1966- 1970 تصفيات داخلية وطائفية في البعث تمهد لحكم الأسد

Ad

الأسد يستفيد من مغامرات الرفاق لإلغائهم وترسيخ سلطته

تنشر «الجريدة» على حلقات كتاب «زمن البعث السوري: تاريخ موجز» للكاتب حازم صاغية قبل طباعته وتوزيعه قريباً، وتنبع أهمية الكتاب خصوصا من تزامنه مع «الربيع العربي» و«الثورة السورية» على نظام «حزب البعث» في نسخته النهائية المتمثلة بحكم الرئيس بشار الأسد.

يحتوي الكتاب بين دفتيه قصة «موجزة» لهذا الحزب الذي طبع الحياة السياسية العربية مدة نصف قرن؛ من خلال سيرة شخصياته الأساسية وتفاعلهم مع أحداث سورية والمنطقة منذ نشوء الفكرة البعثية مع «الأساتذة» الأولين، مروراً بحكم العسكر الحزبي، وخصوصاً فترة الأسد الأب التي امتدت ثلاثة عقود، وانتهاء بمرحلة الأسد الابن التي تكرر المشاهد الدموية لكل العهود البعثية.

جديد والأسد: الواقع ضدّ الطوبى

خلال فترة حكم "البعث القطريّ"، ما بين 1966 و1970، لُخّصت مراكز القوى البعثيّة والعسكريّة الواحد بعد الآخر، كما جاء أغلب هذا التلخيص عنفيّاً من دون أن يخفي مساراً طائفيّاً متنامياً، فحتى 1968 كان الاهتمام الداخليّ للسلطة متركّزاً على استئصال القيادات العسكريّة الموالية، على نحو أو آخر، لـ"القيادة القوميّة" وميشيل عفلق. وكادت تصفية القيادات هذه تتطابق مع تصفية النفوذ الدرزيّ في الجيش كما في المنظّمات الحزبيّة المدنيّة، ذاك أنّ وجوهاً بعثيّة درزيّة

وغير عسكريّة، كحمّود الشوفي وطارق أبو الحسن، كانت قد استُبعدت لدى التخلّص من "أقصى اليسار" قبل انقلاب شباط (فبراير) 1966.

سقوط القيادة القومية

فحين وقع الانقلاب المذكور انحاز قطبان بعثيّان ودرزيّان آخران، هما منصور الأطرش، نجل سلطان، وصديقه شبلي العيسمي، إلى "القيادة القوميّة" فسقطا بسقوطها وانتهى ثانيهما لاجئاً في بغداد.

أمّا في الجيش نفسه، فأعدّت "القيادة القوميّة" لمحاولة انقلابيّة كان يُفترض أن يرعاها، بقليل من التنسيق والتكامل، الضابطان فهد الشاعر وسليم حاطوم، والاثنان، بدورهما، بعثيّان ودرزيّان.

لقد شغل الشاعر نيابة رئاسة أركان الجيش، وكان أيضاً مَن انتدبته حكومة البعث، بُعيد 8 آذار 1963، لقيادة قوّات سوريّة تشارك القوّات العراقيّة حربها على أكراد الشمال الذين سمّاهم القاموس العنصريّ الحاكم "العصاة البارزانيّين"، بيد أنّ محاولة الشاعر الانقلابيّة هذه، والتي كان مقرّراً لها أن تتمّ في أيلول (سبتمبر) 1966، افتُضحت مسبقاً، وبافتضاحها اضطرّ صاحبها إلى الهرب والتخفّي، ولئن اعتقل الشاعر في النهاية، فقد أخضع لتعذيب شديد، أريد من ورائه إذلاله، شاعت أخباره في سورية وخارجها.

طموح حاطوم أعدمه

في غضون ذلك كان سليم حاطوم، الذي جمع بين الطيش والرعونة والطموح الفائض، قد استغلّ زيارة رسميّة قام بها نور الدين الأتاسي وصلاح جديد إلى السويداء، ومعهما الوزير الدرزيّ جميل شيّا، فاحتجزهما هناك ليكون احتجازهما جزءاً من العمليّة الأوسع للاستيلاء على السلطة، إلاّ أنّ إرسال حافظ الأسد، بوصفه وزير الدفاع، طائرات جويّة

إلى السويداء لإنقاذ رفيقيه أودى بآمال حاطوم فآثر الفرار إلى الأردن المجاور لجبل الدروز.

