاد بين إدريس وتشيخوف باعتبار أن كلاً منهما درس الطب ومارس الأدب. في هذا المجال، يوضح د. محمد رياض أستاذ الأدب الروسي في جامعة عين شمس، أن تأثير الدراسة على أدبهما كان كبيراً، فهما يشخّصان ويصفان الأمراض وصفاً دقيقاً، ويأتيان بالمعلومات الدقيقة عن المرضى. فإدريس وتشيخوف أوليا الأطباء عناية فائقة لذا نجد في أعمالهما صوراً لتلك الشخصيات، وقد انعكست جوانبها الإيجابية والسلبية، وكان الصدق الفني هو هدف الكتابة الواقعية عندهما.عن أوجه الاختلاف بين الكاتبين، يقول د. رياض إن تشيخوف كان يميل كثيراً إلى الوصف وتوظيفه لكشف العالم الداخلي لأبطاله، بينما إدريس لا يميل الى استخدام الوصف، إذ يبدأ في أحيان كثيرة من النهاية أو قبل النهاية بقليل، والرمز عند الكاتب الروسي عادة ما يوحي بالتفاؤل، والعكس لدى كاتبنا، ونهايات قصص تشيخوف دائما ما تكون مفتوحة ولا تعطي حلاً نهائياً للمشكلة، أما نهايات قصص إدريس فتكون عادة غير متوقّعة وغير منطقيّة غالباً.المسرح والفرافيركان عطاء إدريس في المسرح لا يقل حضوراً وتوهّجاً عن القصة والرواية، ودفع بمسرحياته «اللحظة الحرجة» و{الفرافير» و{المخططين» والبهلوان» وغيرها، ليفتح للدراما العربية فضاء استلهام التراث وفنونه المختلفة، والبحث عن خصوصية في معالجة القضايا والجماليات النابعة من هوية الإنسان العربي.وعن إبداعه المسرحي، اتفق النقاد على أن اختياراته أدّت دورها في بناء العقل من خلال جماليات المزج بين السرد والـتأمل، والتي يمكن أن يخفق فيها كاتب آخر، كذلك فتح طاقة جديدة للتجريب المسرحي، وتعددت أساليب التناول لنصوصه، فيما دخل في معارك مع بعض مخرجي جيله حين تحوّل بعضها إلى عروض مسرحية، وكان يرى ضرورة التزام المخرج بمضمون النص المكتوب.كذلك وجد إدريس في المقال نافذة مفتوحة ومباشرة مع جمهور عريض، لذلك اختلف النقاد حول أهمية ما كتبه من سلسلة مقالات بمبضع الجراح وتشريحه لواقعنا بتنوعاته المختلفة، بينما اعتبر فريق آخر أنه ظلّ متوهجاً وعصباً وعارياً لمواطن الألم والجسارة في كشف المستور عن بعض جوانب حياتنا بلغته الصادمة والمفعمة بالإنسانية والشفافية في آن.
توابل
20 عاماً على رحيله وحضوره يتجدَّد!: يوسف إدريس... تشيخوف القصَّة العربيَّة
08-08-2011