لا تدين الجراحة لأحد كما تدين للعالم المسلم الزهراوي الذي يعد واحداً من أعظم جراحي المسلمين إن لم يكن أعظمهم، فهو أبو الجراحة الحديثة بلا جدال، أول من فرق بين الجراحة وغيرها من التخصصات الطبية، وجعلها علماً مستقلا قائماً على دراسة تشريح الأجسام الحية والميتة. فقبله لم تكن هناك جراحة في أوروبا، وبالسير على خطاه بدأ علم الجراحة يعرف طريقه إلى مدن أوروبا المختلفة. كما ظلت كتبه وأساليبه العلاجية الأساس الذي سار عليه أطباء أوروبا حتى القرن الثامن عشر الميلادي، ويكفيه أن ما قدمه منذ ألف سنة في مجال الطب والجراحة لايزال مستخدما حتى يومنا هذا، على الرغم من التقدم الهائل في عصرنا وضآلته في عصره.

ولد أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، بمدينة الزهراء (الضاحية الملكية لمدينة قرطبة) في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، فعاصر النهضة العلمية الكبرى التي شهدتها بلدان العالم الإسلامي، وأمضى سنوات عمره في ظل التقدم العلمي الكبير الذي تحقق لأهل الأندلس في ظل الخلافة الأموية آنذاك، فكان من الطبيعي أن ينجذب الزهراوي إلى العلم، وسط تشجيع حكام الأندلس للعلماء، ونبغ الزهراوي في الطب سريعا حتى أصبح واحدا من كبار أطباء عصره، وهو ما أهله ليحتل منصب طبيب الخليفة الأموي عبدالرحمن الناصر، ثم ابنه الحكم المستنصر، وظل كبير أطباء قرطبة حتى وفاته سنة 404هـ/1013م.

Ad

يعد الزهراوي واحدا من قلائل في مجال الطب راعوا البعد الاجتماعي في معالجة مرضاهم فقد كان يخصص نصف يومه لمعالجة المرضى سواء كانوا فقراء أم أغنياء مجانا تقربا لله تعالى وشكرا له على العلم الذي وهبه اياه. كما أنه من قلائل مارسوا التشريح بمعناه الواسع وبتمكن شديد للكشف عن أسرار الجسم البشري.

طوَّر الزهراوي ما نعرفه اليوم بالجراحة العامة ككل، وفروعا عديدة من الجراحات الخاصة كالمسالك البولية والتجميل والأنف والأذن والحنجرة وجراحة الفم والأسنان. وأول من أجرى عملية استئصال الحصى من المثانة عن طريق المهبل، وهو أول من نجح في عملية شق القصبة الهوائية حيث أجرى هذه العملية على خادمه، كما نجح في إيقاف نزيف الدم بربط الشرايين الكبيرة، وعلم تلاميذه خياطة الجروح خياطة داخلية لا تترك أثراً مرئياً، وكيفية الخياطة بإبرتين وخيط واحد مثبت بهما، مستخدما في ذلك أمعاء الحيوانات كخيوط جراحة للمرة الأولى، وأول من أدخل القطن في الاستعمال الطبي، وهي وسائل لا تزال مستخدمة حتى يومنا هذا. كما كان أول من وصف وصمم طاولة لرد الخلوع ونهايات الكسور المتراكبة وهو أول من ركب خليطة لاستعمالها في الجبائر الجبسية، فيكون بذلك قد مهد لتطوير الجبائر الجبسية الحالية.

وفي كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف" أسهب الزهراوي في شرح العمليات الجراحية وأدواتها، واحتوى الكتاب على لوحات توضيحية للآلات الجراحية التي كان يستخدمها في إجراء عملياته، وهي الأدوات التي ظلت تستخدم لقرون في أوروبا. ويحتوي كتاب التصريف على حوالي مائتي آلة جراحية موصوفة ومرسومة، الكثير منها من اختراعه هو، فقد كان الزهراوي يحث على الإبداع، فهناك أشكال عديدة للصنانير والمشارط والمسابر والمجارد، والجفوت والكلابيب، والمثاقب والمدسات ويحتوي كتابه بالإضافة إلى ذلك على أول صورة في التاريخ للمقص الحقيقي، إلى جانب صورة لأول محقن في التاريخ الطبي، وكان يسمى زراقة. ويعتبر كتابه هذا أول كتاب علمي مصور في تاريخ الطب وهو يتسم بالوضوح والبعد عن النظريات، وهو متعة للقارئ حتى اليوم.