ويبدو أنّ الأخير اندفع إلى ما اندفع إليه مسوقاً بشعوره أنّ رفاقه الضبّاط العلويّين تسبّبوا بغبن شخصيّ وطائفيّ طاله وطال المقرّبين منه، فهو لم يكتم استياءه من تسريح عدد كبير نسبيّاً من الضبّاط الدروز، ومن فقدان القياديّين الدروز مواقعهم في القيادة الحزبيّة. وبما يذكّر بالعلاقات التي ينسجها مرتكبو الجرائم من حول الجرائم التي يرتكبونها، انساق حاطوم وراء خوف آخر هو أن يُحمّل وحده مسؤوليّة الدم الذي أريق في انقلاب 23 شباط، وأن يُقدّم كبش فداء بالتالي، على أي حال، عاد النقيب المغامر إبّان حرب حزيران 1967(يونيو) إلى سورية قائلاً إنّ الهدف من عودته المشاركة في مقاتلة إسرائيل، لكنّ رئيس جهاز الأمن العسكريّ عبد الكريم الجندي ما لبث أن قبض عليه وتولّى تعذيبه وكسر أضلاعه، قبل أن يُنفّذ فيه حكم الإعدام بوصفه خائناً للوطن متآمراً على الحزب.

معارضة عبيد

هكذا لم يبق بين كبار القادة البعثيّين والعسكريّين الدروز سوى حمد عبيد، الذي شغل وزارة الدفاع لأشهر بعدما كان قد تولّى قيادة "الحرس القوميّ" لدى تأسيسه، والتنظيم الحزبيّ الموازي هذا إنّما أنشأه النظام البعثيّ إثر ولادته في 8 آذار (مارس) 1963، تيمّناً بـ"الحرس القومي" الذي سبق للبعثيّين العراقيّين أن أنشؤوه قبل أسابيع قليلة، والذي ارتكب أعمال بطش ذائعة في بغداد.

وقد وقف عبيد إلى جانب جديد في انقلاب 23 شباط 1966، إلاّ أنّ تسمية الأسد وزيراً للدفاع أغضبته ونقلته إلى خانة المعارضة، لينتهي في السجن قبل أن ينتقل، في 1967، إلى لبنان.

نزاع الأسد وجديد

على أي حال ففي 1968 اندلع النزاع بين صلاح جديد، المهيمن على الحزب والممسك بمفاصله، وحافظ الأسد، القابع في قمّة المؤسّسة العسكريّة، لكنّ النزاع هذا، الذي فجّره ارتباك النظام أمام هزيمة 1967 وتبادل التهم وتحميل المسؤوليّات عنها، كاد يتطابق مع تصفية الضبّاط البعثيّين الإسماعيليّين، تماماً كما كاد اجتثاث "القيادة القوميّة" ونفوذها يطابق التخلّص من الضبّاط البعثيّين الدروز، هكذا استُهدف على التوالي القياديّان غير العلويّين المؤسّسان لـ"اللجنة العسكريّة"، أي أحمد المير وعبدالكريم الجندي اللذان انحازا، هما أيضاً، إلى جديد ضدّ الأسد.

ولأنّ المير كان قائد الجبهة في الجولان إبّان حرب 1967، حيث ارتبط اسمه بالانهيار والهرب، فقد سهُل على وزير الدفاع استخدام سمعته المشينة ضدّه، وإبعاده بالتالي إلى مدريد سفيراً لسورية في إسبانيا، أمّا الجندي، رجل الأمن المهووس والسفّاح، فكُلّف رفعت الأسد، شقيق حافظ الأصغر، بمحاصرته والتضييق عليه إلى أن اندفع في آذار 1969 إلى الانتحار، وقد ترافق انتحار الجندي مع ابتعاد أو إبعاد البعثيّين المدنيّين من أبناء الطائفة الإسماعيليّة.

إبعاد ومحاصرة

يصحّ هذا في أحد أوائل البعثيّين وأحد أبرز مثقّفيهم، سامي الجندي، الذي انشقّ في باريس بعد تولّيه السفارة هناك، ولم يعد إلاّ وهو كهل إلى بلاده، كما يصحّ في شقيقه خالد الذي تولّى رئاسة الاتّحاد العمّالي وعُرف بتطرّفه اليساريّ الشعبويّ، والذي فرض عليه الأسد الإقامة الجبريّة إلى أن فرّ في وقت لاحق إلى الخارج، والاثنان ابنا عمّ لعبدالكريم.

