تمتاز الحضارة الإسلامية بنموذج العالم الموسوعي الذي يساهم في حقول المعرفة المختلفة، وهي ظاهرة لم تعرفها الحضارات السابقة، والقزويني أحد ممثلي هذه الظاهرة بامتياز، فهو الجغرافي الرحالة عالم الفلك والنبات المتفلسف، بل والكيميائي.

ولد أبو عبدالله زكريا بن محمد بن محمود القزويني في عام 600 هـ/1203م، بمدينة قزوين، شمال إيران، لأسرة عربية حيث ينتهي نسبه إلى أنس بن مالك عالم المدينة، ومنذ أن شب القزويني وهو في ترحال دائم فزار دمشق عام 630هـ/1233م وهناك التقى بالصوفي الكبير ابن العربي وتأثر به، كما التقى بأديب الشام ضياء الدين ابن الأثير، وبعدها اتجه القزويني صوب العراق حيث تولى منصب القضاء بمدينتي واسط والحلة، وهو دليل كاف على نبوغه في الفقه، تُوفي القزويني في عام 682هـ/1283م، بعد أن ألف في مجال الفلك والجغرافيا والتاريخ والتاريخ الطبيعي وعلم الأرصاد الجوية وأصدر العديد من النظريات والأبحاث التي غيرت وجه البشرية.

Ad

اهتم القزويني بالظواهر الطبيعية وتأثيرها على المناخ، فبحث في كسوف الشمس وخسوف القمر والخسوف الكلي والجزئي، وأكد أن حركتي المد والجزر متأثرتان بدورة القمر، وأرجع كثيرا من طباع الحيوانات وبعض مظاهر سلوك البشر إلى الجو والمناخ المسيطر على أهالي كل أقليم، فربط بين كثير من الظواهر والخصائص عن الإنسان والحيوان والأسماك والأشجار والفواكه، وغيرها.

كما تتبع الحركة اليومية للأزهار وأوراق الشجر التي أكد علاقتها بالشمس. وفي مجال الفلك رصد الكواكب الثابتة وتحدث عن مجموعة الدب الأكبر والأصغر. كما اهتم القزويني بوصف الرعد والبرق والهالة وقوس قزح والبحار والمحيطات والأنهار والآبار والزلازل، وانفرد بوصف الإعصار ومسبباته. كما قدم أوصافاً لمئات من أنواع النباتات والحيوان والمعادن، وخاصة ما يتخذ منها عقاقير تستعمل في الطب.

ألف القزويني عشرات الكتب في العديد من المجالات، إلا أن شهرته قامت على اثنين من كتبه أولهما كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»، وهو كتاب ينقسم إلى قسمين يعالجان الكلام على العالمين العلوي والسفلي، أي يتناول عالم الأجرام السماوية وأقاليم الأرض بطبائع سكانها وحيواناتها ونباتها،أي أن الكتاب جاء موسوعة متكاملة عن الكون بما حوى من وجهة نظر العلم حينذاك، وهو في رصده للظواهر الطبيعية من زلازل وبراكين يعرض نظريات لا تخلو من جديد وطرافة. ويعتبر كتابه هذا أهم كتاب عربي في بابه. وخالف القزويني من تقدمه من علماء العرب في عدم ذكر الأشعار التي تصف النبات أو الحيوان بكثرة، فكانت دراساته علمية بحتة وليست أدبية.

أما كتاب القزويني الثاني فهو كتاب «آثار البلاد وأخبار العباد»، وهو كتاب في جغرافيا الأقاليم المعروفة لدى المسلمين مع وصف كامل لكل إقليم ومدنه وأشهر معالمه وطباع ساكنيه مع معلومات تاريخية عن كل أقليم. ولاشك فقد كان القزويني بجوار ابن سعيد الأندلسي أكبر اسم في علم الجغرافيا في القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي.