عزمي الوجيه أذلّني ثلاث مرات.

الأولى في بيت والده الذي أغرم بي وتزوجني. الثانية يوم ضبطني في الغرفة الدخانية في دار الشيخ عبد الحميد الجنزير. أما الثالثة فبعدهما بثلاثة عشر عاما؛ حين بلغت الثامنة والثلاثين من عمري.

Ad

هو الوحيد الذي فعلها من بين كل الرجال الذين عرفتهم، ولا أدري كيف استعذبتُ إذلالهُ لي! مع أن أباه، رباح الوجيه، زوجي الثاني، وصبري أبو حصه، زوجي الأول والثالث، حاولا إخضاعي واتباعي لإرادتيهما، لكنهما فشلا بشكل يثير الشفقة، ليس لأنني غير قابلة للاستجابة لشهوة السيطرة الذكورية، إنما لأنهما لم يمتلكا سحر ترويضي وأسرار تذويب كتلتي، على الرغم من إحساسي بتململ تلك الكتلة التي أعترف الآن، بأنها شكلت مبعث قلق وعذاب لي.

كان من الممكن أن يؤدي فشلهما معي إلى حزني على كل الذكور، لولا سحر الإثارة والسطوة الغامضة التي يمتلكها عزمي الوجيه، وقدرات الترويض التي تميز بها الشيخ عبد الحميد الجنزير.

ربما كنت بحاجة إلى من يَكسرني ويمرّغ غروري. ألا يمكن أن تكون رغبتي في الخضوع كامنة تحت قشرة هذا الغرور؟

عزمي هو الذي تمكّن من مداهمة معاقلي، وتحطيمها، إلى حدّ أنني امتثلت لأوامره جميعها، دون النظر إلى النتائج التي لم أتوقّع حدوثها.

يصغرني بخمس سنوات.

كان في صباه مختلفًا عن أبناء حيّنا في جبل الجوفة؛ شعره الفاحم الذي يرفعه إلى الأعلى فيوحي بالشموخ والثقة، وجهه المستدير المشرق، عيناه الرمليتان العميقتان، نظراته المطْمَئِنة، ورتابة ملابسه، كل هذا أوحى لي باختلافه عن الشباب الآخرين.

أمه، جليلة، اعتنت به كثيرًا، فهي لم تتمكن من إنجاب غيره بسبب حكايتها مع الجنّي الذي زارها بعد زواجها بأشهر، وكرر تلك الزيارة حين بلغ عزمي التاسعة عشرة من عمره. كثيرون من سكان الجبل يعرفون هذه الحكاية الغريبة.

في ذلك الجبل الذي تعتلي فيه البيوت بعضها، وتفصل بين صفوفها أزقة أو أدراج ذات حواف منحوتة، تحدث أمور أغرب من أن يصدقها أهل عمان الذين تعرفت إليهم في السنوات الأخيرة، فالإنسان هناك ليس هو المالك الوحيد لبيته وفِراشه، الملكية موزعة بينه وبين الكائنات الأخرى، لأن «الشراكة قائمة بين الناس والكائنات الأخرى التي تدبّ على الأرض بنظام مرسوم»، حسبما قال لي عزمي، بعد أشهر من زواج والده رباح مني.

فاجأني بقوله هذا، فهو مقلّ في الكلام مثل أمه، ويتحدّث بطريقة الكاشف لما وراء الأشياء!

فكرتُ في ما قال. بدأت أنظر إلى الأشياء بطريقة مختلفة، وتبين لي أن للحياة في حيّنا السفلي نظامًا خاصًا، على الرغم من الفوضى التي يسبّبها الناس بعد صحوهم من نومهم وذهابهم إلى أعمالهم. فعصافير الدوري تتناوب على حيّنا فجرًا، ليس بسبب بساتينه أو أزهاره التي لا وجود لها، إنما لأنها تجد ما تقتات عليه من الديدان المذنّبة القريبة من قنوات المياه العادمة في الأزقّة، وتجد ما تشربه من البرك الصغيرة المتجمعة من المواسير العامة، التي يعمد السكان إلى كسرها، لأنها تمرّ من الحي وتغذي مناطق جبل التاج والأشرفية وغيرهما، فيما تنقطع عن بيوتهم أيامًا طويلة. يكسرونها ليحققوا ثلاثة أهداف: يملأون الأواني بما يلزم من الماء، ويوفرون أثمانها، ويقطعونها عن الأحياء الأوفر حظًا.