كذلك اعتُبر إبعاد أحمد سويداني، المنحاز أيضاً لصلاح جديد، من رئاسة أركان الجيش، في شباط 1968، إطاحةً لأبرز موقع مستقلّ يحظى به البعثيّون السنّة الريفيّون في الجيش، خصوصاً أنّ مصطفى طلاس الذي حلّ محلّه كان معروفاً بتبعيّته التامّة لحافظ الأسد، وفي أي حال، ما لبث سويداني أن اعتُقل صيف 1969 بتهمة التحضير لانقلاب عسكريّ آخر، بينما كان نزاع الأسد وجديد يدخل طوره المتقدّم.

خلو الساحة لجديد والأسد

وفي وسع من يراقب الاصطفافات الحزبيّة والعسكريّة الخروج بملاحظة لن يكتمل معناها إلاّ بعد سنوات، ذاك أنّ الأغلبيّة الساحقة من غير العلويّين، داخل المجمّع الحزبي– العسكريّ، توزّعت ولاءاتها بين "القيادة القوميّة" وصلاح جديد، أمّا حافظ الأسد فبقي الأقرب إلى التمثيل الصافي، وإن ظلّ موقعه في المؤسّسة العسكريّة يبدّد كلّ خوف لديه من كراهية الحزبيين له.

وعلى العموم لم يبق من الخمسة المؤسّسين لـ"اللجنة العسكريّة"، بل من سائر أقطاب البعث، لا سيّما العسكريّين منهم، سوى الاثنين هذين، جديد والأسد، وقد تبدّى بقدر من التوقّع السهل، إن لم يكن الآليّ، أنّ لعبة العبث المتمادي، منذ 1963، بالمجتمع والمؤسّسات والسياسة، وبالبشر طبعاً، سوف تستدعي قيام واحدهما بتصفية الثاني.

خطأ جديد الفادح

شيء آخر بدا مؤكّداً يومذاك، هو أنّ جديد، على الرغم من شهرة الذكاء التي أحاطت به ولازمته طويلاً، ارتكب الخطأ نفسه الذي سبق أن ارتكبه الحافظ وعفلق وعمران، فهو بعد 23 شباط (فبراير) 1966 تخلّى عن بزّته العسكريّة، ظانّاً أنّ إمساكه بالحزب وتولّيه الأمانة العامّة القطريّة، وسيطرته، من خلال حلفائه الأطبّاء، على أبرز المناصب في الدولة، تكفل له التحكّم بتوازن القوى وحركته. وفي المقابل، تصرّف الأسد، الذي لم يوصف من قبل بأيّ ذكاء، تماماً كما تصرّف ستالين بعد رحيل لينين: فهو بعدما أضاف وزارة الدفاع إلى قيادته للقوّات الجويّة، راح، من موقعه هذا في الجيش، يقضم المناصب المؤثّرة، كرئاسة المخابرات ورئاسة الأركان، ويستتبعها، دافعاً التلخيص الطائفيّ للسلطة بعيداً وجاعلاً منه ركيزته وترسه في وقت واحد، هكذا بدا الواقع، وهو في أي حال واقع مريض وملوّث، حليفاً له، بينما بدت الطوبى رفيقة خصمه الساذج.

الأسد وحده: العهد الثالث

ما إن حلّت هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) 1967 المهينة، وكان حافظ الأسد يومها وزير الدفاع، حتّى انفجر الخلاف الذي وصفه البعض بنزاع "اليمين" و"اليسار" البعثيّين، ووصفه غيرهم بنزاع العسكر والمدنيّين.

فقدان الجولان

فالأسد، بوصفه المسؤول المباشر عن فقدان الجولان واقتراب الإسرائيليّين من دمشق، بدا مهجوساً بتجميد المسائل الإيديولوجيّة على خلافها لمصلحة بناء قوّة عسكريّة يحيطها انفراج في علاقات سورية العربيّة والدوليّة، هكذا اعتمد نحو الخارج التوجّهات الواقعيّة التي سبق أن دافعت عنها "القيادة القوميّة" ومحمّد عمران قبل إطاحتهما على يد الأسد نفسه.

والحال أنّ وزير الدفاع الصاعد، والذي يستحوذ على مواقع التأثير واحداً بعد آخر، شاء تحسين العلاقات السوريّة مع البلدان العربيّة جميعها، سواء أكانت "تقدمية" كمصر والجزائر، أو "رجعيّة" كدول الخليج والمغرب. وحين وصل البعث النقيض إلى السلطة في بغداد، في 1968، بدا الأسد أشدّ استعداداً من رفاقه لاستعادة الحوار معه ومع القيادة العفلقيّة تالياً، فهناك، في بغداد، بات يقيم ميشيل عفلق وأمين الحافظ وشبلي العيسمي وسواهم من التاريخيّين المنبوذين في وطنهم الأمّ، ولئن تمسّك الأسد بالصلات الممتازة مع الاتّحاد السوفياتي وبلدان كتلته، وهي مصدر سلاح الجيش السوريّ وعتاده، فإنّه عمل على تبريد حرارة التأميمات وما يصحبها من لفظيّة اشتراكيّة منتفخة.

