غالبًا ما تكون تصرّفاتنا المدمّرة تجاه الآخرين تعبيرًا عن قلة احترام عميقة للذات وعدم تقديرها كما هي. يتبيّن في الواقع أنه من المستحيل أن نحب الآخرين والحياة والعالم، إن كنا غير قادرين على الإصغاء الى أنفسنا ومنحها الاهتمام والتعاطف والاحترام وحتى الحنان.

Ad

أن تكون لنا علاقة جيّدة بأنفسنا هو المدماك الأساسي الذي يحدِّد نوعية العلاقات التي نبنيها مع الآخرين. وغالبًا ما يكون عمر الأربعين هو الوقت الذي نبدأ فيه بحبّ أنفسنا... أخيرًا!

أن نحبّ أنفسنا هو أن تكون لدينا مشاعر إيجابية تجاهها. يسعى معظم الناس الى تلبية رغباتهم الشخصية والنجاح في حياتهم الاجتماعية والمهنية والعاطفية... أحيانًا على حساب الآخرين. قد تعود هذه التصرّفات الى حبّ زائد للذات. في المقابل، قد يضع البعض سعادة عائلته ومجتمعه في المقدّمة، لدرجة التضحية بالذات. وأخيرًأ، قد يكره البعض الآخر نفسه الى حدّ تشويه ذاته أو الانتحار. تبيِّن هذه الحالات المتطرّفة تنوّع المشاعر التي تراودنا حيال أنفسنا. لكن، هل حب الذات حاجة أم ضرورة؟ يقول العلماء النفسيون بصوت واحد إنه الإثنان معًا. إنما الطريق للوصول الى ذلك طويلة، وتتوقّف على ماضي الشخص وعلى ما عاشه في طفولته خصوصاً. لهذا، يحتاج حب الذات الى عمل طويل وشاق لا نقطف ثماره إلا بعد سنّ الأربعين.

احترام الذات

نحتاج الى الوقت لنتعلّم كيف نحب ذاتنا، وللتوقّف عن مقارنة أنفسنا بالآخرين، ولاحترام جسدنا وروحنا على السواء.  يتعلّق سن الأربعين بهذه الأمور، إذ نكون حينها قد راكمنا التجارب على مدى 40 عامًا.

الشخص الذي يحبّ نفسه يحترمها، والذي يحترم نفسه يكون على طريق الحب... أن نحترم ذاتنا هو قبل كل شيء أن نقبلها كما هي، ونقبل أخطاءها أيضًا. الكمال غير موجود، ولا توحي مظاهره إلا بالإعجاب والغيرة، وكلاهما مشاعر غريبة تمامًا عن الحب. احترام الذات هو أيضًا أن ننتبه الى تفاصيل كثيرة ليست عديمة الأهمية بقدر ما نريد أن نتصوّر. نستطيع أن نبني في هذا المجال ثالوثًا شخصيًا هو «الجسد والمظهر والروح».

الجسد: نحترم جسدنا من خلال الاهتمام الذي نوليه لطعامنا وللرياضة وللنظافة الصحية.

المظهر: نحترم مظهرنا من خلال الاهتمام الذي نوليه لملابسنا ولأسلوب التعبير عن شخصيّتنا.

الروح: نحترم روحنا من خلال الانضباط والغذاء الذي نقدّمه لها. وهنا أيضًا علينا أن نكون قد عشنا الأمر للوصول إليه.

في الأربعين، نشعر بمتعة أكبر وبذنب أقلّ بكثير في القيام بتصرّفات متطرّفة، طالما نحن نمارس حياتنا في إطار احترام الذات واحترام الآخرين الناتج منه. تتركّز كل الفائدة بالتالي: حين يكون احترام الذات ممارسة طبيعية، يصبح احترام الآخرين أيضًا كذلك، ومن دون أن نحاول ذلك حقًا، نصبح أكثر جاذبية في نظر الآخرين. ليس مفاجئًا إذاً أن نلاحظ أن النساء في عمر الأربعين هنّ غالبًا الأكثر جاذبية فيبدين مشعّات ومرتاحات مع أنفسهن، بما أنهن قد تمكنّ من قبولها أخيرًا بعد سنوات من الشقاء وبعدما وضعن عقدًا نفسية مختلفة وراءهن!

