سامي محمد: الإنترنت لا يصنع نحاتاً!

ينحاز النحّات سامي محمد إلى الإنسان مجسداً معاناته وانكساراته عبر لغة تشكيلية، تمزج بين التكثيف والترميز. يرسم بريشته مشاهد من الحياة البحرية المختزنة في تلافيف ذاكرته منذ الصغر، مصوراً جسارة البحار في التصدي لقسوة الحياة وأخطار البحر المتنوّعة. وفي أعماله النحتية يمقت سامي محمد الاضطهاد والتنكيل والقتل والتشريد فيصنع منحوتات تصوّر بشاعة الواقع ومرارة المأساة، كذلك يركّز في أعمال أخرى على الموروث الشعبي، لكن غالبية إبداعاته تتقاطع مع الهمّ الإنساني.

Ad

سامي محمد نحّات كويتي درس فن النحت في مصر، ثم استكمل دراسته في الولايات المتحدة حيث اطّلع على تجارب فنانين كثر ينتمون إلى مدارس فنية مختلفة ساهمت في إثراء ذائقته الفنية وتطوير مهاراته مستوعباً أساليب نحت حديثة.

عرض في غير عاصمة ودولة عربية وأوروبية بينها: إنكلترا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وأسبانيا وأستراليا وألمانيا وبولندا واليونان وكوبا وبولندا والصين والهند وتونس ومصر والجزائر والبحرين وسورية والإمارات.

معه الحوار التالي...

أقمت أربع سنوات في الولايات المتحدة الأميركية، لماذا اخترتها بالذات؟

درست في مصر الفنون الجميلة وتضمّنت دراستي تشريح وتاريخ الفن، إضافة إلى أمور أكاديمية أخرى. عقب استكمال دراستي، أردت البحث عن أمور «تكنيكية» حديثة ضمن أجواء مغايرة لطبيعتنا، لذلك انتقيت الولايات المتحدة الأميركية بحثاً عن التعرف إلى أنماط وأشكال جديدة تساهم في إثراء مشروعي الفني، لذلك كنت حريصاً على حضور الفاعليات الفنية والتشكيلية في أميركا وقد وفّرت لي هذه الرحلات الاحتكاك بفنانين لهم ثقلهم الفني في الولايات المتحدة، إذ زرت استوديوهات فنانين كبار واطلعت على أساليب فنية متباينة.

تتقاطع الفنون وتتشابك في ما بينها، ما مدى تأثير الفنون في تحريضك على إنتاج منحوتاتك؟

ينهل المبدع من مخزونه المعرفي وقدرته المهنية، لكن حينما يترجم إحساسه لا يعيد ما قرأه أو ما شاهده، بل يدأب على تحقيق ذاته من خلال اختزال هذه التجارب الشخصية أو العامة، وتماشياً مع ذلك فإن التشكيل يدفع الفنان إلى كثرة الاطّلاع وديمومة البحث واستمرارية التجارب رغبة في الحصول على أدوات تعبير تضمن له التفرّد في مشروعه الفني.

الفن السابع

هل من المفترض أن يكون التشكيلي رساماً نحاتاً ومصوّراً سينمائياً؟

من منظوري، أعتبر أن «الفيديو آرت» فنّ قائم بذاته، وهو ينتمي إلى الفن السينمائي وفي حال الولوج إلى هذا المجال يجب البحث عن ممثل ومخرج وسيناريست وموسيقى وإضاءة وغيرها من متطلّبات فنّية على الفنان إتقانها، لذا لا أحبّذ دمج «الفيديو آرت» مع الأعمال الأخرى لأني أنبذ الاستسهال في العملية الفنية، وأرى أن بعض التشكيليين يرصد مشاهد متحرّكة ضمن عدسته الشخصية وهو يفتقر إلى أساسيات هذا الفن المتشعّب، فيهضم حق السينما لأن هذه المشاهد تنتمي إلى الفن السابع ولا علاقة لها بالرسم أو النحت.

كيف يستطيع الفنان تطوير مشروعه في النحت، متخلّصاً من مساوئ تقليد الآخرين؟

رصدت الحركة التشكيلية بمختلف أشكالها في الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما أن هذا البلد يتمتّع بالصرعات الفنية، وكنت أُذكر نفسي دائماً بأنني أريد أن أكون سامي محمد ولن أقع في دائرة التقليد كما حدث معي أثناء دراستي في مصر، لذا عقدت العزم على عدم التأثر بالآخرين لئلا أكون ظلالاً لتجربة بحدّ ذاتها، مكرساً خبرتي الفنية ومهارتي العملية في البحث عن شخصية تمثّلني أنا.

أنت رسام ونحات أيضاً، كيف تزاوج بين النحت والرسم في عمل مشترك؟

النحات قطعاً رسام، لكنْ ثمة رسّام ليس نحاتاً. فالتخصّص في المجال الفني أمر جميل، ومن خلال تجربتي الفنية اشتهرت في مجال النحت وأنا رسام وأبذل قصارى جهدي في الرسم وأنتج لوحات وأنظّم معارض. كذلك، بعت بعض لوحاتي، لكن لم أقل يوماً إني رسام. عموماً، الفنون مرتبطة ببعضها البعض.