أمّا أولويّة الحزب في صناعة القرار، فرأى ضرورة الالتفاف عليها وترويضها، ومن ثمّ تحويل الحزب واجهة شكليّة فحسب، بينما يُترك للجيش وحده أن يتمتّع بالأولويّة الفعليّة، وإذا كان تابعه مصطفى طلاس قد تسلّى في الوقت الضائع بـ"الحرب الشعبيّة الطويلة الأمد"، فإنّ الوقت الجدي، في نظر الأسد، لم يكن يتّسع إلاّ لمؤسّسة الحرب الكلاسيكيّة، وبالطبع فإنّ معدة هذا الأخير لا تهضم مقولة "الجيش العقائديّ" التي روّج لها صلاح جديد وحلفاؤه "القطريّون".

جدار حديدي

وفي المقابل، استولت على مخيّلة الأخيرين صورة عن دولة عقائديّة وإسبارطيّة تتعالى على المجتمع مثلما تتعالى على انقساماته، فتسوّر نفسها بجدار حديديّ وتعمل لتوليد "إنسان جديد"، ولئن خاطبت نزعة استعجال "المستقبل الاشتراكيّ" أبناء الأقليّات والأطراف الهاجسين بالقطع مع ماضٍ ظالم ساده أعيان المدن السنّة، إلاّ أنّهم حاولوا ألا يُصرّفوا أقليّتهم في مشروع أقليّ.

لقد كانوا، مثل كلّ قبضة إيديولوجيّة قليلة المعرفة وضيّقة الخيال، شديدي الثقة بالصواب الذي يحملونه والطريق التي تُسلك إليه، وشديدي الاعتداد بتمثيلهم "الشعب" من دون الاضطرار إلى استشارته، فالمجموعة تلك اجتمعت لأغلب أفرادها البراءة والدوغمائيّة، واجتماع هاتين معاً لا يفضي إلاّ إلى سعي متجهّم وقاسٍ وراء طوبى تكون نبيلة وكارثيّة في آن واحد.

دكتاتورية الأسد العسكرية

وعلى العموم بدا كأنّ الأفق الذي يتّجه إليه وزير الدفاع القويّ أفق دكتاتوريّة عسكريّة تستلهم، في التاريخ المحليّ، أديب الشيشكلي، أو تستلهم ضبّاط أميركا اللاتينة من صنف الأرجنتينيّ خوان بيرون تمكّنوا، في أوقات مختلفة، من إرساء سلطة ذات ديمومة ومهابة. والتماسك الذي تستدعيه الديمومة والمهابة هو ما لا يُبلَغ إليه إلاّ بمقرّبين موثوقين يؤتى بهم من الطائفة والقرية ومن الماضي الشخصيّ أكثر ممّا يُعوّل فيه على الأفكار والصبوات المستقبليّة المشتركة.

«الحركة التصحيحيّة»

لقد استدرج الأسد الماضي، وهو في مجتمعاتنا الراكدة التي تلوك انقساماتها وتقاليدها، حاضرٌ كثيف، بينما ترك لمنافسيه الاتّكال على مستقبل خرافيّ لا يأتي ولا يبقى منه إلاّ الكلمات الكبيرة والساخنة.

وعلى امتداد سنوات 1968 – 1970 المُرّة، انفجرت صراعات عدّة بين الجناحين كان بعضها ينتقل إلى العلن ويفيض على الشارع، وبعضها يُترجم نفسه دماً صريحاً أو حقداً كان مخبّأً، لكنّ الأسد كان يخرج منها كلّها أقوى ممّا دخلها.

بيد أنّ النزاع جعل التخلّص من الرفاق الإيديولوجيّين و"اليساريّين" أمر حياة وموت، فكان انفجار الحرب الأهليّة في الأردن، أو ما عُرف بـ"أيلول الأسود" 1970، ويومذاك، وبينما راح الصدام بين الجيش الأردنيّ وقوّات الفدائيّين الفلسطينيّين يهدّد باحتمالات تدخّل إسرائيلي وأميركي، توجّهت ألوية برّيّة من الجيش السوريّ إلى الأردن، بأمر من "القيادة القطريّة"، دعماً منها للمقاومة الفلسطينيّة، المضطهَدَة في دمشق نفسها، ضدّ "نظام عميل"، إلاّ أن رفض الأسد، الخائف من تدخّل إسرائيليّ مضادّ، أن يوفّر لها الغطاء الجوي، تركها لقمة سائغة للدبّابات الأردنيّة التي توالت على حصدها.

