قانونيون يتهمونه بالجمود ويرون أن تعديله أصبح ضرورة وأن الوقت حان لمراجعته
بمناسبة مرور 49 عاماً على العمل بالدستور الكويتي الذي وصفه البعض بالجمود، وذلك لاحتدام الخلاف بين السلطتين التشريعية والتنفيذية واللجوء إلى السلطة القضائية ممثلة بالمحكمة الدستورية لحل المنازعات التي تقع بينهما، طرحت "الجريدة" مجموعة من الأسئلة التي تتعلق بهذه القضية على بعض المختصين من أساتذة القانون العام في كلية الحقوق بجامعة الكويت ورئيس جمعية المحامين الكويتية.تدخل الكويت عامها الـ50 على إصدار دستورها بعد أن أنهى 49 عاما من التطبيق، تخللتها تجاذبات السلطتين التشريعية والتنفيذية لنصوصه المؤيدة لرقابة المجلس على أعمال الحكومة أو الصلاحيات التي تتمتع بها الحكومة تجاه المجلس، وامتد أمر الخلاف بين السلطتين إلى اللجوء إلى السلطة القضائية ممثلة بالمحكمة الدستورية لحل المنازعات التي تقع بين السلطتين، وهو ما جعل البعض يطلق وصف الجمود بحق الدستور إزاء عدم تمتع أي من نصوصه بأية مرونة من التطبيق أو التفسير.49 عاما من التطبيق كان للحقوق والواجبات التي تضمنها الدستور نصيب من التفعيل والتطبيق في حين مازالت هناك مواد أخرى لم تحظ بعد بالتطبيق، إزاء تجاهل المشرع لتطبيقها عبر إصدار التشريعات التي تترجم تلك النصوص إلى أفعال وانشغال السلطة التشريعية بالرقابة السياسية على أعمال الحكومة.وثمة أسئلة تطرح نفسها تبدأ بكيفية تقييمنا لسنوات تطبيق الدستور؟ وهل هناك مواد لم يتم تطبيقها بعد؟ وهل دستورنا جامد أم مرن وإن كان جامدا هل جاء الوقت لتعديله؟ أسئلة طرحناها على المختصين من أساتذة القانون العام في كلية الحقوق بجامعة الكويت، وهم الخبير الدستوري د. محمد الفيلي ود. خليفة ثامر الحميدة ورئيس جمعية المحامين خالد الكندري.يقول الخبير الدستوري د. محمد الفيلي إن الدستور الكويتي نظم العلاقة بين السلطات بمزيج من النظام البرلماني والرئاسي، مع اقتراب أكثر إلى النظام البرلماني، في حين أن هدف المشرع الدستوري لم يتحقق في الوقت الحالي للابتعاد المتزايد عن النظام البرلماني، والسبب في ذلك يعود إلى القوى السياسية من خارج الأسرة الحاكمة، التي لم تستطع أي منها أن تكون محلا للثقة أو محلا لقبول عام من قبل الشارع، ولاتزال اليوم أمام تشتت مليء بعدم الثقة، وذلك لأنه في كثير من الأحيان تنطلق تلك القوى من اعتبارات ضيقة تجعلها غير مقبولة، بل إن القوى التي تنطلق من مفهوم وطني تعاني النقص في الوصول أو الفوقية وهي مسألة تفسر عدم إمكانية الوصول إلى تنظيم حقيقي.السلطاتويضيف الفيلي قائلا إن المشرع الدستوري تعامل مع الحقوق والحريات من أكثر من زاوية وباعتبارين: الأول العمل على ما ينص عليه الدستور على احترام الحقوق والحريات وهو وجوب مفروض على السلطات، والثاني النظر إلى شبكة الحريات العامة بوظيفة سياسية وذلك من باب خلق توازن بين السلطات العامة، ونجد أن السلطات العامة لم تنتبه إلى تحقيقهما بعد.