يستغرب مرضاي حين أتحدث معهم عن سمنة مرضية وسمنة أكثر مرضية، فالمعروف أن السمنة هي زيادة في كمية الشحوم داخل الجسم لكن ما لا يفقهه الكثير من الناس أن بعض الأشخاص البدناء هم كالقنابل الموقوتة قد تنفجر فيهم في أي لحظة وفي البعض الآخر لا يتجاوز أثر السمنة أكثر من إتعاب المرء في حياته، فكيف نعرّف الفرق بين سمنة وأخرى وماذا نفعل مع من كانت لديهم السمنة القاتلة؟كلنا يبدأ صغيراً في مجاله وهكذا كنت أنا في بدايتي كجراح أتلقى العلم وأعمل بهما من دون تدبّر فلم أكن مؤهلاً لغير ذلك وهذا شأن طلاب العلم في بداياتهم، ما زلت أتذكر قبل حوالى 15 عاماً في نهاية فترة تدريبي حين يدخل المريض البدين الى عيادتي فأمسك بالآلة الحاسبة وأنقر عليها بأصابعي وزن هذا المريض لأقسمه على مربع طوله فأحصل على ذلك الرقم السحري الذي نسمّيه «مقياس الكتلة»، فمن جاوزت كتلته الأربعين قلت له: لديك سمنة مرضية وأنت بحاجة الى جراحة، وإن كان أقل من 35 قلت له: لست بحاجة الى تدخل، أما من وقع بين الرقمين بحثت في تاريخه الصحي فإن كانت لديه أمراض سببتها له السمنة كالسكري أو الضغط قلت له: نعم ستستفيد من الجراحة لأنك ستشفى بإذن الله من هذه الأمراض إن أجريتها. لم أكن أتدبر ما أقول ولم أبحث في الأمر بل قبلته مسلماً من دون جدال حتى جلست في أحد الاجتماعات الطبية بين قادة الطب في أميركا واستمعت إليهم يحاولون التوصل إلى قرار حول مَن مِن المرضى يحتاج الى جراحة الغدة الكظرية وكيف كانوا يتحاورون ويطرحون أدلتهم، ثم بما هو أشبه بتقديم التنازلات في ما بينهم يصلون إلى حلّ وسطي يرضي الجميع، وكنت مع أستاذي أورلو كلارك وكان تكليفي هو البحث عن دور الأشعة المقطعية في تقرير الجراحة ولم يعجبني أبداً ما استنتجته اللجنة وأتذكر جيداً حين قال لي دور اللجنة هو محاولة إرضاء الجميع وليس فحسب تنفيذ العلم، فتذكر لو فتحنا الباب على مصراعيه لكلف قرارنا شركات التأمين الكثير ولرفضته فلا بد من مسك العصى من الوسط، ثم تذكرت حين كنت طالباً في كلية الطب حين أعطانا أحد الاستشاريين محاضرة عن متى يعالج المريض المصاب بنقص الصفائح الدموية، وأتذكر أنه قال حين تنخفض الصفائح الى 30 ألفاً وجب إعطاء العلاج فكررت ذلك حين سئلت عن ذلك من أحد البروفسورات الزائرين للكلية، فقال لي: يا بني لو كان الأمر بهذه السهولة أن فحص الدم والرقم يحدد من يعالج لما احتجنا الى الطبيب بل الى كتيّب إرشادي للعلاج، أنت طبيب لا تصدق كل ما تقرأ فتقبله كما هو بل حاول أن تفهم المقاصد من قرارات طبية كثيرة، ثم فكّر هل كان ذلك القصد ليحدث لو أنك طبّقت القانون على مريضك أياً كانت الحالة. أنهيت زمالاتي وعدت وهذا الكلام يرن في مخيلتي فأخذت أبحث في سر إقرار أرقام كتلة البدانة وبدأت لا أقبل أي رقم كرقم مجرد في حياتي حتى في فحوص الدم وغيرها، فمن يقول إن الهيموغلوبين الطبيعي بين 12 إلى 16 لدى المرأة مثلاً وفهمت في ما بعد أن هذا المدى يحوي 95% من الناس، وعليه فإن الخروج من المدى قد يعني المرض لكنه قد يعني أيضاً أن هذا الشخص هو من بين الـ5% من أفراد المجتمع الذين أسميهم المتميزين بتفردهم. أرشدني بحثي الى اجتماع عام 1991 في منظمة الصحة الوطنية الأميركية ونظرت في المحاضر فوجدت أن قرار استخدام مقياس الكتلة جاء كمحاولة لإرضاء الأطراف، وقد أصرت عليه شركات التأمين لأنها لا تريد طريقة مطاطية قد يسيء استخدامها الطبيب فأرادت أن تجعل القرار لجراحات السمنة يعتمد على قسمة الوزن على الطول، ورأيت الأراء المناهضة لذلك فيومها وقف طبيب شاطر جداً ليتحدث ويقول إن امرأة مقياس كتلتها 40 لديها كمّ من الشحم أكثر من الرجل، فكيف نقبل أن نعرف الرجل على أنه يعاني من سمنة مرضية وهو لم يصل الى ذلك. ثم رأيت أحد أطباء الغدد ممن تحدث عن خطورة أن تلد امرأة وبعد ولادتها مباشرة تقاس كتلتها فتصل الى الرقم الصحيح وتحصل على الجراحة، في حين تنتظر امرأة أخرى بلغ مقياس كتلتها أواخر الثلاثينات لسنين طوال لا يتزحزح ورفضت جراحتها على رغم أنها