القطط تحتلّ الحي في الصباح، بعد أن يلقي الناس أكياس نفاياتهم حول حاوية مفكوكة العجلات، فتنقضّ عليها لتنبشها بمخالبها، وتلتهم ما تحتويه من زفر وخبز وسواه، ثم تترك العظام المجرّدة لأرتال النمل، الذي يقوم بمهامه بمثابرة الشركاء أصحاب الحقّ في الأرض وما عليها.

الحي السفلي في جبل الجوفة هو منطقة متنازع عليها بين الناس والكائنات الأخرى.

فمملكة الليل في الحي تتنازعها كائنات عدة؛ القطط، والحشرات، خصوصًا البعوض والصراصير الحمراء التي لم تتمكن آليات أمانة عمان ومبيداتها من القضاء عليها، على الرغم من محاولات المختصين الذين أصيب رئيسهم باليأس، فأزاح الكمامة عن أنفه وفمه قائلاً أمام جمع من السكان «القضاء على الصراصير الحمراء مستحيل، لأنها موجودة على الأرض قبل الإنسان، ولها قدرة تفوق قدرتنا على البقاء والتكاثر».

على الرغم من ذلك، فإن النفوذ الأقوى في ليل الحي يكون للجرذان المتوحّشة التي تفزع القطط والأطفال والنساء، وبعض الرجال!

من المفروض أن لي ثأرًا عند الجرذان لأنها قتلت أبي، لكنني تنازلت منذ زمن عن ذلك الثأر بطيب خاطر. فبحسب رواية أبي فاروق الذي كان يسكن في زقاقنا ويلازم أبي ليلاً إلى مكان لا أعرفه، أن الرجلين عادا مخمورين مترنحين وقت السحر كعادتهما، وداس أبي بحذائه جرذًا سمينًا بغير قصد، فانزلقت قدمه بسبب لدانة جسم الجرذ، وسقط جسده الضخم على القناة الضيقة للمياه العادمة، فصار يشتم الفقر والثدييات والأمانة، التي استغنت عن خدماته في تقليم أشجار الأرصفة، وأحالته على التقاعد قبل أن يتم الثامنة والأربعين من عمره.

«هي السبب، هي السبب» كان يقول أثناء محاولاته النهوض، وظلّ يكررها إلى أن فقد وعيه، فانقضّت الجرذان عليه بطريقة تضامنية لا تتقنها فرق الموت المدرّبة. هذا ما أخبرنا به أبو فاروق الذي تخلى عن صاحبه تلك الليلة، وجرجر قدميه هاربًا إلى بيته.

حين خرجنا لرؤية أبي، كدت لا أعرفه، وأثارت جثته المشوّهة ذعرًا في نفسي، وفي أذهان سكان الحي، الذين تحدثوا كثيرًا عن تلك الميتة الفظيعة.

لكنه بميتته تلك، أراحنا من شروره التي بدأت بعد إفشاله زفافي الأول من صبري أبو حصة، ذي الوجه الأبيض العريض، والعينين اللتين توحيان بانعدام الثقة بالنفس أو بالناس.

لم أغفر لأبي ما فعله بي يومها، على الرغم من محاولاته إقناعي بأنه لم يقصد تخريب عرسي، ولا منعي من التمتّّع بشبابي مع صبري أبو حصة، ولا الاحتفاظ بي حزنًا على فراقي، إنما حرصًا على هيبة العروس فيّ أنا، وصونًا لبيتنا الذي انتهكت رصاصات أبي  صبري حرمته. وحين أيقن أن محاولاته لم تجد صدى في نفسي، صار يقضي أوقاته مطرقًا عازفًا عن النظر في وجهي أو وجه أمي، واعتاد التنهّد بخشونة، ثم بحث عن وسيلة تخفف عذاباته، فاهتدى إلى العَرَق الرخيص الذي صار يحتسيه مع صاحبه المدمن أبي فاروق.

