أصبح لفريد شوقي جمهور جديد، لكنه جمهور خاص جداً، فهو من هوانم الحلمية صديقات والدته اللواتي يلتقين كل يوم اثنين في منزلها، ولم يعد حبّ التمثيل مثار قلق أو مشاكل بين فريد ووالدته، لدرجة أنها كانت تتعمد ألا يخرج على صديقاتها مباشرة، بل كانت تستمتع بالفخر الذي ينتابها وهن يسألن عنه، عندها تسمح له بأن يدخل ويقدم مشهداً من إحدى مسرحيات يوسف وهبي أو نجيب الريحاني، وأحياناً يلقي عليهن قصيدة لحافظ إبراهيم أو أحمد شوقي أو غيرهما من الشعراء الذائعي الصيت، ويزداد زهو سمية هانم، والدته، كلما سمعت عبارات الإعجاب من صديقاتها أو تصفيقهن لابنها، حتى أصبح فريد ينتظر يوم الاثنين بفارغ الصبر ليستمتع بنظرات جمهوره واستحسانه، خصوصاً بعدما انضمت إليه حسنية، فتاة في الثانية عشرة من عمرها ابنة إحدى صديقات والدته.

لاحظ فريد تعلّق عيني حسنية به وهو يقلّد يوسف وهبي ويلقي الشعر، فشعر بأن سهماً خرج من عينيها وأصاب قلبه، فأطال مدة العرض ليسعد بأكبر وقت ممكن إلى جوارها.

Ad

لم يهدأ فريد حتى عرف عنوان بيت حسنية، فهو يبتعد شوارع عدة من شارع «الوفائية» الذي يسكن فيه، ولم يطق صبراً حتى يأتي يوم الإثنين، وراح يتردد على الشارع ذهاباً وإياباً علّه يفوز برؤية حسنية، إلى أن حدث ما ينشده بعد ثلاثة أيام كأنها كانت في انتظاره... أشار إليها بيده فأشارت إليه، وبعد دقائق كانا يسيران معاً في أحد شوارع الحلمية البعيد عن منزليهما.

لم يكن فريد أو حسنية يفهمان معنى الحب، غير أنهما شعرا بإحساس جميل ومريح عند رؤية كل منهما الآخر، كانت حسنية تهوى الشعر وتحفظ قصائد منه، وتستمتع بالإصغاء إلى فريد وهو يلقي بعضاً منها وهما يسيران معاً من دون أن يلفتا نظر من حولهما وذلك لاعتبارهما طفلين، فتاة في الثانية عشرة من عمرها وشاب لم يتخطّ الخامسة عشرة من عمره.

اللص الشريف

زادت حسنية حماسة فريد إلى التمثيل وأقنعته بأنه لا يقلّ عن كبار الممثلين الذين يحكي لها عنهم، ولماذا لا يكون له عمله المسرحي الخاص وجمهور أكبر من جمهور «الهوانم» صديقات والدته؟

أعاد فريد التفكير في كلام حسنية ولم يضيّع الوقت، اجتمع مع أصدقاء الشارع الذين يشاركونه حبّ التمثيل ويؤمنون بموهبته وزعامته لهم، واقترح عليهم الاكتتاب في ما بينهم، وجمع مبلغاً من المال لتقديم عمل مسرحي إلى أهالي الشارع، على أن تكون البداية في المسرح الذي سيقدّمون عليه مسرحيتهم:

* إيه رأيكم في حتة الأرض الفاضية اللي قدام بيتنا بتاعة عم حنفي الخيمي؟

= حلوة قوي... بس عم حنفي يرضى يسبهالنا.

* ما احنا هندفع له إيجار... هنديله خمسة شلن إيجار في اليوم... واحنا هنحتاجها يومين... يوم نجهز فيه المرسح... ويوم نعرض فيه.

= طب وهنعمل المرسح ازاي... وكمان المناظر اللي هنمثل قدامها؟

* نزود عم حنفي كمان خمسة شلن ويعملنا المرسح من دكك الفراشة اللي عنده في المحل... وتفضل مشكلة المناظر.

- أنا عندي فكرة... أبويا شايل خشب كتير فوق السطح بتاع بيتنا... بس الخشب ده اللي بيشتغل بيه.