الحقوق الفرديةوقال الفيلي "لو نظرنا إلى موضوع الحقوق الفردية فلايزال المجتمع والقوى السياسية تنظر إليها على أنها شكل من اشكال الترف، فإذا تعرض مثلا أحد الأشخاص لنوع معين من الاعتداء فإن المجموعة تنتفض للدفاع عنه وتنتصر له باسم الدفاع عن الحريات العامة فقط من باب الدفاع، وأيضا من هذا الباب لم نحسن العلاج فعلى سبيل المثال انتفاضة حادثة المواطن محمد الميموني وهي انتفاضة محقة، ولكن للأسف لم نجد لها تعبيرا حقيقيا ورد فعل في الأماكن التي يتم فيها تعذيب الأشخاص، وهناك أمثلة أخرى لبعض الممارسات النيابية المتناقضة.وبين أن الحكومة والمجلس في العديد من قضايا الحقوق والحريات لم يتدخلا لحسم القضية كالحكم الذي قضت به المحكمة الدستورية بعدم دستورية بعض مواد نصوص قانون التجمعات، فالمجلس والحكومة لم يتخذا موقفا إيجابيا وحقيقيا لتصحيح المخالفات التي تحدثت عنها المحكمة الدستورية في حكم التجمعات.المواطنةوأكد الفيلي أن من بين القضايا كذلك التي يتم تقييم من خلالها سنوات تطبيق الدستور في البلاد النظر إلى المواطنة، وهي عنصر أساسي من عناصر الدولة، فضلا عن أن الدستور كان حريصا تماما على تأكيد هذه الخصوصية، رغم أن دستور 1962 وضع في مواجهة مد القومية العربية، إلا أن الدستور كان حريصا على فكرة المواطنة الكويتية أكثر من فكرة الاعتبارات السياسية الأخرى، لافتا إلى أن فكرة المواطنة اليوم لم تعد بارزة بدليل توجه البعض إلى فكرة القبلية والطائفية، وهذا مؤشر خطير لأن مفهوم المواطنة بدأ يقل، وفي هذا الشأن الدستور لم يحقق أهدافه بفكرة المواطنة بدليل أن هناك بعض القوى ممن يتم تصنيفها كمعارضة اليوم خرج من رحم الانتخابات الفرعية.السلام الاجتماعيوأوضح الفيلي أن هناك جوانب إيجابية في الدستور الكويتي تتمثل في أنه ضمن الحد الأدنى من السلام الاجتماعي، وذلك بالنظر إلى ما يحدث في المنطقة من حالات الرفض، لافتا إلى أنه كان للدستور دور إيجابي في الغزو العراقي على الكويت عام 1990 وتمثل هذا الدور في الاحتفاظ بالشرعية وحماية النظام وانتقال السلطة.وأضاف أن الدستور تعرض للإيقاف مرتين، وكانت مدة كل مرة أربع سنوات، وبعد هذا الإيقاف جاءت حادثة الغزو، وانتقلنا فيها إلى مواجهة مع الذات، واتفقت كل الأطراف على أن الدستور حقيقة لا يمكن تجاهلها، وبعد سنوات من التطبيق أخذ كل طرف على عاتقه العمل على هامش الدستور، فالحكومة يسمح لها بتعطيل الجلسات وفقا لنص المادة 116، والمجلس يضرب عن حضور الجلسات، واليوم نحن بحاجة إلى إعادة وعي بالدستور.جمود الدستوروعند سؤال الفيلي عن جمود الدستور والرغبة في تعديله قال: "ليس بالضرورة أن يكون الدستور مسؤولا عن الجمود، فمن الممكن أن يكون تنظيم الحياة السياسية هو البعيد عنه، والدستور لا يمنع هذا التنظيم الذي قد يكون بإقرار الأحزاب السياسية أو بتعديل الدستور، فالدستور ليس مسؤولا عن التعديل، ومن يتهم الدستور بأنه المسؤول عن الجمود السياسي فعليه أن يعيد النظر في مفردات الحياة السياسية، وذلك لأن المسؤول عن الجمود هو المشرع وغياب الكتل.دستور مثاليأما أستاذ القانون العام في كلية الحقوق والمتخصص في القانون الدستوري د. خليفة ثامر الحميدة فيقول إن رئيس المجلس التأسيسي لوضع الدستور الكويتي استهل الجلسة التاسعة للجنة الدستور، التي كانت في 31/5/1962 بهذه الكلمات "إن دستورنا هو أحدث دستور في البلاد العربية، ويجب أن يكون دستورا مثاليا بين الدساتير العربية، ولذلك يجب أن نأخذ بعين الاعتبار جميع الانتقادات التي وردت على الدساتير العربية الأخرى. كما يجب أن يكون دستورنا متجاوبا مع الأفكار الحديثة والشعور القومي العربي".