وقت التعلّم

قبل سن الأربعين، نجد عادةً صفات إيجابية لدى الآخر، لكننا نجد صعوبة في التعرّف إلى ما هو جميل في داخلنا. حبّ الذات في عمر الأربعين هو أن تكون لنا صورة حقيقية عن أنفسنا. فأن نعرف بشكل واع ما هو جميل فينا هو التواضع بعينه. أن نحتقر أنفسنا ونقلّل من قيمتها هو أقرب ما يكون الى خطيئة التكبّر: «أشعر بخيبة أمل لأنني لا أتناسب مع الصورة المثالية التي رسمتها لنفسي» أو «كنت أودّ أن أكون في مكان سمر، أو مي...». قد يخفي هذا الأمر في الحقيقة معاناتنا من شعور غير واع ٍ بالذنب. وقد يتحوّل هذا الشعور الى قاضٍ داخلي يلاحقنا باستمرار، وكأنه يمنعنا من أن نكون سعداء. أن نقبل بأن نعرف أنفسنا مع حسناتنا وسيئاتنا هو ما يحدّد احترامنا لذاتنا بشكل صحيح، وهذا أمر غالبًا ما نبدأ باكتسابه حين نصبح في مطلع الأربعين من العمر.

العمل على الذات

لكن، لا تكون كل النساء في عمر الأربعين قد عشن الأحداث نفسها أو لديهن النضج ذاته. إذ يتمسّك بعض النساء باتباع سلوك «فتاة صغيرة عجوز»، بينما تكون نساء أخريات مستعدات للمرحلة الثانية من حياتهن. هنا يتبين لنا من هنّ اللواتي عملن على أنفسهن وبحثن عن حقيقتهنّ الداخلية، ومن هنّ اللواتي لم يتحرّكن قيد أنملة.

في حال كانت المرأة قد فشلت في العمل على ذاتها سابقاً، فيجب أن يتمحور العمل على الذات في سن الأربعين حول اللجوء الى مساعدة اختصاصي والبدء بعلاج نفسي، يُستكمل في ما بعد بعلاج جماعي. العلاج النفسي هو عمل طويل وتدريجي، لن تظهر نتيجته في خلال يوم واحد، بل يتطلّب جلسات كثيرة تتوزّع على أشهر عدة، وقد تحتاج أحيانًا الى سنين عدة. تتوقّف النتيجة طبعاً على العلاقة المميزة التي ستُنسج مع المعالج. على عكس العلاجات الجماعية التي تستهدف عادةً مواضيع محددة، لا وجود للعلاج النفسي المتخصّص، إلا أن كل العلاجات بلا استثناء تعمل على تحسين الثقة بالنفس. فتحاول أن تعالج جروحًا من الماضي، أو أن تبحث عن الأحداث التي قد تكون السبب الكامن وراء الشعور بالدونية والحكم الخاطئ والسلبي على الذات.

محبّة الذات من خلال الآخر

يمكننا أيضاً أن نجد الشجاعة لنحبّ ذواتنا حين نكون بين ذراعَي من نحب. نستطيع القول إن الحب هو مساعدة الآخر على رؤية صفاته الجميلة. يساعدنا اكتشاف أننا محبوبون على أن نحبّ ذاتنا، وقد نحتاج أحيانًا الى تقبّل محدوديتنا الخاصة لكي نتمكّن من التقدّم نحو الآخر. يخفي هذا الظاهر المتناقض أو هذه المفارقة حقيقة جوهرية هي أن حب الذات هو أمر أساسي. قد يكون علينا لكي نحب ذاتنا أن نضع مسافة بيننا وبين محدوديتنا الشخصية، وأن نرى كل ما هو جيد فينا قبل التركيز على نقاط ضعفنا. ما هو أكيد، أن الحب ورغبتنا في أن نكون مع الآخر يخرجاننا من السجن الذي نعيش فيه داخل أنفسنا، ما يعطينا الشجاعة لنحب ما يعكس في داخلنا جزءًا من إنسانيتنا... نستطيع حينها أن نجد طريق المسامحة، والمصالحة مع الآخر، وحتى مع الله... ويسمح لنا الحب الذي يحمله لنا الآخر والذي يتخطّى محدوديتنا، بأن نتحمّل مسؤولية حياتنا الآتية بشكل أفضل.