الأحق فعدم إعطاء الطبيب الثقة ليفرق بينمن هو بدين حقاً ومن ليس ببدين، وجاء رأي طبيب ثالث فقال إذا نفذنا قرار المنظمة فإن جميع لاعبي دوري كرة القدم الأميركية هم من البدناء ممن يستحقون جراحات السمنة وهم أصحّ الناس، من وقتها بدأت أراقب فمنهم سمان من دون مرض ومنهم سمان شديدو المرض فوصلت إلى نتائج أيدتها أبحاث حديثة كثيرة وهي أن البدانة أنواع: فثمة بدانة لا يصاحبها عطل في نظام التمثيل الغذائي داخل الجسم أو نظام الأيض، وثمة بدانة يصاحبها تعطّل نظام الأيض، فالأولى غالباً ما تصيب النساء ويتوزّع فيها الشحم في مختلف أنحاء الجسم وخصوصاً الجزء السفلي من الفخذين والأرداف وأسفل البطن، وثمة سمنة أعلى البطن أو ما نعرفها بـ{الكرشة» وهي تصيب الرجال غالباً، فهذه تعطّل نظام الأيض وقد دلت الأبحاث اليوم على سر الاختلاف بينها فسمنة الكرشة تؤدي الى تزاحم الدهون أو الشحوم الداخلية داخل الأحشاء بما يضايق الكبد والقلب والرئة، وهذا النوع من الشحوم يتسبّب في ارتفاع السكر والدهون في الجسم، كذلك يؤدي الى التهاب الكبد في وقت مبكر، لذلك فإننا قد نرى مريضاً بلغ وزنه المائتين كيلوغرام ولا يعاني من أمراض السكر أو الكوليسترول أو الضغط، في حين يأتينا مريض مصاب بكل هذه الأمراض وغيرها على رغم أن وزنه لم يتجاوز التسعين كيلوغراماً، لهذا أرى أن الاختصاصيين في السمنة ممن يفهمون طريقة حدوثها وتأثيرها هم الوحيدون المؤهلون لمنح المريض النصح المبني على حقيقة خطورة سمنته. سبب كتابتي المقال هو دراسة جديدة صدرت من المجموعة ذاتها في أكسفورد والتي قّدمت الكثير من الأبحاث التي غيرت المفاهيم فكان من آخر دراساتهم أن قارنوا أخطر أنواع السمنة فكانت عند من كان لديه أحد أو مجموع الصفات التالية: أن يكون رجلاً أو امرأة في سن الأمل وأن يبلغ مؤشر الكتلة لديه فوق الخمسين أو أن يكون مصاباً بأمراض السكري أو الكولسترول أو القلب أو الضغط وأن تتركّز الدهون في أحشائه. كذلك ركّزت الدراسة على أن من طالت مدة سمنته ومن بدأت سمنته من طفولته فإن معدّل الموت الفجائي المبكر بين هؤلاء يزيد بمعدل 7% كل سنتين، وأن معظم حالات الموت تتسبّب فيه جلطات القلب والرئة المفاجئة.
سُررت بهذه الدراسة كما سُررت بأنها تمكّن أمثالي من أن يفسروا لمَ نرفض إجراء الجراحة لمريض بدين جاءت بدانته نتيجة مرض أقعده مثلاً ونعتقد أنها ستزول متى انتهى من مرضه، ولمَ نصرّ على إجرائها لمريض لم يتجاوز وزنه الثمانين كيلوغراماً كي لا يصاب بالموت المفاجئ. كذلك تمكّنني من أن أرفع صوتي وأقول: جاء الوقت لأن نقرر لأنفسنا وفق حاجة شعوبنا ولا نقبل أن نبقى في خانة المنفذين فحسب لما قد يصدره لوبي معيّن لإرضاء شريحة في بلاده. يبقى دور الطبيب في إخلاص النصح لمريضه فهو الأساس في العلاقة الطبية ولا أتصور أن يأتي يوم يقف أحدنا أمام كمبيوتر فيقرر له أنه بحاجة الى ينحف بجراحة وأن مفصل ركبته بحاجة الى استبدال فيرسله الى إنسان آلي يقوم بهاتين الجراحتين. أتمنى أن نعمل عقولنا في مسائلنا الدنيوية كافة وأن نعوّد الأجيال القادمة على أن تسألن الماذا؟ عوّدت طلبتي على أن يحاججوني في ما أقول وكنت أرى ذلك فرصة لي ولهم لنعيد النظر في الموضوع وقد كان لذلك الكثير من الأثر على نظرتي الى علاج الكثير من الأمراض. والعجيب أن الطب الحديث بدأ يعيد دراسة كل الأمور ويراجع براهينها بطريقة يمكنني القول إنها أشبه بمراجعتنا لأحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام حين صنّفه أوائل علماء المسلمين إلى صحيح وضعيف وغيرهما، فوضعوا وزناً لكل حديث وهكذ أنشأ نظام التدرّج في قوة الدليل الطبي. وأقول هذا للناس لينتبهوا أنهم قد يقرأون أمراً في «غوغل» وقد تكون صحته لا تتجاوز الـ10% فلا يعلمون ويظنّ المرء أن هذا هو الواقع، فمن ذلك أحذّر ولأني أتوقع أن يكون مقالي المقبل بعد دخول العيد أدعو للجميع بقبول الصيام والقيام وأن يكون عيدهم مباركاً، من العايدين والفائزين إنشاء الله ودمتم.
توابل
هل كلّ سمين مريض؟
26-08-2011