المطربون يتبرأون ويطبقون مقولة مات الملك... عاش الملك

لماذا يتبرأ المطرب من أعمال غنائية قدمها للرئيس المخلوع حسني مبارك عندما كان في أوج عزه وجبروته، ويعتبر فعلته هذه جريمة يجدر الندم عليها؟ ما سبب قبول المطربين الغناء وتمجيد العهد الماضي؟ هل طمعاً في التقرب من السلطة لتحقيق مزيد من الشهرة والمال وتصدّر وسائل الإعلام؟

Ad

قدّم مطربون وملحنون كثر أعمالاً فنية تمجّد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك وتمهد لعهد ابنه جمال، أشهرهم: عمرو دياب، شيرين، لطيفة، محمد ثروت، ومن الملحنين عمار الشريعي.

وبمجرد سقوط هذا النظام سارعوا إلى إعلان موقفهم من الأغاني التي قدموها له، آخرهم الفنانة وردة الجزائرية التي صرحت بأنها نادمة على أغنية «البطل ده من بلادي» المقصود به مبارك.

تبرؤ وندم

سبق وردة فنانون آخرون تبرأوا من هذه النوعية من الأعمال من بينهم: شيرين التي قدمت أغنية «ريسنا» (كلمات أيمن بهجت قمر) للرئيس مبارك بعد عودته من رحلة علاج، وعللت ذلك بعد ثورة 25 يناير بأنها لم تقصد مبارك بذاته إنما قصدت مصر بطريقة غير مباشرة. كذلك الحال مع محمد ثروت ولطيفة اللذين شاركا في أوبريت «اخترناه» (ألحان عمار الشريعي) وصرحا أخيراً بأنهما كانا يغنيان لانتصارات أكتوبر وليس للرئيس. بدوره، عبّر الشريعي عن ندمه على تلحين الأوبريت وعلى ألحان وطنية مدح فيها السلطة، موضحاً أنه لم يكن يعلم مدى تفشي الفساد في النظام السابق، بينما التزم عمرو دياب الصمت ولم يتحدّث عن أغنيته للرئيس المخلوع «واحد مننا».

في المقابل، نجح مطربون في الهروب من هذا الفخ مثل محمد نور الذي قدم أغنية «حقَك علينا» لمبارك في نهاية يناير، وبمجرد استيعابه أن ما يحدث هو ثورة شعب وليست تظاهرات عادية، غيّر اسم الأغنية إلى «حقِك علينا» متوجهاً فيها إلى مصر، فيما تمسّك آخرون بموقف مؤيد لمبارك حتى بعد انتهاء عهده مثل الملحن والمطرب عمرو مصطفى.

ركوب الموجة

يرى نقيب الموسيقيين إيمان البحر درويش أن تبرؤ أي فنان أو ندمه على عمل قدمه للرئيس هو محاولة لتجميل صورته أمام الرأي العام عموماً ومحبيه خصوصاً، مشيراً إلى أن هؤلاء النجوم لم يكونوا مجبرين على أداء مثل هذه الأغاني الممجدة للعهد السابق، ولم يكن إجبارهم من جهاز أمن الدولة سبباً كافياً بل سعوا إلى إقامة علاقة مع رموز الحكم بالطرق كافة، «ما يحدث الآن يمكن تسميته بـ «ركوب الموجة» فهم يتصرفون وفقاً لمقولة مات الملك ... عاش الملك».

يضيف درويش: «أشكر الله على أنني لم أغنِّ أمام الرئيس ولم يضايقني عدم استعانة السلطة بي في الاحتفالات، لكن ما كان يغضبني هو أنني،  على رغم تقديمي أغانٍ وطنية إلا أن النظام لم يكن راضياً وحاربني إعلامياً ومنع أعمالي وحفلاتي من أن تبث على الشاشة أو على أثير الإذاعة الرسمية حتى ظنَّ الجمهور أنني اعتزلت. الأمر نفسه حصل مع فنانين آخرين تحدوا السلطة واتخذوا مواقف واضحة وحاسمة فووجهوا  إما بالتجاهل الإعلامي أو بالأذى في حياتهم الشخصية والأسرية».

