صدر حديثاً عن «منتدى المعارف» كتاب «أفكار النهضة بين الأمس واليوم، من الدعوة لها إلى البحث فيها»، وقد حرّر الكتاب وقدّمه وجيه كوثراني.هذا الكتاب عبارة عن مختارات انتُقيت من مجلة «منبر الحوار»، تحديداً من عدديها اللذين صدرا في عام 1999 (38 - 39)، واللذين حملا عنواناً كموضوع مركزي لملف جامع ودال.
يتناول المحور الأول من «أفكار النهضة بين الأمس واليوم» بعضاً من حقل المساءلة عن الوعي المتبادل والمقارن بين أوروبا والشرق الإسلامي، والذي اتخذ غالباً صوراً تعكس مرايا متبادلة بين الذات والآخر، مرايا كانت تعكس الصور الخارجية للشكل والخبرات الأولى والفعل وردود الفعل العفوية والمباشرة، والتي وصفها الباحثون المعاصرون بأنها كانت «أيديولوجية» في تعبيرها ووظيفتها وهدفها. ويعنون بذلك، أنها تعبّر بطريقة فيها من التمويه والحجب والتصور المفترض ما يبعدها نسبياً عن الفهم الحقيقي لطبيعة الأشياء ومعطيات الواقع، ومسارات التاريخ الفعلي، ووفقاً للصيغة التي يتوخّى أن تقدّمها معرفة فلسفية أو اجتماعية أو تاريخية محقّقة وموثقة؛ أي بتعبير أكثر تجريداً «معرفة ذات طريقة علمية»، على أن «أيديولوجيتها» لا تعني أبداً عدم أهميّتها في تاريخيتها وزمنها.أما المحور الثاني، فقد تناول فيه باحثون معاصرون أفكار النهضة، لا من زاوية طبيعتها الأيديولوجية، أي من زاوية استعادة نصوصها وشرح موضوعاتها وآراء أصحابها في خبراتهم وتجاربهم وصورهم واستنتاجاتهم، لكن من زاوية وضع نصوص النهضة وكتّابها على محك النقد الأبستمولوجي أي من زاوية التساؤل عن ظروف ذلك الخطاب: كيف أنتج ولماذ ومتى؟ وماذا حقّق في مسار إنتاج أو نقل معرفة، وكيف تطوّرت هذه المعرفة، اقتباساً أو استيعاباً أو إبداعاً، وأي منهج صالح، أو هو أصلح، للمقاربة والمعالجة من جديد؟فالهدف من استعادة هذه المختارات، ليس الاطلاع على الإجابات السابقة التي طرحها النهضويون العرب في أيامهم وأزمانهم، بل التعامل معها ومع تداعياتها التاريخية ومع التحولات التي شهدتها المجتمعات العربية... وذلك كله على أمل مواصلة الدرب على تأصيل العلوم الإنسانية والاجتماعية واستخدام مناهجها استخداماً خلاّقاً.ونشير هنا إلى أن هذا الكتاب هو مجموعة من مقالات وأفكار وضعها عدد من المثقفين والنهضويين العرب، هم: مصطفى النيفر، عبد الإله بلقزيز، وجيه كوثراني، ابراهيم محمود، عبد الفتاح الزين، محمد سعدا أبو عامود، محسن على شومان، منى فياض، محمد الحداد، أبو بكر باقادر، كمال عبد اللطيف، وعبدالله عبد الرحمن يتيم.كوثرانييبدأ كوثراني مقدّمته للكتاب من مقالة الدكتور كمال عبد اللطيف بعنوان «تأصيل العلوم الإنسانية في الفكر العربي المعاصر: الشروط المعرفية والتاريخية»، فلا معنى لدراسة تاريخنا ومجتمعاتنا، وتاريخ الأفكار فيها، إلا باستخدام مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة. النواة الأولى للمؤسسين الجامعيين الأوائل، كانت «بؤرة ضوئية كاشفة داخل مجاهل الفكر العربي»، ومن السخف أو الخطأ اتهام النخب العربية الجامعية الأولى بالنسخ أو الاستنساخ. إنها إطلالة على المعرفة التي لا أوطان ولا حدود لها. على أن الإطلالة المعرفية الأولى تحتاج إلى شروط لاستكمالها وإنضاجها وتعميمها، وفقاً لما يراه عبد اللطيف بحق: الاستيعاب النقدي الإيجابي (النقد الابستمولوجي) وتوسيع مجال النظريات ومحتوى المفاهيم بإدخال معطيات الخصوصي والمحلي. على أن هذين الشرطين يحتاجان بدورهما إلى «شرط تاريخي» عام: الحداثة السياسية والمؤسسات الراعية للبحث العلمي.