صياغة الدستوروأضاف الحميدة أن "هذا القول يعكس جل ما انصبت عليه مناقشات صياغة الدستور وإقراره، مما نتج عنه هذا الدستور المتكامل في نصوصه، والمتوازن في ترتيبه للموضوعات التي جاء لتنظيمها"، لافتا إلى أن "هذا التكامل الذي نجد صداه الواضح في خصائص هذا الدستور الشكلية والموضوعية، فأما الأولى فتتضح بكونه دستورا مختصرا. وهو ما يعني اقتصاره على النص على المبادئ الأساسية في تنظيم موضوعاته، وتاركا استكمال هذه المبادئ بقوانين تصدر من ممثلي الشعب- أي مجلس الأمة- ووفقا لما تقتضيه متطلبات الحال والظروف".وأشار الحميدة إلى أن "من شأن الاعتماد على القوانين العادية لتنظيم الموضوعات الدستورية التسهيل لتغييرها لتتلاءم مع متغيرات المجتمع الكويتي. كما يتضح التكامل الشكلي للدستور الكويتي من خلال كونه دستورا جامدا. ولا يعني الجمود عدم جواز تعديله. إذ إن القول بذلك سيؤدي إلى إلغائه واستبداله بغيره، وإنما يقصد بالجمود هنا عدم ترك نصوصه لأهواء أي من السلطتين التشريعية أو التنفيذية. وهذا ما تحقق بتمييز إجراءات تعديله عن القانون الصادر عن مجلس الأمة، واللائحة الصادرة عن الحكومة".التكاملوقال الحميدة أما التكامل في موضوعات الدستور فتكفي القراءة السريعة لنصوصه للتعرف على بعض مواطن هذا التكامل. ومن صور هذا التكامل، أولا: في الاختيار بين أنظمة الحكم بحسب العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فقد كان أمام المجلس التأسيسي الاختيار بين الأنظمة البرلمانية والرئاسية وحكومة الجمعية. فاختار المجلس المذكور مزيجا يتطلبه واقع الحال في الكويت، إذ اختار النظام البرلماني وهو الوحيد بينها الذي يتمسك بوجود أسرة حاكمة للدولة. ولكن نظرا لما يعنيه هذا النظام من جعل رئيس الدولة فاقدا لأية سلطة، فهو مجرد رمز سياسي لا أكثر فقد بادر المجلس إلى إدخال عناصر من النظام الرئاسي لمنح رئيس الدولة سلطات حقيقية. أما سبب عدم تبني النظام الرئاسي بشكله الكامل فذلك يرجع إلى اعتماده على تولي منصب رئيس الدولة بالانتخاب، وهذا ما يتعارض مع ما استقر عليه النظام الدستوري الكويتي.ثانيا: في الاختيار بين طريقة مشاركة الشعب في السلطة، فقد كان الخيار بين الديمقراطية المباشرة أو شبه المباشرة أو النيابية، حيث وقع خيار المجلس على ما اختارته الأغلبية العظمى من الدول التي تتبنى المشاركة الشعبية في السلطة – أقصد الدول الديمقراطية- وهو الخيار الثالث. وهو ما يعني أن دور الشعب يقتصر على اختيار من يمثله في السلطة تاركا ممثليه للقيام بما فيه مصلحة الدولة.توازن رقابيوبشأن سلطات الدولة أوضح الحميدة أن "المجلس التأسيسي أوجد في الدستور توازنا رقابيا لكل منها على أعمال الأخرى، وبما تضمن صحة ما تقوم كل سلطة من أنشطة بمناسبة ممارستها لاختصاصاتها"، مضيفا أن "مما يشاد بالدستور فيه تبنيه للباب الثاني منه، الذي أخذ على عاتقه بيان ما يجب أن ترعاه الدولة كمقومات أساسية للمجتمع الكويتي. كما أنه ألحقه بالباب الثالث والمحدد لما يتمتع به الفرد الكويتي من حقوق، وما يلتزم به من واجبات عامة".