تجربة بليغة

وكانت تلك تجربة بليغة في تدليلها على حدود المغامرة التي يصل إليها ضبّاط وضعت الانقلابات العسكريّة في أيديهم مسؤوليّات أكبر بكثير ممّا تحدّه مداركهم، فالذين أرسلوا الجيش إلى الأردن غامروا بإثارة حرب إقليميّة لا يملكون أدنى الاستعداد لخوضها، هم الخارجون للتوّ من هزيمة 1967 المدمّرة، أمّا الذي لم يوفّر الغطاء الجوّي لقوّاته البرية، فكان يغامر بانشقاق في الدولة ومؤسّساتها، وفي المجتمع تالياً، وذلك كلّه كي يقطع الطريق على منافسين ألدّاء.

هكذا قرّرت "القيادة القطريّة"، بغباء حزبيّ لا تُحسد عليه، تجريد الأسد وطلاس من مرتبتيهما العسكريّتين، فضلاً عن إجراءات أخرى تضمن وضع الشخص الملائم، أي الحزبيّ العقائديّ، في المكان الملائم، لكنّ وزير الدفاع، بما يملك من حذر لا مكان فيه لذرّة من المخاطرة، عاجل الجميع بانقلاب خاطف وسهل وأبيض، نفّذه يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، وأعطاه مذّاك تسمية "الحركة التصحيحيّة".

والتسمية هذه لم تكتم الرغبة في إعلان الاستمراريّة واستبعاد القطع: فهي ابنة انقلاب 23 شباط 1966 كما أنّها حفيدة انقلاب 8 آذار 1963، لكنّها، مع هذا، تشذّب الأمّ والجدّة من شوائبهما الكثيرة، وخيار كهذا بدا امتداداً للسلوك الذي سلكته "اللجنة العسكريّة" حين احتفظت ببعثيّتها واستفادت من أطُرها ومن إمكاناتها كي تنفّذ أجندة يصعب ربطها بالبعث الأصليّ.

لكنْ كائناً ما كان الأمر لم تحل الاستمراريّة المعلنة دون إيداع صلاح جديد ونورالدين الأتاسي ويوسف زعيّن السجن الذي سيمكثون فيه طويلاً، فلا يخرجون منه إلاّ موتى أو مرضى على فراش الموت.

العهد البعثي الثالث

وبحافظ الأسد ابتدأ عهد جديد في سورية، هو العهد البعثيّ الثالث الذي قُيّض له، بحكم القوّة المحضة، أن يستمرّ طويلاً بعد ذاك، فلا يغيّر الحزب فحسب بل يغيّر سورية الحديثة كلّها، وقد تكثر الاجتهادات في شأن الأسد وعقله السياسي، إلاّ أنّ أمرين يصعب الخلاف في شأنهما: أنّه صاحب أعصاب فولاذيّة تُعفيه من كلّ حساسيّة حيال القتل بدم بارد، وأنّ "الاستقرار"، عبر القوّة والهيبة، كان دينه وديدنه، وهنا، خدمه ضعف المخيّلة بأن طرد من رأسه الأوهام التي تشوب كل مخيّلة خصبة أو توشّيها.

ولم يكن بلا دلالة أنّ الأسد، وهو سليل تقاليد الحذر الفلاحي والأقلي في آن، كان من اكتشف في ما خص سورية الدرس الذي اكتشف مثله الرفاق العراقيّون لبلدهم، والاكتشافان حصلا في وقت واحد. فقد استخلص "السيّد الرئيس" حافظ الأسد و"السيّد نائب الرئيس" صدّام حسين أنّ بلديهما اللذين حفل تاريخهما بالانقلابات العسكريّة وعدم الاستقرار وبنوازع الانفصال العديدة عن المركز، آن لهما أن يستقرّا بحدّ السيف، وكم يستدعي اكتشاف كهذا من بعثيّ شبّ على أفكار "الوحدة" المثاليّة، وعلى أهميّة اللغة والتاريخ، احتقار الأحزاب والأفكار على عمومها؟!.

إلاّ أنّ شيئاً آخر كان ينقص الأسد كي يتحوّل من "السيّد الرئيس" إلى "الزعيم القائد"، وهذا الشيء إنّما وفد بقدر من السرعة وقدر من التسرّع في آن.