الروح تشهق، لم تبق سوى الكلمة التي هي موجة مقذوفة في الصمت. الكلمة التي هي رماد النسيان حقاً.

الشعر ملاذ الحالمين هذا، رسول الرغبة اللامتحققة. من هنا تبدو الكتابة الشعرية أمثولة لائقة لتحقيق الغياب. كل كلمة تحيا موتها مشتعلة كجمرة الأبدية. ومع ذلك ليس الغياب موتاً بالضرورة ربما كان الغياب هو انزياح الموجودات عن أمكنتها، حتى ليبدو المكان ذاته غريباً عن نفسه. الموت شيء آخر، انه الذهاب إلى ما وراء العدم حيث تنتظرك دوماً هوّة يستحيل عبورها. ليس الموت إذن في ذاكرة الشاعر سوى صمت يعوم في الظلام، في صحراء ليل طويل.

Ad

الفقدان؟ أجل عن هذا يكتب الشاعر منذ العصر الجاهلي حتى بدر شاكر السياب، وهو يصرخ:

(هاتو لي أحبائي).

الفقدان أي الغياب الحاضر في الزمن. بهذا المعنى أيضاً يقول أوكتافيو باث:

"يتملكني دائما في منتصف القصيدة شعور بالهجر". ويبدو لي أن ألم الشاعر الحق يكمن في هذا. انه كائن مهجور، وحدها الكلمة تظل تحدق فيه حتى النهاية.

* * *

وحدي على الشرفة أنظر إلى الحديقة وأرقب الزهرة التي نمَت حديثاً وسط صف كامل من النباتات الصغيرة. زهرة وحيدة، تُشبه أيامي القديمة في مغارات الليل. متى ستعبر الغيوم؟ الطبيعة فكرة موسيقية. الصمتُ سلاح العزّل.

* * *

من الذاكرة يجيء الساحر ليوقظ ما تبقى فيّ من الأحلام. يجيء الساحر خفيفاً. موارباً. يقفز أمامي. يُذكرُني بطفولتي. طفولة المسّرات واللعنات معاً. يرقص أمامي أهشهُ فيعود. يوشوش في اذني: بأن المياه ستفيضُ في الوديان في بلدتك القديمة. ستجرف المياه قبور الموتى. حاذر! قبرك على تلك الحافة من الأفضل أن تستيقظ قبل فوات الآوان.

* * *

الواقع عنيد مثل صخرة. انه وهمٌ برؤوس كثيرة. الإشارات الباطنية لمعنى الواقع. تضع أمامك فكرة الحياة. الليل هو الواقع الأكثر صلابة، حين تتنفس بصعوبة، وأنت فوق سرير خشبي يشبه التابوت.

* * *

أعترف بأنني أمتلك مواهب عدة، منها موهبة الصداقة. وهذا ما يجعل مني -في العمق- إنساناً خجولاً على الدوام.

* * *

الوظيفة عقل يقتل الرغبة في اللعب، وحدهم الأطفال والمجانين يغرقون في الحريّة.

* * *

"من مفارقات الحياة، انها فكرة غاية في الذكاء". صرخ ذلك الذي يعبر الرصيف وأصبعه مرفوعة إلى الأعلى. أكان يخاطب صديقاً ما؟

* * *

"اطرق بقوة فالحياة صماء" تقول ميمي باران. لكن مع ذلك يبدو أن الأبواب لن تفتح لي هذه الليلة.