الحب علاقة بين شخصين! يتعلّق الأمر إذن بأن يكون لنا كيان ثابت. لا يمكن أن نبني على العيوب! بل على ما يشكّل صلابتنا وإمكاناتنا! وغالبًا ما ندرك كامل إمكاناتنا الحقيقية حين نبلغ الأربعين. في الحقيقة، كلما كنت أنا نفسي، كلما ساعدت الآخر على أن يكون نفسه. حب الذات هو المساهمة في بناء شراكة مع الآخر في صلب الحياة الزوجية، والسماح له بأن يكون موجودًا. كيف أقول «أنا أشارك» إن لم يكن الـ{أنا» موجودًا؟  يتطلّب الأمر الكثير من البساطة لاستقبال هذه الصورة الجميلة عن أنفسنا. لكن أليس هذا معيارًا للحب؟ الآخر هو الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يعزف على هذا الوتر الذي في داخلنا والذي لم يكتشفه أحدٌ غيره. الآخر هو من يعرف كيف يساعدنا على تقديم أفضل ما لدينا. تساعدنا نظرته غير المشروطة وحبّه البعيد عن الأحكام المسبقة على تطوير أنفسنا في العمق. إذن، حين يصبح كلّ من الطرفين أقرب الى حقيقته، يستطيع الزوجان أن يبدآ ببناء مشروع حياة حقيقي. والأزواج الذين يتمكّنون من تخطّي «أزمة الأربعين» أو «أزمة منتصف العمر» هم أقدر على مساعدة بعضهم في تشييد هذا البناء.

الأفضل هو أن نكون معًا!

أحد أفضل الوسائل لنتعلّم كيف نحب أنفسنا مجدداً هو أن نكون محبوبين من شخص آخر. فإذا كنتم تعانون من قلة الثقة بالنفس أو كان احترامكم لذاتكم في الحضيض، من الأفضل لكم أن تواجهوا المشكلة بشكل مباشر وتعملوا مع شريك حياتكم للتعبير عن حبكما المتبادل! يشعر الآخر بقيمته ويتمكّن من حب نفسه أخيرًا حين يشعر بمقدار حب شريك حياته له.

التقدّم نحو الأمام

ثمة أمر واحد مؤكّد. نجد في عمر الأربعين العدد الأكبر من النساء المتفتّحات والمرتاحات مع ذاتهن، ما يدل على أن العمل على الذات قد تم على مدى سنوات سابقة، مع أو من دون مساعدة رجل ما. وسواء كنّ متزوجات أو عازبات أو مطلقات، فإن معظمهن قد تمكّن من بناء أنفسهنّ وهنّ قادرات على مواجهة التحديات اليومية بشكل كامل. تلك هي حال سميرة: «نعم، كل شيء ممكن في الأربعين. الأربعون بالنسبة الى المرأة هو سنّ النضج والخبرة والجمال. عمري 42 عامًا، ولا زلت أشعر بأنني شابة، وكل المحيطين بي يقولون إنني أبدو أصغر سناً. لكن ماذا يعني ذلك؟ المهم أن يكون المرء مرتاحًا في فكره حتى يكون مرتاحًا في جسده. ما زلت أمارس الرياضة، وأستمتع بالوقت الذي أمضيه مع بناتي وفي بيتي. كذلك، أنشئ اليوم عملين جديدين وأشعر بأنني أطير بجناحَي... عمر الأربعين هو السنّ الجميل بالنسبة الى المرأة. علينا أن نحافظ على أنفسنا مع الاستمتاع بكل ما تقدّمه الحياة...».

كذلك، تظهر ريما حيوية مماثلة: «نعم، كل شيء ممكن في عمر الأربعين! عمري 44 سنة وقد قرّرت تغيير مساري المهني. لماذا؟ لأن الأوان لا يفوت أبدًا ولأنني أصبحت أدرك أخيرًا مقدار قيمتي الحقيقية!».

ماذا لو لم يكن عمر العشرين هو سنّ كل الإمكانات كما يظنّ كثر، بل عمر الأربعين؟ وماذا لو كان لا يزال كل شيء في عمر الأربعين قابلاً  للعمل، أو كان من الممكن أن نعيد العمل على حياتنا بشكل مختلف؟ في النهاية، عمر الأربعين ليس سوى منتصف الحياة. نستطيع أن نبني أنفسنا، أو أن نتخلى عن كل شيء ونعيد بناء ذواتنا، أو أن نخترع طرق حياة جديدة، أو أن نعيش لوحدنا من دون أن نكون وحيدين، أو مع شريك لحياتنا. الأهم، بكل بساطة، هو أن نفكّر بأنفسنا لكي نعيش بشكل أفضل مع الآخرين...