بهدوء وبعد أن رأى ايديولوجيته الثورية التي تمسك بها وعبر عنها بفرشاته تتحقق في ثورة يناير، رحل الفنان التشكيلي حامد عويس عن عمر يناهز 92 عاماً بعد صراع مع المرض، وكان أحد أهم المبدعين ورواد تيار الواقعية الاشتراكية.

Ad

تحتل لوحات حامد عويس مكانة بارزة في كبرى المتاحف العالمية، وأبرزها «صيادون من الإسكندرية» في متحف درسدن في ألمانيا، «المطرقة والوعي» في متحف الفن الحديث ببرلين، «الجالسة» في متحف الفن الحديث في بولندا، «السد العالي... الأرض لمن يفلحها» في متحف الفنون الشرقية في موسكو، «القيلولة» متحف الفن المعاصر في مدريد، و{الحصاد» في متحف الفنون الجميلة في الإسكندرية.

نشأ عويس في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، والتحق بمدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة، حيث لم تطل إقامته بعدما عانى من تزمّت بعض مدرسيه المتعلِّق بالشكل والقواعد الفنية التقليدية.

انتقل عويس إلى معهد «البيداغوجي» حيث تتلمذ على يد الفنان يوسف عفيفي، وكان هذا المعهد يضم عدداً من الفنانين المتجددين أمثال صلاح يسري وجمال السيغيني وغزبيا سيري وزينب عبد الحميد وسواهم من الذين جمع بينهم التوجه نحو أفكار جديدة مستمدة من العالم الواقعي بعيداً عمَّا سمّوه بالفن الفولكلوري المتوارث والسريالية أو فوق الواقعية. وكانت هذه المجموعة متأثرة بالواقع الثوري الجديد الذي أحدثته ثورة 1952 المصرية.

بيكاسو

أعجب عويس بأعمال بيكاسو وماتيس، فانعكس هذا الإعجاب في لوحاته، وفجأة تبدلت أعماله بعد زيارته إلى إيطاليا عام 1952، حيث شاهد أعمال الفنانين الخارجين على المدرسة الإيطالية التي تأثرت بالحركة الفاشية وتميزت أعماله بتضخيمه لأشخاصه، مشدداً على صلابة أجسادهم ضمن إطار ضيق وكأنه يرسم ثوريين محشورين في دمى وأصواتهم تطالب بحرية أكبر ومساحة أوسع.

بدأت رحلة عويس الفنية، حسبما يقول الفنان التشكيلي

د. مصطفى عبد المعطي، بالبحث والتنقيب في الموروث الثقافي وفي الحضارات وفي تاريخ الفن وفي الفنون المعاصرة شرقًا وغربًا بهدف الوصول إلى لغة تشكيلية تحمل جوهر هذا الفكر، ذلك إيمانًا بأن وسيلته في التعبير هي اللغة التشكيلية والتي إن لم تكن في قمة اكتمالها جماليًا وفنيًا فستصبح قضيته الفكرية خاسرة. وبدأت الإرهاصات بالبحث في اللون، لأنه عماد فن التصوير فراح عويس يدرس أساتذة الفن المعاصر، وهنا تبرز مرحلة التأثر بماتيس وبيكاسو، وحاول الجمع بين المتناقضات اللونية التي كانت التعاليم الأكاديمية في مصر ترفضها تمامًا، ولفت الموضوع عند بيكاسو اهتمام عويس، لا سيما وهو يعالج قضايا إنسانية عامة، فخرج ذلك في أعمال مثل: «الخياطة»، «قارئ الكوتشينة»، «التريكو»... وكلها نماذج إنسانية بسيطة، ثم «البلاج»، «فناء المدرسة»، و{محطة ترام كليوباترا» في الإسكندرية... في محاولة لإيجاد حلول لعلاقة لونية جديدة.

ويضيف عبد المعطي: «ليس المهم لدى حامد عويس إجادة التقنية والصياغات التشكيلية فحسب، بل عليها أن تحمل رسالة وقضية... والإنسان هو قضيته التي تشغل باله وتملأ عليه فكره وكيانه». ومن هذه الخلفية المشحونة بهذا التكوين الإنساني جاءت ملحمة عويس الفنية، وأصبح ذا أسلوب متفرد في الحركة الفنية المصرية المعاصرة لا تخطئه العين، فتصميم الصورة عنده يحسب بميزان الذهب، وفي دقة تفاصيله علاقات واتجاهات للخطوط والتقابلات بينها، أما اللون فقدّره في كل مساحة وفقًا إلى درجة ذبذبته على شبكية العين، ويؤدي الخط واللون معًا دورًا أساسيًا في جذب العين وحصرها داخل إطار الصورة.

استقلالية

عناصر بناء الصورة عند عويس تستمد من قانون طرحها على مسطح استقلاليتها الكاملة، فهي لا تقبل دخول أي عنصر خارجها للمشاركة في التصميم، ولا يمكن لأي منها التحرك خارج التصميم هاربًا خارج الصورة. وعلى رغم أن عناصر بناء الصورة كافة عند عويس ذات مدلول بصري، إلا أن التصميم عنده في جوهره قائم على لغة تجريدية محكمة، ولا يمكن أن يأتي هذا صدفة أو اعتباطًا، بل هو نتيجة حتمية لفنان عميق تسكنه القيم الفنية عبر التاريخ الإنساني. والإضافة الجديدة التي استخدمها في صياغة الصورة هي هذا التحقق التشكيلي القائم على نظرية اجتماعية آمن بها، وهي أنه كي يأتي الكل مكتملاً فلا بد من أن يكون الجزء مكتملاً.

أقام عويس معارض خاصة عدة وشارك في معارض جماعية دولية، وكان رئيساً شرفياً لبينالي الإسكندرية الرابع والعشرين لدول البحر المتوسط 2007. كذلك نشرت دار «نشر الفنون» في ألمانيا كتاباً حوله في عام 1962 ضمن مجموعة الكتب عن الفنانين المعاصرين في العالم، ونال درجة الأستاذية في فن الرسم من أكاديمية سان فرناندو في إسبانيا في عام 1969، وكان عضواً مؤسساً في نقابة الفنانين التشكيليين وجماعة الفن الحديث، إضافة إلى أنه عمل أستاذاً في كلية الفنون الجميلة في جامعة الإسكندرية وتولى عمادة الكلية وأشرف على إدارة متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية.

حصل عويس على جوائز عدة أبرزها: صالون القاهرة في عام 1958، جائزة الريادة الفنية من وزارة الثقافة، جائزة جامعة الإسكندرية التقديرية في عام 1996، جائزة الدولة التقديرية في الفن عام 2001، جائزة مبارك في الفنون عام 2005. كذلك نال وسام الجمهورية من الطبقة الثانية  ونوط الامتياز من الطبقة الأولى، وعدداً من الجوائز الدولية منها جائزة جوجنهايم الدولية عام 1956، وجائزة بينالي الإسكندرية الدولي عام 1958، وجائزة بينالي الإسكندرية الدولي عام 1962.