صدر أخيراً كتاب «حرية الفكر وأبطالها في التاريخ» للمفكر والكاتب المصري سلامة موسى، ضمن سلسلة كتاب الدوحة.يرجع الكتاب إلى عام 1927، ويوضح (مع عناوين كتب موسى الأخرى) الهم الفكري الأساسي لدى هذا المفكر الاشتراكي الذي آمن بأن تحرير الطبقات الفقيرة من عبودية الاستغلال الطبقي لا بد من أن يبدأ بتحريرها من عبودية الخرافة والأسطورة.
يحاول كتاب «حرية الفكر وأبطالها في التاريخ» التأكيد على الحرية بوصفها غاية قصوى، وتقديم نماذج من الصلابة الإنسانية في التمسك بالرأي لدى مفكرين كبار شرقاً وغرباً. يقول سلامة موسى: «لم نعرف إنساناً قط تقدم للقتل راضياً أو كد نفسه حتى مات في سبيل أكلة شهية يشتهيها أو عقار يقتنيه. وإنما سمعنا عن أناس عديدين تقدموا للقتل من أجل عقيدة جديدة آمنوا بها ولم يقرهم عليها الجمهور أو الحكومة. وسمعنا أيضاً عن ناس ضحوا بأنفسهم في سبيل اكتشاف أو اختراع».يوضح أن هذا يدل على أن شهوة التطور في أنفسنا أقوى جداً من شهوة الطعام أو اقتناء المال، وأنها تبلغ من نفوسنا أننا نرضى بالقتل في سبيل إرضائها وأننا لا نقوى على إنكارها وضبطها. فالحياة من دأبها التحول من أدنى إلى أعلى والتجدد باكتساب عناصر مما حولها وتنقية بعض ما فيها مما هي في غنى عنه. بعبارة أخرى، من دأبها التطور. فإذا وجدت أن أنظمتنا الاجتماعية قد سدت عليها أبواب التطور فإنها لا تنفك تحاول فتحها أو تموت دونها راغبة في ما هو أرقى منها. والجمود هو طبيعة المؤسسات الاجتماعية بينما التطور هو طبيعة الحياة، فإن اتسعت الهوة بينهما عمدت الحياة إلى الخروج والثورة والتحطيم.يضيف المؤلف أننا من هنا نفهم معنى استشهاد الأنبياء والعلماء والفلاسفة وغيرهم في سبيل آرائهم الجديدة التي ينشرونها على الناس. فسقراط شرب السم راضياً لأنه شعر أن شهوة التطور التي تنزع به إلى العلا أقوى من شهوة البقاء. والمسيحيون رضيوا بأن تأكلهم السباع في ملاهي الرومانيين وآثروا هذا القتل المرعب على البقاء جامدين راضين بديانة الآباء. والعالم يقعد أمام بوتقته يحاول اكتشاف حقيقة علمية قد بصر بها قلبه فيكد راضياً بالجهد والفقر والموت حتى يبلغها. هؤلاء كلهم آلات تستعملهم الحياة لأغراضها العليا وتحقق بهم ناموسها العظيم وهو التطور. وليس الاضطهاد الذي أصاب حرية الفكر والاستشهاد الذي رضي به الأحرار سوى صراع اصطرع فيه الجمود والتطور، جمود القاعدة الاجتماعية مع تطور الحياة. والفوز على الدوام للتطور على الجمود.العللعن أسباب التعصب، يورد سلامة موسى أربع علل. الأولى، أن الناس مطبوعون على الكسل والاستنامة إلى ما ألفوه من إعادات فكرية وعملية. فالإنسان في أحوال معيشته لا يخترع كل يوم، على عادة أمسه فيسهل عليه عمله. فإذا ابتدع أحد بدعة جديدة في اللباس أو الطعام أو الغناء أو الشعائر الدينية أو حتى الأسلوب الكتابي فإنه يصدمنا لأول وهلة، ويكلفنا تفكيراً أو جهداً كنا في غنى عنه.أما العلة الثانية فهي أن المصلحة المالية والمعاشية كثيراً ما تكونان متعلقتين بالعادات المعروفة فتبديلهما يضيع على بعض الطبقات هذه المصلحة. أما العلة الثالثة للتعصب واضطهاد الأفكار الجديدة فهي الجهل، فمن يجهل اللغات الأوروبية من شيوخنا يكره كل من لا يقول بأن اللغة العربية الفصحى أفصح اللغات وأشرفها ولا يمنعه من الاضطهاد إلا عجزه. بينما العلة الرابعة هي الخوف، فالخوف من العدو مثلاً يزيد وساوس رجال الدولة.يعتقد موسى في كتابه أن كل تقدم إنساني لا بد من أن يكون مصحوباً ببدعة تتمثل في فكرة أو عقيدة دينية أو اكتشاف علمي ينكره الناس ويتأخر الاعتراف به. لكنه يشدد على أن الدين في ذاته لا يمكن أن يضطهد وإنما السلطة الممثلة فيه أو المستعينة به، والذين يمارسون الاضطهاد هم رجال السياسة أو رجال الدين. «فالكهنة أنفسهم لا يمكنهم أن يضطهدوا أحداً ما لم تكون السلطة في أيديهم». يضيف بأن الدين ما دام بعيداً عن الحكومة فإنه لا هو ولا كهنته يمكنهم أن يضطهدوا أحداً. أما إذا صارت الدولة والدين جسماً واحداً أمكن رجال الدين أن يضطهدوا من يشاؤون وأن يقيدوا الفكر كما يشاؤون. فالاضطهاد الذي كابده الناس في الماضي من رجال الدين إنما كابدوه لأن هؤلاء الرجال كانوا قابضين على أزمة السلطة في الدولة. ويوضح موسى أن الاضطهادات التي وقعت باسم أي دين في التاريخ ليست عيباً على الدين في ذاته، لكنها شهادة تاريخية على ما يمكن أن يفعله الحاكم حين يسخر الدين لأغراض سياسية. ويرى أن الحكام أكثر شغفاً بالدين والتسلح به من شغف رجال الدين بأمور الحكم، إذ يميل رجل الدين إلى الزهد أما الحاكم فهو يحتاج إلى الدين لترسيخ سلطته.في الجزء الثاني من الكتاب بعنوان «حرية الفكر في العصور الحديثة»، نجد عرضاً للنهضة الأوروبية فقد أستهل الكاتب ذلك الجزء بالحديث عن إرهاصات هذه النهضة التي يتواضع المؤرخون على أنها بدأت في ختام القرون الوسطي. كذلك يتعرض الكاتب إلى حياة طائفة من زعمــاء التفكير في عهد النهضة وحتى القرن الثامن عشر أمثال أرازموس ورابليه وسوزيني ومونتين وبرونو وجاليل وفولتير.ينتقل بنا الكاتب إلى الحديث عن الثورة الفرنسية على أنها ثورة عالمية أثرت في شعوب الأرض كافة. ويختم بفصل «في تبرير الحرية الفكرية»، يخلص فيه إلى أنه لا يبرر الحرية الفكرية سوى منفعتها، لكن لا يوجد شيء في العالم تجني منه فائدة من دون أن يكون له ضرر، وضررها هذا لا يمنع الناس من الاستفادة منها.
توابل
حرية الفكر وأبطالها في التاريخ... ثمن التطور والثقافة
11-03-2012