وقد توقّف عبد اللطيف عند ثلاثة شروط مركزية في موضوع كيفية بلوغ عتبة التأصيل. يرتبط الأول والثاني بالمجال المعرفي ويتعلّق الثالث بالمجتمع والتاريخ وفضاء الصراع السياسي والثقافي في عالمنا العربي، على أن عبد اللطيف يستدرك ليشدّد على أن مسيرة البحث العلمي في الإنسانيات في بلادنا العربية لم تكتمل. ولعل نظرة متفائلة إلى ما هو قائم نرى في ما أنجزنا وفرة مبشّرة بما هو أفضل منها، شريطة الاستثمار وحسن التدبير.وفعلاً نتصفّح مقالة في «إشكالية نشأة الدولة العربية القائمة» لمحمد سعد أبو عامود، حيث يستعرض الكاتب آراء مجموعة باحثين كتبوا في الدولة العربية ونشأتها، فنشهد عينة تشهد بدورها على إنجازات وإسهامات تؤكد ما ذهب إليه كمال عبد اللطيف: إنجاز يحتاج إلى استكمال ومواصلة: أعمال إيليا حريق، عبد الباقي الهرماسي، خلدون النقيب، رضوان السيد، غسان سلامة، وضاح شرارة، وجيه كوثراني وغيرهم.أما مقالة أبو بكر باقادر، أستاذ الأنتروبولوجيا من المملكة العربية السعودية، فتكشف عن أبعاد البحث الأنتروبولوجي الجديد، ومساهمة أنتروبولوجيين عرب، منهم ليلى أبو لغد وطلال أسد، في هذا التجديد للمنهج الأنتروبولوجي، فلا بد من أن نترك «للمدروس» مجال التعبير عن ذاته، وأن تنقل «سردياته» وطريقة تعبيره عن نفسه، رواية وقصة وشعراً وتداولاً للأمثال والكلام. حيث تبرهن تعقيدات الحياة الاجتماعية أنه يصعب إدخال الثقافات والأفكار والحضارات في أنساق وأنماط جاهزة. ويقدّم طلال أسد وفقاص لمقالة باقادر نقداً لأنتروبولوجيا الأنساق والأنماط التي يمثلها غيلنر على سبيل المثال: «إن الصورة التي يقدمها غيلنر عن المجتمع المسلم، إنما تعتمد على أسلوب سرد يقدّم مجتمعاً بلا ناس. فالإسلام في نظره يقدم أسوب حياة ومسودة لما يجب أن يكون عليه المجتمع، وعلى ذلك الأساس يقدم صورة لبناء اجتماعي جامد من دون أن يأخذ بالاعتبار تفاعل وتصرف الفاعلين». غير أن النقد الذي يوجّهه طلال أسد لغيلنر، لا يذهب مذهب الرفض القاطع والمتطرف الذي يذهب إليه إدوارد سعيد، عندما يرفض هو الآخر الاستشراق، جملةً وتفصيلاً، بحجة فضح وظائفيته كمعرفة استثمارية متعالية، فيساجل غيلنر رداً على نقد هذا الأخير كتاب الاستشراق، فيصفه إدوارد سعيد بأنه «ابن استشراق بالٍ».إشكالومن موقع هذا الإشكال، يتساءل الكاتب الأنتروبولوجي العربي عبدالله عبد الرحمن يتيم في مقالته «بعيداً عن نظرة إدوارد سعيد للاستشراق» كيف تحوّل غيلنر الأنتروبولوجي البريطاني المعاصر، أمام القارئ العربي، وعبر مقالة إدوارد سعيد، إلى فزاعة امبريالية بالية ومستشرق بالٍ. هذ القارئ الذي لم تتح له الفرصة الكافية للتعرف إلى غيلنر أو قراءة أعماله.يحرص يتيم على أن يتعرف القارئ العربي إلى غيلنر، عبر استعراض أولي لبعض كتبه «أولياء جبال الأطلس والثقافة والهوية السياسية، «المحراث والسيف والكتاب والعقل والدين»، و «ما بعد الحداثة». ليصل إلى النتيجة التالية: «إن الهاجس الأهم الذي كان ولا يزال يشكّل صلب اهتمام غيلنر ليس هو التفاصيل الاتنوغرافية المميزة للثقافة والمجتمع العربي- الإسلامي، وإنما البحث في الآليات والقوانين المنطقية التي يعمل وفقها النظام الاجتماعي في هذه البقعة من العالم». وفي رأي عبدالله يتيم، لم يكتفِ غيلنر بالقراءة عن كتب المستشرقين، بل اتبع منهج المعاينة الأنتروبولوجية المباشر، فذهب إلى الأطلس في المغرب ليرى «بواقعية» كيفية عمل النظم العقلية والأيديولوجية في الواقع.
توابل
أفكار النهضة بين الأمس واليوم... مساءلة الوعي والمعرفة
28-08-2011