* ما احنا هنستلفه يوم واحد وهنرجعه... من غير ما يحسّ... وأنا اللي هعمل المناظر على خشبة المرسح.

= تفضل المرسحية اللي هنقدمها... هنجبها منين؟

* دي بقى سيبوها عليا... أنا هكتبها.

شعر فريد بأنه ورّط نفسه بوعده كتابة المسرحية التي سيقدّمونها، فهو قد يمثّل إحدى أشهر المسرحيات التي شاهدها، لكنه وعد بأن يؤلف مسرحية جديدة، ولا يتّسع الوقت للتأليف والإبداع!

بعد تفكير وتردّد ومحاولاته إخماد ضميره، اهتدى إلى فكرة هبطت عليه من السماء، فهو يحتفظ بمسرحيات يقدّمها يوسف وهبي وتنشرها مجلة «روز اليوسف»، من حين إلى آخر، خدمة لقرائها ويحرص والده على جمعها، فقرر عمل توليفة من هذه المسرحيات، مشاهد من هنا ومشاهد من هناك، وكوّن مسرحية مليئة بالمآسي والخيانات، فأطلق عليها اسم «الفاجعة»... وكان على ثقة بأن أحداً من زملائه لن يكتشف الفاجعة الحقيقية بسطوه على أعمال يوسف بك، فهم ليسوا من قراء «روز اليوسف» أو من رواد مسرح فرقة «رمسيس».

كان لا بد من البحث عن ممثلة تؤدي الدور الرئيس أمامه في المسرحية، وقطعاً لن تقبل، بل لا يحلم أن تقبل إحدى فتيات الحي مشاركته في المسرحية وأداء دور البطولة أمامه، فلم يجد بداً من أن يذهب إلى شارع الفن، ومن المؤكد أن الممثلات هناك كثيرات.

ذهب فريد إلى شارع عماد الدين للمرة الأولى من دون والده، لكن أين تكون الممثلات؟ أين يجلسن؟ كيف سيتفق مع إحداهن؟ وهل ستقبل أن تمثل معه ومع هواة من أبناء شارع الوفائية في الحلمية؟

البحث عن بطلة

أسئلة عدة دارت في رأس فريد وهو يتأمل أفيشات مسارح شارع عماد الدين للمرة الأولى في «عز الظهر» وليس ليلاً كالمعتاد.

عندما أعياه التعب اتجه إلى أقرب مقهى من تلك المقاهي المنتشرة في الشارع التي يرتادها الفنانون نهاراً ويجرون فيها تعاقداتهم واتفاقاتهم على أعمالهم الجديدة.

في أحد أركان المقهى كانت تجلس سيدة سمينة في نهاية الأربعينيات من عمرها، تدخّن الشيشة بنهم، أثار انتباهها فريد، ولاحظت نظراته إليها:

* مالك يا واد انت... بتبص كده عليه... بتشبه؟

= إيه... أنا... لا أبدا... مفيش حاجة.

* أمال عينك زايغة ليه كده... ومش على بعضك... زي ما تكون عامل عاملة.

= أبدا والله العظيم ما عملت حاجة... أنا كنت جاي أدوَّر على ممثلة تيجي تمثل معانا دور البطولة في المسرحية بتاعتنا.

* الله.. دا انت طلعت ابن كار... تصدق بالله انت ابن حلال علشان ربنا وقعك في سكة «زوبة اللهلوبة»... بوس إيدك وش وضهر يا واد... وأحمد ربنا.

= الحمد لله... بس مين الست زوبة اللهلوبة دي؟

* محسوبتك... رقاصة وممثلة دقة زمان مفيش أختي دلوقت.

= حضرتك!! أقصد حضرتك ممثلة؟

(ضاحكة ضحكة عالية)

* خمس سنين وأنا «البريمادونه» في فرقة الست بديعة مصابني... غيرش الزمن... قصدي إننا اختلفنا وسبتها.

= لا إذا كان كده يبقى ربنا بيحبني فعلا... وحضرتك ممكن تيجي امتى تعملي بروفة على المسرحية؟

* حلوة حكاية البروفة دي... زوبة اللهلوبة تعمل بروفات!! دي القيامة هتقوم يا ولاد... انت يا حبيبي تسيبني ع المسرح وخد مني أحلى شغل.