كيف ترى مستقبلك في هذه الفنون؟

يصعب التكهّن بما ستؤول إليه الأمور، بسبب سرعة إيقاع الحياة راهناً. ربما ألجأ مستقبلاً إلى إدخال التصوير إلى أعمالي، لا سيما أني أعمل في التصوير السينمائي منذ عام 1960، ولدي استوديو وآلات تصوير وأطبع ما أصوّره، لكنّ قليلين من يعرفون عني ذلك.

حرية الثقافة وحرية ممارسة الفن، هل نحن حقاً مفعمون بهذه الحرية، وهل يستطيع النحات طرح مواضيعه بكل جرأة من دون قيد أو شرط؟

في استطاعتك العمل بحرية في بلد ديمقراطي مثل الكويت، لكن لهذه الحرية حدود وضوابط يجب الالتزام بها. إذ يحظّر على الفنان الخوض في غمار السياسة أو الدين، وأعتقد أن هذه المعايير مفروضة على معظم الفنانين في العالم وعلى الكتّاب أيضاً.

يستطيع الفنان تسليط الضوء على موضوعات كثيرة، متّسقاً مع هذه المحاذير ومن خلال تجربتي الشخصية فضّلت الالتزام بالقضايا الإنسانية التي يعانيها الفرد في أي مكان متناولاً قضايا هامة تتقاطع مع موضوعات أخرى. بالتالي، يتم تأويل هذه الأعمال وتفسيرها من منظور سياسي، إذ ينظر المتلقي مثلاً إلى تمثال المكمم كترميز لقضايا سياسية متنوّعة.

قائمة المحظورات

هل النحات في الكويت مظلوم، أي بمعنى لا كرامة لنحات في بلده؟

ثمة مشاكل متشعّبة يعانيها النحّات محلياً خصوصاً وعربياً عموماً، بينما تجد أن النحات في أوروبا يتمتع بمساحة كبيرة من الحرية. لكن عموماً، أعتقد أن الرسم يحظى بمكانة مرموقة عربياً مقارنة بالنحت.

صراحة، يئن هذا المجال خليجياً تحت وطأة مشاكل متنوّعة، في مقدّمها التشدّد الديني لبعض الفئات التي تصنّف النحت ضمن قائمة المحظورات.

هل ما زالت هذه الصورة مسيطرة على فن النحت راهناً؟

صراحة، لمست تطوراً كبيراً خلال الأعوام الفائتة في هذا المجال، إذ بدأ يذوب جليد الفكر الأحادي وأصبحت الأمور أقل تشدداً، وبدأ التعامل مع منجزاتنا على أنها قطع فنية لا تحتمل التأويل المبالغ.

تقول: «لم تستفد الدولة مني كما يجب». جملة مقتضبة، لكنها تفتح العين على ملفات كثيرة. هل ما زال الوضع كما هو عليه؟ وما الذي تودّ تقديمه خلال الفترة اللاحقة؟

أمضيت ردحاً من الزمن ملتصقاً بفن النحت وأنجزت أعمالاً كثيرة حقّقت انتشاراً كبيراً ليس عربياً فحسب بل عالمياً أيضاً، وأثمّن دعم الدولة لي ورعايتها أثناء البدايات إذ أرسلتني لدراسة الفن ولم تخذلني في هذا الجانب. لكن أعتقد أن الكويت تحتاج إلى لمسة فنية جمالية في شوارعها وميادينها لأن التطوّر العمراني لا يسدّ فراغ الجماليات الفنية التي يقدّمها النحّات والخزاف والرسام، لذلك آمل بأن أكلَّف لتنفيذ مشروع فني لتجميل المدينة أستثمر فيه خبرتي الفنية وأدواتي النحتية.

حينما أذهب إلى عواصم العالم المتطوّر، أستمتع بمشاهدة منحوتات وجداريات ترصد واقع الحياة وجانباً من تاريخ تلك الدول.

أشكال عمرانيّة

يبدو أن لديك تصوراً كاملاً للمشروع؟

لست وحدي من يفكّر في هذا الموضوع، بل يشاركني فنانون كثر في مسألة تجميل الكويت. للأسف، نحن في الكويت كلّ يغني على ليلاه ومنهمك في أمور لا علاقة لها بجماليات الفن فيما نهمل موضوع تزيين المدينة، فالسواح يأتون إلى الكويت ليس بحثاً عن الشكل العمراني لأننا لسنا من الدول المتقدّمة عمرانياً، بل طلباً للمسات جمالية وأعمال فنية تمثّل حضارة هذا البلد وتاريخه.

