كثيراً ما تناول أدباء العرب آفات إنسان مجتمعهم، واستقصوا أخبارها، وتعقّبوها بطرافة، و{بخلاء» الجاحظ قد يكون الأشهر في هذا المجال. ولا شك في أنّ بعض التراث الأدبيّ العربي تعرَّض للاندثار، وأن بعضاً آخر يشكو الإهمال ويحتاج إلى قراءات جديدة وطباعة وانتشار... وهذه المهمة يعوزها أهل علم ولغة وأدب وتاريخ ودور نشر تؤمن بالثقافة وتعتبر تراث العرب الأدبي قضية بحدّ ذاتها لأنه ذاكرة مهدّدة بالامّحاء.
في كتاب «التطفيل»، أورد الخطيب البغدادي للطفيليين حكايات وأخباراً ونوادر وأشعاراً. وهو المولود في بغداد سنة 392 للهجرة، وقد أخذ الخطابة عن أبيه خطيب قرية درزيجان العراقية. تعلّم على أساتذة كثيرين، ومنهم أبو الحسن المحاملي، والقاضي أبو الطيب الطبري ومحمد بن أحمد بن رزقويه البزار وأبو الحسن بن الصلت الأهوازي... وتتلمذ عليه كثيرون، ومنهم البرقاني، وأبو القاسم الأزهري، وأبو الفضل بن خيرون... شهد له الحافظ النسابة ابن ماكولا بأنه أحد الأعيان في المعرفة والحفظ والإتقان والضبط لحديث الرسول على تفنّن في العلل والأسانيد وخبرة بالرواة والناقلين. أما من حيث المذهب فالخطيب شافعيّ، وأشعريّ من حيث العقيدة. وقد رآه السمعاني: «مهيباً، وقوراً، متحرياً حجة، حسن الخطّ، كثير الضبط، فصيحاً»... وعرف باليسر الماديّ والتصدق على أرباب العلم، وله ما يقارب المئة كتاب، أخذ عليه في كثير منها تمَشّيه مع أهوائه وتعصّبه وقلّة الإنصاف. الطَّفَل والتطفيل الطَّفَل، لغة، هو إقبال الليل على النهار بظلمته، والطفيلي – نسبة إلى الطَّفَل – وهو الآتي إلى قوم لا يعرفون من دعاه أو كيف وصل إليهم. وهو أيضاً الذي دخل وليمة ما دعي إليها، وقد يكون نسبة إلى «طُفَيْل» الكوفِيّ الغطفانيّ الحاضر الولائم بلا دعوة والمعروف بـ «طُفَيل الأعراس والعرائس». وسمّى العرب الطفيليّ: الرائش والوارش، والذي يحضر مجلس شراب بلا دعوة: الواغل، وقال امرؤ القيس: «فاليوم فاشرب غير مستحقب/ إثما من الله ولا واغل». وكان من التطفيل أن يدعى أحد إلى الطعام ويدعو آخرين معه ويستأذن لهم من صاحب الدعوة، ومثال على ذلك أن رجلاً من الأنصار اسمُه شعبة، وله غلام لحام فقال له أصلح لنا طعاماً لأدعو رسول الله إليه سادس ستّة، فدعاهم ولحق بهم رجل استأذن له الرسول من صاحب الدعوة فحضر وأكل مع المدعوّين. وفي باب التغليظ على من أتى طعاماً لم يدْعَ إليه، يذكر الخطيب البغدادي قول الرسول: «من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة فقد دخل سارقا وخرج مغيرا». والتغليظ الذي ورد في الحديث هو على إتيان طعام غير الصديق وصاحبه كاره لذلك وقد حضر التطفيل في النصائح لكثرة ما استُقبح عند العرب فيقول أحد المؤدبين نقلاً عن أحد الحكماء لأولاده: «اجتنبوا ثماني خصال، فمن تعاطى منكم شيئاً منها فأهين فلا يلومَنّ إلا نفسه: المحدث لمن لا ينصت له، والمدخل نفسه في سربين اثنين لم يدخلاه فيه، والجالس المجلس لا يستحقّه، وآتي الدعوة لم يدع إليها، والملتمس الفضل من أيدي اللئام، والمتعرض للخير من يد عدوه، والمتكلف ما لا يعنيه، والمتحمق في الدالة»، وليس التطفيل وحده يستقبح إنّما لمجالس الطعام آداب لا يجوز الإخلال بها فالآتي طعاما بلا دعوة يستحق اللطمة والذي لا يجلس حيث يريد إجلاسه صاحب الدعوة يستحق لطمتين، والذي يطلب من صاحب البيت دعوة ربّة البيت لتأكل مع المدعوين يستحق ثلاث لطمات. وإذا أطال الضيف بقاءه عند من يستضيفه، اعتُبِر تأخّره في المثوى تطفيلاً. ويلفت البغدادي إلى أن للتطفيل ناساً يبررونه ويمدحونه. فأحدهم سأل أباه: «يا أبت أما تستحي من التطفيل؟ قال: وما أنكرت منه؟ فقد تطفل بنو إسرائيل فقالوا: «ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا». وأحد الطفيليين يعتبر ما أكله حلالا لأنه يدخل دارا لقوم ويقصد باب النساء فيقال له ههنا ههنا، ولا يرى كلمة «ههنا» سوى دعوة للأكل. ومما كتبه أبو نواس إلى الخصيب وفيه شيء عن التطفيل: «قد استزرت عصبة فأقبلوا/ وعصبة لم تستزرهم طفلوا/ رجوك في تطفيلهم وأملوا/ وللرجاء حرمة لا تجهلُ/ قابلهم خيرا فأنت الأفضل/ وافعل كما كنت قديما تفعلُ». وقال أبو روح ظفربن عبد الله الهروي: «إنّ الطفيلي له حرمة/ زادت على حرمة ندمائي/ لأنه جاء ولم أدعه/ مبتدئا فيه بإحسان/ مائدتي للناس منصوبة/ فليأتها القاصي مع الداني/ أحبب بمن أنساه لا عن قلى/ وهو يجيء وليس ينساني». ولا شك في أن قارئ الشعر التطفيلي، وهو غني كمادة استشهاد في كتاب «التطفيل»، يستنتج أن الكثيرين من العرب نظروا إلى التطفيل من نافذة قيمة الكرم عندهم، ورأوا أن في إكرام الطفيلي بعضاً من الإنسانية والواجب القيميّ، غير أن هذا لا ينفي استقباح الكثيرين من العرب أيضاً آفة التطفيل. ولافت أن التطفيل وصل إلى حدّ التباهي به، فلا يظهر صاحبه بمظهر المنحني أو الآتي مجلسا بشعور ذليل إنما يتباهى بأنه يعتنق التطفيل كما يعتنق الآخرون قيمة الكرم وحسن الضيافة، وفي هذا السياق ينشد بُنان: «لذّة التطفيل دومي/ وأقيمي لا تريمي/ أنت تشفين سقامي/ وتجلين غمومي/ يا صفي النفس يا/ خير جليس ونديم/ قلْ إذا ما جئت قوما/ زائرا قول حكيمِ/ قد أتيناكم بحسن الظن/ والودّ القديم/ ما نخاف الرد والحرمان/ إلا من لئيم نحن قوم وهب الله/ لنا فضل الحلوم/ قد بلونا الناس ما جاهل أمر كعليم/ ليت من لام على/ التطفيل نار الجحيم». الفالوذج واللوزينَج وفي باب من أحبّ تطفيل غيره فسهل له السبيل إليه، ذكر الخطيب البغدادي حكاية الرشيد مع أحدهم. فالرشيد اختلف مع بعض من في مجلسه حول الفالوذج واللوزينَج لمعرفة أيهما أطيب، واستحضر أبا الحارث جمين وسأله وما كان من المسؤول إلا أن طلب من سائله إحضار الحلاوات المذكورة لأنه لا يقضي على غائب وأكل ساعة من الفالوذج وساعة من اللوزينج وأجاب أمير المؤمنين: «كلما أردت أن أقضي لأحدهما أدلى الآخر بحجّته». وكما وُجد من ينصح بتجنّب التطفيل، وُجد من الطفيليين من يوحي بأصول التطفيل، فطُفَيل العرائس أوصى ابنه عبد الحميد قائلا: «إذا دخلتَ عرسا فلا تلتفت تلفّت المريب، وتخيّر المجالس فإن كان العرس كثير الزحام فأمر و نه ولا تنظر في عيون أهل المرأة ولا في عيون أهل الرجل ليظنّ هؤلاء أنك من هؤلاء ويظنّ هؤلاء أنك من هؤلاء، فإن كان البواب غليظا وقاحا فابدأ به ومُرْه وانهَهُ...». وترد وصايا الطفيليين في كتاب «التطفيل» شعراً يتصف بالمرح وخفّة الظل، ويخصّ الخطيب بُنان الطفيلي بأخبار كثيرة وأقوال تتعلق بآداب التطفيل وأصوله، فعلى سبيل المثال إنّ الطفيلي يحضر المجالس في وقت مبكر ليثمن الصيد ولا يأتي متأخرا بعدما يكون جلّة الناس قد وصلوا... ولا يفوت بُنان انتقاد الداعي إلى وليمة إذا كان بخيلاً أو إذا كان البواب كذاباً: «والقيم على الناس بغيضاً يسيء الأدب، والخباز لا يحسن يعمل الطعام وكان قذر الكفّ»... وفي المقابل يعدد الصفات التي تجعل صاحب الوليمة نموذجيًا... تُشكَر «منشورات الجمل» على إعادة طباعة كتاب «التطفيل» للخطيب البغدادي لأنّ في مثل ذلك الإنجاز إحياء للذاكرة الأدبية العربية وصوناً لتاريخ يرعاه عنكبوت النسيان.
توابل
الخطيب البغدادي في التطفيل... الثروة الأدبيَّة العربيَّة تحتاج الى من يبعثها حيَّة
08-06-2011