= طيب وحضرتك هتاخدي كام؟

* شوف بقى انت باين عليك واد ابن حلال وانا حبيتك... وعلشان خاطرك هاخد مية قرش ورقة واحدة.. جنيه بوشه... ده بس علشانك

= أيوه بس.. بس.

* انت هاتبسبس.

= لا أنا أقصد أقول لحضرتك إننا مش هنقدر ندفع أكتر من خمسين قرش... ومحضر لحضرتك ورقة وقلم أهم علشان نكتب العقد.

* شوف يا واد... إنت صعبت عليا... أنا موافقة... ايدك ع العربون

= والعقد.

* أنا كلمتي عقد.. والا انت شايف غير كده؟

انتهى فريد من الاستعدادات كافة وكتب أوراقاً وألصقها على جدران المنازل في الشارع، تتضمّن اسم المسرحية وبطلها، غير أن الأقدار صنعت له مفاجآت غير سارة قبل يومين من العرض، أولها وأهمها أن عائلة حسنية، حبيبة القلب، تركت الحلمية فجأة وانتقلت إلى حي آخر، ما تسبب في وأد حبه الوليد وانكسار قلبه البريء، غير أنه لم يكن ليتخلى عن العرض، حتى ولو من دون حسنية.

ثاني المفاجآت كانت امتناع «زوبة اللهلوبة» عن حضور العرض بسبب شجار نشب في المقهى الذي تجلس فيه قبل العرض بساعة واحدة، بعد اختلافها مع زبون كانت تلعب معه القمار، وانتهت بهما الحال في قسم الشرطة ثم المستشفى، عندها اضطر فريد إلى استبدالها بأحد أصدقائه الممثلين في المسرحية من ذوي الملامح الناعمة فكان أفضل مائة مرة من هذه «المترهلة».

أما المفاجأة الثالثة فكانت إبلاغ والد صديقه الشرطة عن سرقة الخشب من على سطح منزله وذهب الجاويش ليأخذ فريد شوقي بالقوة من على خشبة المسرح وهو ينهره:

= قدامي... قدامي ع الكراكون يا حرامي الخشب... بقى عاملي فيها يوسف وهبي... وانت سارق خشب الناس... قدامي يا حرامي.

لم تفلح توسّلات فريد للجاويش، ليس لأنه بريء إنما ليكمل أحداث المسرحية، فاضطر والده إلى مصالحة والد صديقه صاحب الأخشاب، ودفع ما يلزم من تعويضات بسبب ما تلف منها.

لم تمرّ هذه الواقعة على والدة فريد مرور الكرام، بل أعادتها إلى سيرتها الأولى مع التمثيل وكرهها له واتهام زوجها بأنه سيسبّب في فشل الإبن الأكبر للعائلة.

الدراسة أولاً

للمرة الأولى يشعر الأب بذنب حقيقي تجاه ابنه، فلا بد من أن يبحث له عن مستقبل عملي أولاً، ثم يشبع هوايته كيفما شاء في وقت فراغه، فقدم أوراق فريد فوراً إلى مدرسة الفنون التطبيقية ليكون ابنه مهندساً يحمل شهادة عليا، هكذا هدأت الأم واطمئن بالها.

صار فريد شوقي شاباً يافعاً قوي البنية، فارع الطول، بدت عضلات ذراعيه واضحة، ما شجّعه على الانضمام إلى فريق الملاكمة في المدرسة. لاحظ فريد بأن الحياة والمفاهيم في مدرسة الفنون التطبيقية تختلف عنها في المدرسة، وذلك عندما وقعت عيناه على إعلان معلّق على لوحة الإعلانات في المدرسة، يطلب من يجد في نفسه موهبة التمثيل من الطلاب تسجيل اسمه لدى المشرف الفني الأستاذ مرتضى عبد الحميد، للخضوع إلى اختبار ستجريه لجنة فنية برئاسة المخرج الكبير عزيز عيد، لاختيار فريق تمثيل الفنون التطبيقية الذي سيدرّبه عيد.

لم يصدق فريد عينيه... فها هو يقف وجهاً لوجه أمام المخرج الكبير، الذي طالما تمنى أن يراه ولو من بعيد، في انتظار أن يأتي دوره ويكون اهتمام الأستاذ منصباً عليه بمفرده ليحكم عليه كممثل.