خياراتواختتم الحميدة حديثه قائلا "يظل السؤال هل هناك ما من شأنه الإسهام في تعزيز دور الدستور في الدولة؟ والإجابة تتمثل في أن ما وصلت إليه العلاقة بين مجلس الأمة ومجلس الوزراء من خيارات تتساقط الواحدة تلو الأخرى، يستلزم تعزيز الرقابة الدستورية على أعمال هذين المجلسين. ويكون ذلك من خلال إحدى وسيلتين، الأولى تبني ما أوجده الدستور الفرنسي لعام 1958 من إنشاء للمجلس الدستوري لمراقبة أعمال هاتين السلطتين. أما الوسيلة الأسهل فهي تعديل قانون إنشاء المحكمة الدستورية بما يمكنها من بسط رقابتها ليس فقط على دستورية القوانين واللوائح، بل على ما تبادر إليه كل سلطة في علاقتها بالأخرى، وهذا ما تبنته المحكمة الدستورية الفدرالية الألمانية".التفاتأما رئيس جمعية المحامين خالد الكندري فيقول إن أغلب مواد الدستور الكويتي تم تطبيقها من قبل المشرع الكويتي سواء في باب الحقوق أو الواجبات، وإن عدم تناول عدد من الحقوق التي يستلزم تطبيقها إصدار عدد من التشريعات يعود إلى التفات المشرع الكويتي عنها، وهو ما يتعين عليه أن يخضع مواد الدستور لدراسة شاملة لبيان النصوص التي لم يتم تفعيلها، ويتعين عليه ذلك التزاما بالنصوص الدستورية التي تتطلب منه كمشرع أن يعمل على تفعيل نصوصها بإصدار العديد من التشريعات.وأضاف الكندري أن العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية استحوذت خلال الـ49 عاما من التطبيق على الكم الأكبر من نصوص الدستور، وهو ما يستلزم الآن النظر إلى طبيعة النصوص الدستورية المنظمة لتلك العلاقة ودراستها وبيان آثارها، مع النظر إلى قرارات المحكمة الدستورية التي تصدرها في طلبات التفسير أو حتى بمناسبة الفصل في المنازعات الدستورية.واختتم الكندري بأن الحديث عن تعديل الدستور سابق لأوانه، فالخلل يتمثل في الممارسات السياسية لا في النصوص الواردة في الدستورية، فضلا عن أن أية حالة اختلاف يمكن معالجتها وفقا للقنوات التي رسمها الدستور، وذلك إما عن طريق اللائحة الداخلية للمجلس وإما عن طريق تفسير نصوص الدستور المختلف على تفسيرها وهو الدور المنوط اليوم بالمحكمة الدستورية.الفيلي: من يتهم الدستور بمسؤوليته عن الجمود السياسي فعليه إعادة النظر في مفردات الحياة السياسية لأن المسؤولية تقع على المشرع وغياب الكتل• بعد تعطيل الدستور اتفقت كل الأطرافعلى أنه حقيقة لا يمكن تجاهلها...واليوم نحتاج إلى إعادة وعي به• الدستور حرص على المواطنة في ظل مد القومية العربية... وبعض القوى المعارضة اليوم خرج من رحم الانتخابات الفرعيةالحميدة: المقصود بجمود الدستور عدم ترك النصوص لأهواء السلطتين التشريعية والتنفيذية• تعديل قانون المحكمة الدستوريةضرورة للنظر في علاقة السلطتينلا في دستورية القوانين فقط• نظامنا مزيج من النظامين البرلمانيوالرئاسي لأنه الأصلح للكويتالكندري: من السابق لأوانه الحديث عن تعديل الدستور... والمشكلة في الممارسات السياسية لا في النصوص• حل الخلافات بين السلطتين يكون باللائحة الداخلية للمجلس أو باللجوء إلى المحكمة الدستورية• عدم إصدار بعض التشريعات التي نادى بها الدستور التفات تشريعي
محليات
الدستور... 49 عاماً من المشاحنات السياسية بين السلطتين ومواد لم تحظَ بالتطبيق بعد!
13-11-2011