تعد شخصية العالم الفلكي الكبير أبي معشر البلخي واحدة من أهم الشخصيات العلمية لعلماء الفلك المسلمين التي امتازت بأصالتها الفكرية وجرأتها العلمية. وهو واحد من أشهر علماء المسلمين في أوروبا حيث عرف هناك باسم «ألبوماسر»، لما قدمه من بحوث فلكية غيرت الكثير من المفاهيم القديمة البالية وإرسائه لقواعد الفلك الحديث مع مجموعة من علماء الفلك المسلمين، ولا أدل من اهتمام أوروبا بهذا العالم الفذ من أن المؤلف المسرحي باتيستا بورنا (من فناني عصر النهضة) وضع عنه مسرحية تدور حول براعته في مجالي الفلك والتنجيم.

ولد أبومعشر جعفر بن محمد بن عمر في مدينة بلخ (غرب أفغانستان) سنة 169هـ/ 788م وقدم بغداد طلباً للعلم، وكانت بغداد وقتها مدينة جديدة تبدأ خطواتها الأولى كعاصمة الخلافة، وكان الخلفاء يجمعون العلماء ويحثونهم على البقاء في بغداد في ظل منافسة محمومة بين مدارس بغداد والبصرة والكوفة على إحراز السبق المعرفي. فكان من الطبيعي أن يستجيب البلخي لإغراءات المدينة الجديدة، فكان منزله في الجانب الغربي منها بباب خراسان.

Ad

كان البلخي محبا للمعرفة في جميع فروعها فقد كان أولا من أصحاب الحديث، ثم دخل في علم الحساب والهندسة، وعدل إلى علم الفلك، وفي الخمسين من عمره، تحول أبو معشر إلى دراسة الجغرافيا، إلا أن حبه للفلك غلب على غيره من فروع المعرفة.

فقد درس الفلكين الهندي والفارسي بصفة أساسية، وانغمس في شؤون التقويم والتنجيم، ووصفه القفطي بعالم الإسلام في أحكام النجوم، وقد عمل في بغداد، وخدم الخليفة العباسي المستعين.

في مجال الفلك أجرى البلخي العديد من البحوث وقام برصد العديد من النجوم والكواكب، وكان أول من أثبت علاقة ظاهرة المد والجزر بحركة القمر، وجاء ذلك بعد العديد من المشاهدات التي قام بها ومراقبته لظاهرتي المد والجزر وحركة القمر من بداية ظهوره حتى اكتماله بدرا ثم نقصانه من جديد.

عمر البلخي طويلا فقد مات في 28 رمضان سنة 272 هـ، وقد جاوز المئة من عمره قضى معظمها في البحث ورصد النجوم وتأليف الكتب التي ترك لنا منها: كتاب المدخل الكبير إلى علم أحكام النجوم، الذي ترجم إلى اللاتينية في سنة 1133م وترجم بعضها أكثر من مرة، كما ألف البلخي «زيج قلعة كتكز» الملقب بزيج «الهزارات» والذي يمر خط نصف نهاره بهذه القلعة، وكتاب الزيج الكبير، ورسالة في علم الاسطرلاب ورسائل القمر، وهي كتب ترجمت إلى اللاتينية وعدت من الكتب الأساسية في تدريس الفلك في أوروبا حتى القرن السادس عشر.