كان فريد متوتراً وخائفاً من الامتحان الأصعب في حياته والذي سيتحدد عليه مصيره ومستقبله كممثل، فأخذ جانباً وراح يدخن سيجارة وكان بدأ يتعلّق بهذه العادة السيئة. لفت هذا الشاب المدخن نظر عزيز عيد ولم ينهره أو يطلب منه عدم التدخين، غير أنه عجّل في اختباره لاستبعاده بسرعة في حال اكتشف أنه لا يصلح ليكون ممثلاً:

* علشان نختصر الطريق... اللي جاي وفاكر نفسه هيتسلى ويضيّع وقت أو طالع رحلة يقضي فيها وقت لطيف... يتفضل ما يعطلناش... التمثيل ده عمل... وعمل شاق، لايقلّ أهمية عن أي عمل جاد محترم... بل يزيد... ولازم اللي عاوز يبقى ممثل ينتبه لعدة أشياء مهمة، أولا لازم يكون عنده الموهبة والباقي علينا احنا هندربه، ويكون صبوراً لا يتعجل العمل والشهرة، ولا بد أنه يكون مثقفاً يقرأ كتير، في كل شيء، وخصوصاً المسرح العربي والعالمي، ولا بد من أن يحترس من الغرور، لأن الشهرة تصيب الفنان بالغرور، فلا بدّ من أن ينتبه لذلك، والأهم من هذا كله أن يكون قوي البنية، جسمه سليم ونفسه سليم يقدر صوته يوصل لكل متفرج في نهاية صالة المسرح.

شعر فريد بأن الشروط كلّها تنطبق عليه، باستثناء النفس الذي ينهكه التدخين، فعزم بينه وبين نفسه ألا يدخن بعد اليوم إذا ما نجح في الاختبار.

وكانت المفاجأة لعزيز عيد أن هذا الولد المدخن نجح وبتميّز شديد:

* تعالى انت... اسمك إيه؟

= اسمي فريد محمد عبده شوقي الـ...

* بس بس... أنا عاوز اسمك مش كمان العنوان... الممثل لازم يكون اسمه صغير وبسيط يقدر يحفظه الجمهور بسهولة... يعني كفاية قوي يبقى اسمك فريد شوقي.

= اللي تشوفه حضرتك.

* اهتم بنفسك وبصحتك يا فريد... وبلاش حكاية التدخين دي... انت هيبقالك شأن عظيم في التمثيل.. بس زي ما اتفقنا من غير غرور.

= حاضر يا أستاذ.

* خد... الرواية دي احفظها كويس... ومش هقولك دلوقت إيه الدور اللي هتعمله فيها.

التزم فريد شوقي التزاماً حديدياً بحضور البروفات، سواء على مسرح مدرسة الفنون التطبيقية، أو عندما يطلبه عزيز عيد أحياناً لإجراء بروفات في مسرحه في عماد الدين، ونفّذ تعليمات المخرج حرفياً، أي الاهتمام بالثقافة والقراءة والابتعاد عن التدخين والمداومة على رياضة الملاكمة حتى أصبح متميزاً فيها إلى حدّ كبير، وأكسب المدرسة الكأس في بطولة المدارس العليا.

زعيم وطني

انتهى العام الدراسي الأول وبدأ فريق التمثيل الاستعداد لتقديم المسرحية وبات كل واحد منهم قادراً على أداء أي دور في المسرحية بفضل جهود عزيز عيد معهم خلال البروفات، فأتقن كل ممثل أدوار المسرحية تباعاً خلال البروفات ليعرف من منهم أصلح لهذا الدور أو ذاك... وقبل تحديد موعد نهائي لتقديم المسرحية، انفجرت التظاهرات وجابت أحياء مصر قبل مرور عام على تولي الملك الشاب فاروق الأول الحكم خلفاً لوالده الراحل الملك فؤاد، إذ كان واضحاً أن الفيلد مارشال هور، أحد القادة البريطانيين العسكريين، كانت له سياسة تعسفية في تنفيذ المادة السابعة من معاهدة 1936، بإعلان حالة الطوارئ وفرض الرقابة على الصحف والمجلات، وغيرها من الإجراءات التعسفية التي جعلت التظاهرات تخرج في كل مكان وتشلّ أشكال الحياة في مصر في الربع الأخير من العام 1938، بما في ذلك المسرح والسينما والفنون الأخرى.