أي عمل فني يمر بمجموعة من المراحل لينضج ويكتمل... ما هي مراحل إنتاج عملك النحتي؟

ثمة أمور كثيرة يجب توافرها في النحات، في مقدّمها المهارة المهنية والفكر المرتبط بالناحبة الموضوعية، إضافة إلى الحركة المنسجمة مع القدرة البصرية. أما بالنسبة إلي، فأحرص على تكثيف الفكرة واختزالها ضمن عمل نحتي يجسّد رؤيتي الفنية، وسأسرد لك جانباً من تجربتي الشخصية في تمثال «صبرا وشاتيلا» الذي استلهمته من الواقع حينما وقعت هذه المأساة وكنت أتابعها عبر وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة. فشعرت آنذاك بحزن عميق، إذ هزّتني الكارثة الإنسانية ففكّرت بتجسيدها فنياً.

استوحيت عملي من مشهد لامرأة مكلومة توزّع صرخاتها في الاتجاهات كافة، ولا تعرف إلى أين تذهب وأي طريق تسلك. وعقب تكوين كتلة مشاعر وأحاسيس انكببت أترجمها منجزاً تمثالاً خلال سبعة أيام، لكن شعرت أن ثمة شيئاً مفقوداً كان يحرّضني على هدم العمل والبدء في رحلة بحث جديدة أتمكّن فيها من تقديم منحوتة بحجم مأساة صبرا وشاتيلا.

«مجموعة سامي محمد»، هل ترى أنها تسير ضمن الاتجاه الصحيح، ألا تعتقد أنها بحاجة إلى دعم كبير لصقل المواهب وتطويرها بشكل كبير؟

أعتقد أن تشجيع الشباب المتحفّز على ممارسة الفن ضروري جداً، لذلك أهتم كثيراً باستقطاب المواهب الشبابية التي تتلمّس طريق الفن للمرة الأولى وليس المحترفين. كذلك، يسرّني توفير الأجواء الملائمة لأعضاء المجموعة لممارسة التشكيل والعرض، لكن لا بد من توافر أمور أخرى لدعم مسيرة الشباب وتطوير أدواتهم التعبيرية.

هل ساهم الإنترنت في خدمة الفن؟

لشبكة الإنترنت إيجابيات كثيرة، في مقدّمها التعريف بالفنان من خلال نشر أعماله ضمن مواقع كثيرة، والتسويق لمشروعه الفني. كذلك يمنح الفنان فرصة الاطلاع على مدارس تشكيلية متنوّعة في شتى أصقاع العالم، وبفضل هذه الشبكة العنكبوتية يستطيع المتصفّح الانخراط ضمن دورات وورش فنية كثيرة.

في المقابل، ثمة سلبيات يصعب إحصاؤها، في مقدّمها أن الإنترنت أصبح آفة خطيرة يجب التعامل معها بحذر، لا سيما أن ثمة أفراداً يعمدون إلى سرقة بعض الأعمال والأساليب التشكيلية. لذلك تساهم هذه الخطوة في ضياع حقوق الملكية الفكرية وفي الإضرار بالفنان الذي يتم السطو على إحساسه وابتكاراته.

من منظوري، لا يصنع الإنترنت فناناً أو نحاتاً أو مبدعاً، بل يساهم في فضح أمره وكشف مآربه.

ما أصعب شيء على الفنان؟

تدمير أعماله على أيدي أفراد لا يقدّرون الفن. تمنّيت ألا أشاهد أعمالي وهي مهشّمة وقد طاولتها آلة التدمير ولو أنها اختفت أو دُمِّرت في مكان آخر كان الوقع أقل وطأة علي، فقد تأثرت كثيراً حينما رأيت أعمالي بهذا الشكل المشوّه، لا أخفي عليك أني أستطيع إعادة ترميم هذه الأعمال، لكن لن أنجزها بالإحساس والتصميم نفسيهما.

أرقام وأعوام

- سامي محمد مولود في منطقة شرق في دولة الكويت 1943.

- أنجز مع مجموعة من الطلاب عملاً فنياً نحتياً جماعيّاً في المدرسة تخليداً لذكرى العدوان الثلاثي على مصر 1956.

- انخرط ضمن سلسلة دروس تأهيلية في المرسم الحر عام 1961.

- التحق بكلية الفنون الجميلة في مصر لدراسة فن النحت وكذلك فن الرسم والوسائط التشكيلية 1966.

- أسّس مع مجموعة من زملائه في عام 1967 «الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية».

- استكمل دراسته في مدينة برنستون- ولاية نيوجرسي- في الولايات المتحدة الأميركية، ملتحقاً بمعهد ومحترف جونسون التقنيّ للنحت عام 1974.

- شارك في لجان تحكيم متنوّعة محلياً وعربياً.

- حقّقت أعماله انتشاراً كبيراً إذ بيعت منحوتته «لحظة خروج» بمبلغ 38 ألف دولار في صالة المزادات العالمية «كريستيز» في دبي، وبيعت له أعمال أخرى منها منحوتة «صبرا وشاتيلا» بمبلغ 65 ألف دولار أميركي.