سلوك مقبول

تفسر الناقدة ماجدة موريس ندم الفنان على عمل قدمه لـ «عيون النظام»، حسب تعبيرها، بأنه اكتشف مدى انخداعه بهذا العهد، وهذا سلوك طبيعي ومقبول، خصوصاً إذا لم تكن لهذا النجم توجهات سياسية.

توضح موريس أن العلاقة بين الدولة والفنان قائمة على المنفعة المتبادلة، «يعظّم المطرب السلطة التي تعطيه شهرة واسعة نتيجة لاختياره الكفة الراجحة، ولا يقف في الجانب الخاسر إلا الشخص الذي يملك رؤى وأفكاراً مغايرة لأفكار النظام، بالإضافة إلى أن المطرب في العموم «أرزقي» أي عليه أن ينال رضا السلطة (الرئيس) ليحوز رضا الإعلام الرسمي الذي يرعاه ويقدم حفلاته وأغانيه ويغطي أخباره، فيصل إلى الناس عبر التلفزيون والإذاعات الرسمية، وإلا سيواجه تعتيماً لأعماله، ففي السنوات الماضية لم يكن لدينا هذا الكمّ الهائل من القنوات الفضائية التي تضمن للمطرب الانتشار إذا ما أغلق التلفزيون المصري أبوابه أمامه».

تضيف موريس: «ما إن انتهى هذا العصر حتى اتجه المطربون إلى تمجيد عهد الثورة، وهذا السلوك لن ينتهي مع زوال فترة معينة تمر بها البلاد إنما هو مستمرّ مع استمرار رغبة المطرب في أن يكون على مرأى ومسمع من الجمهور».

نفاق تجاه السلطة

ترى الناقدة ماجدة خير الله أن سقوط العصر السابق وإدانة رموزه أو حتى إثارة الجدل حولهم أجبرا المطربين على التبرؤ من أعمالهم الغنائية التي قدموها لآل مبارك.

تصف خير الله اتجاه المطربين إلى الغناء للرئيس إبان عهده بأنه نفاق تجاه السلطة، «لم يكن المطرب يستطيع رفض تقديم عمل فني لمناسبة وطنية مثل العيد القومي، إذا طُلب منه ذلك، وهذا الأمر لا علاقة له بميول الفنان السياسية، فمثلما تعطي البطولة شهرة للنجم تطلب منه إعلاء مواقف سياسية معينة تنطوي على خضوع تام للسلطة، وهذا السلوك لا يقتصر على المطربين المصريين بل يشمل البلاد العربية، وأعتقد أنه بعد الثورة أصبح الجمهور على وعي بنيّة هؤلاء المتحولين من المطربين والملحنين».

أخيراً، يشير الناقد رؤف توفيق إلى أن غناء المطربين للرئيس المخلوع تم وفق ظروف عامة كانت قائمة اقتضت ذلك، «وهو سلوك ليس بجريمة تستحق التبرؤ منها ولا حتى العقاب عليها، فثمة متطلبات على المغني الالتزام بها بحكم مهنته، بمعنى أن يظل مع السلطة ويوافق على أي طلب لها، خصوصاً أن طلبات الرئاسة في مجتمعاتنا الشرقية أوامر على الفنانين تنفيذها من دون اعتراض، ولا أرى في ذلك خيانة للوطن التي تعني تواطؤ المطرب مع الأعداء ضد مصلحة البلد العليا».

يضيف توفيق: «لم يكن المطربون مخدوعين بالنظام السابق كما صرحوا بل على وعي بسلوكهم الذي يكسبهم شهرة زائفة، فالرئيس لم يخدعهم وحدهم بل خدع 80 مليون مواطن».