مع بداية عام دراسي جديد خرج الطلاب في تظاهرات حاشدة جابت شوارع القاهرة، ووجد فريد شوقي نفسه محمولاً على أكتاف اثنين من زملائه، باعتبار أن صوته خطابي جهوري ويمكن أن يقود التظاهرات، وهتف فريد، والجميع يردون خلفه:

يسقط يسقط... يسقط «هور»

يسقط «هور» ابن الطور

امشي يا هور اطلع بره...

مصر هتفضل دايما حرة.

تصدى الجنود الإنكليز للتظاهرات من كل جانب، وراحوا يطلقون النار في الهواء للتحذير، غير أن الطلاب لم يردعهم ذلك، فجاءت الأوامر بإطلاق الرصاص الحي عليهم، وبمجرد أن صوّب الجنود بنادقهم في اتجاه المتظاهرين ومن دون أن يدري وجد فريد شوقي نفسه ملقى على الأرض، فقد تخلى عنه الطالبان اللذان كانا يحملانه من دون تنبيهه، وركضا بكل ما لديهما من قوة مع بقية الطلاب.

وجد فريد شوقي نفسه بمفرده على الأرض وهو يردد الهتاف نفسه فهبّ واقفاً وأطلق ساقيه للريح ووصل إلى بيته بأعجوبة منهك القوى مقطوع النَفَس، هكذا افتضح أمره أمام والديه.

حاول الأب أن يخفي مشاعر الفخر والاعتزاز بابنه الذي صار رجلاً يشارك في التظاهرات في سبيل حرية بلاده خلف عبارات التحذير من المخاطر وهمجية المحتل، غير أن الأم استدعت على الفور ذكريات ألمّت بالأسرة من هذه التصرفات وانفجرت بالبكاء وهي تصرخ في وجهه:

* احنا ناقصين... مظاهرات إيه وهباب إيه... انت مش عارف اللي حصل لجوز عمتك الله يرحمه... لما جم خدوه من وسطنا من غير رحمة ولا شفقة... وشنقوه قدامنا... لو ناسي اطلع لعمتك أهي فوق في شقتها.. خليها تحكيلك الإنكليز عملوا إيه في جوزها وإزاي خدوه وابنها لحمة حمرا على دراعها مكملش السنة... خليها تقولك إزاي شنقوا عمك محمود هو وخمسة من زمايله في السكة الحديد وهم في عز شبابهم بعد ما خدوهم من المظاهرات؟!

لم ينم فريد شوقي تلك الليلة قبل أن يقطع وعداً أمام والديه، وتحديداً والدته، بألا يشارك في التظاهرات بعد اليوم كي لا تفقده، وألا تكون له علاقة بالإنكليز من بعيد أو قريب، غير أن وعد فريد لم يكن مهماً، المهم هو ألا تكون للإنكليز علاقة به، وقبل أن ينتصف الليل وفي حين نام البعض وتأهب البعض الآخر للنوم، دقّ باب بيت فريد بقوة، وفجأة داهمته قوة من جنود الإنكليز، دخلوا الغرف يفتشون ويقلبون كل شيء، حتى خرج عسكري وهو يمسك بفريد شوقي ويقول لقائده:

= هذا هو الولد الذي كان يقود التظاهرات.

انقلب بيت فريد إلى ما يشبه المأتم، الأم تصرخ، وأشقاؤه الصغار في حالة فزع وصراخ، الأب يتوسل، يريد أن يعرف تهمة ابنه، يحاول فريد أن يتملص لكن من دون جدوى، فألقوا به داخل السيارة التي انطلقت مسرعة، بينما نزلت عمته من الطابق الأعلى وشاركت والدة فريد الصراخ والعويل، إذ استدعت ذاكرة الجميع على الفور مشهد القبض على محمود إسماعيل زوج عمة فريد... الذي انتهى بإعدامه شنقاً وهو في الثلاثين من عمره.

البقية في الحلقة المقبلة