خمس سنوات عجاف مرّت على فشل زفافي من دون أن يسومَني أحد. ما الذي جرى للرجال؟ هل انقطعوا؟ سألت نفسي مرارًا، وعندما لم أجد إجابة ازددت حنقًا وصرت أعاتب أبي أثناء نومي، على الرغم من موته بعد عامين من إفشاله زفافي بطريقة لم أتوقعها. فحين جاءت السيارات المرافقة للحافلة المكتظّة من أجل اصطحابي إلى بيت أهل صبري في منطقة طبربور، أمسكني أبي وخالي من ذراعي وخرجا بي من بوابة دارنا، وسط فيض من الزوامير والطبول والزغاريد، فتحمّس أبو صبري واستلّ مسدسه من تحت زنار بنطاله الكحلي، وأطلق تسع رصاصات في الهواء على بعد مترين منا. حينها تشنج أبي رافضًا التقدم خطوة واحدة باتجاه السيارة التي انتظرتني عند مدخل الزقاق، وصار يهدر غضبًا، ليس بسبب خطورة إطلاق الرصاص بين جموع المشاركين في العرس حسبما قال حينها، إنما لأن استخدام المسدس أمام بيتنا، يعني أن أهل العريس يريدون أخذي بقوة السلاح وصوت الرصاص، الذي فسره على أنه إرهاب له ولأقاربه وجيرانه. لا أدري من أين جاء بهذه الفكرة التي نغصت حياتي في ذلك اليوم الحار، ربما قرأها في الكتب والمجلات القديمة التي يشتريها من باعة الأرصفة بين الحين والآخر، كان يقرأ كثيرًا على الرغم من أنه لم يكمل دراسته، لكنه توقف عن هذه العادة بعد أن صار يشرب مع صاحبه.

يومها تمسّك برأيه رافضًا التقدّم باتجاه السيارة، ولم يتوقف عند توسّلات أمي وأقاربي وأبي عزمي وزوجته جليلة، وآل العريس الذين تغيرت نبراتهم تدريجيًا، ثم صاروا يتهددون ويتوعدون، فيما أصرّ أبي على موقفه العنيد.

أبو صبري نظر إلى ابنه بحزم وخاطبه بصوتٍ عالٍ «طلقها، طلقها ليشبع أبوها منها». وعندما ارتبك صبري، صاح به ثانية «قلت لك طلقها يا نذل، طلقها بالثلاثة» فطلقني... النذل.

المفاجأة التي أثارتني وفجعتني، جاءت من عم صبري ذي الوجه العريض المحمرّ المتعرّق، فما أن سمع صبري وهو ينطق كلمة «طالق» ثلاث مرات، حتى تهلل وجهه كمن تلقى نبأ كان يتمناه، وانبرى أمام الجميع قائلاً لأبي صبري «ابنتي جاهزة، سأزوجها لابنك اليوم لتتمّ فرحتك بابنك، نأتي بالمأذون ونكتب الكتاب ونتمم الموضوع».

وافق والدا صبري عنادًا، فيما بُهت هو وأنزل رأسه ولم ينبس، أما أم عروس الغفلة تلك، فقد قهقهت وزغردت بصوت حادّ، فانتهرتها أمي «تضحكي بلا أسنان». كانت بلا أسنان فعلاً، ومع ذلك شتمت أمي بلسانها الملوي، فقامت القيامة واشتبك الجميع مع الجميع، رجالاً ونساء وأطفالاً، وعندما أطلق أبو صبري ثلاثة عيارات نارية في الهواء، انطلق الرصاص من مسدسين لم يتمكن أحد من معرفة أصحابهما بسبب الفوضى، فتوقف العراك فجأة، وتهارب الرجال والنسوة من أهل صبري إلى حافلتهم وسياراتهم، بينما خمّن الناس أن أبا عزمي وأبا فاروق هما اللذان أطلقا الرصاص.

حقدتُ على صبري، ووجدتني غير قادرة على تذكّر اسمه من دون ربطه بالنذالة. حقدت أيضا على أبي الذي عاش بعدها أيامًا عصيبة، فتارة يحاول استرضائي، وأخرى يوبّخني بقسوة. لكنه لم يكرهني، أحسست بهذا، حتى أنه ذات ليلة، قبل أيام من موته الفظيع، أوى إلى فراشه مخمورًا، وقال بصوتٍ عالٍ سمعته بأذني «ماذا لو فعلتها سندس مع أحد شبان أو رجال الحي الذين...»

من المؤكد أن أمي سمعته، لكنها لم تقل شيئًا ولم أسمع صوتها.

أمي امتلكت حصانة ضد توبيخات أبي وألفاظه في سنوات عمره الأخيرة، لأننا كنا نعيش على مساعدات إخوتي الثلاثة المتزوجين الذين يعملون في دول الخليج، تلك المساعدات التي يحولونها باسم أمي لا باسم أبي الذي يبدد النقود.

حكايتي مع عزمي بدأت عندما تزوجني أبوه، عقب وفاة أمه في ظروف لا علاقة لي بها، وإن كانت نساء الحي وبعض رجاله قد حمّلوني ظلمًا، مسؤولية موتها.