استعادة الدور الحضاري للمسجد سيحدث الحراك الاجتماعي المطلوب
الفقيه والأصولي د. محمد كمال الدين إمام رئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أحد رجال العلم الشرعي والقانوني البارزين في العالم العربي والإسلامي، ساهم في إعداد العديد من مشروعات القوانين التي تحتاج إلى الفقه الجنائي الإسلامي وله أنشطة في مجال العمل الفكري الإسلامي من خلال إنجاز العديد من الموسوعات الفقهية. «الجريدة» التقت د. إمام وبحثت معه العديد من القضايا التي تهم جمهور المسلمين في الوقت الراهن وذلك في سياق الحوار التالي:• كيف تنظر إلى واقع الأمة خلال الفترة الحالية وما هي الحلول لتغيير هذا الواقع لنحو أفضل من وجهة نظرك؟مشكلة المسلمين اليوم أنهم ليست لهم غاية فكل مسلم يعيش بلا غاية محددة، وإذا كان الإنسان ليست له غاية فالأمة كلها ليست لها غاية يعيش أفرادها كي يأكلوا ويشربوا فحسب ولا يسألون أنفسهم من هم؟ ولماذا يحيون؟ وهذا هو الفارق بين المسلمين والغربيين، فنحن نفتقد العقلية العلمية المنظمة إلا من رحم ربي أما بقية المسلمين فقد نسوا العلم ونسوا أن الإسلام يطالب باستلهام أسباب القوة، ولكن للأسف الشديد فإن الأمة التي أخرجت في السابق عقليات علمية وفلسفية أبهرت العالم توقفت اليوم عن الإبداع، وهكذا توقف المسلمون عن استلهام أسباب القوة من دينهم ومن المبادئ العظيمة التي احتوى عليها دينهم، وقديما كان المسلمون تلاميذ القرآن والنبوة ولكنهم اليوم ربائب الفضائيات العارية وفضائيات الدجل والشعوذة، ولهذا تراجعت حضارتهم وتداعت عليهم الأمم من كل حدب وصوب، ونحن في حاجة لفهم ديننا من جديد بعيدا عن المفاهيم النظرية التي حاول البعض زرعها فينا، والمسلمون في حاجة اليوم الى خطاب إسلامي ديني مغاير للخطاب الحالي فالخطاب الإسلامي الصحيح يجب أن يتضمن قيما تحث على حسن التربية والسلوك والإيمان وأنه ليس هناك فاصل بين التربية المادية والتربية السلوكية.• مازال هناك من علماء الأمة من يختلف حول فقه الواقع فكيف تنظر إلى هذا الفقه وحاجة المسلمين إليه خاصة من يعيشون خارج ديار الإسلام؟فقه الواقع ضرورة حياتية في هذا العصر والقول بعدم الأخذ به مرفوض، وهو يعني إنزال الشرعية الباقية الثابتة الخالدة وتطبيقها على الناس وحركتهم في الحياة، وهذا «مزلة أقدام وأفهام» كما يقولون، بمعنى أننا نحتاج إلى الفقيه المدقق الورع الذي لا يتصور أن دوره مجرد دور الفقيه الذي يأتي بالحكم الشرعي للناس فيقول: هذا حلال وهذا حرام، وإنما عليه أن يقوم أولا بدراسة هذا الواقع من خلال أهل الاختصاص، كما يقول الإمام الشاطبي: «لا تنزل من يأتيك على عرف بلدك، بل أنزله على عرف بلده» كي تستطيع أن تفهم قضيته ومشكلته التي تريد أن تنزل الحكم عليها، فهناك دور لأهل الاختصاص في كل علم لتوصيف ذلك الواقع قبل أن ننزل الحكم الشرعي عليه، كلهم علماء واقع لا علماء شريعة، وبعد هذا يأتي دور الفقهاء،والذي ينكر فقه الواقع يتصور أن الفقيه هو صاحب الكلمة الأولى في كل الأمور المتعلقة بالحياة أو مصائر الناس، وهذا ليس صحيحا فهناك أهل اختصاص ثقات آخرون كالطبيب أو السياسي أو الاقتصادي إلى آخره قد تكون لهم الكلمة العليا في هذا الشأن أو ذاك أو في هذه القضية أو تلك.• على صعيد الفتوى تتعدد آراء العلماء فماذا يفعل المسلم عند تضارب آراء الفقهاء في الفتوى؟إذا كان المسلم عنده من العلم ما يستطيع به أن يقارن بين أقوال العلماء بالأدلة والترجيح بينها ومعرفة الأصح والأرجح وجب عليه ذلك لأن الله تعالى أمر برد المسائل المتنازع فيها إلى الكتاب والسنة فقال «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر»، فيرد المسائل المختلف فيها للكتاب والسنة فما ظهر له رجحانه بالدليل أخذ به لأن الواجب هو اتباع الدليل وأقوال العلماء يستعان بها على فهم الأدلة، وأما إذا كان المسلم ليس عنده من العلم ما يستطيع به الترجيح بين أقوال العلماء فعليه أن يسأل أهل العلم الذين يثق بعلمهم ودينهم ويعمل بما يفتونه به، قال الله تعالى «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» وقد نص العلماء على أن مذهب العامي مذهب مفتيه، فإذا اختلفت أقوالهم فإنه يتبع الأوثق والأعلم، فالإنسان إذا أصيب بمرض فإنه يبحث عن أوثق الأطباء وأعلمهم ويذهب إليه لأنه يكون أقرب إلى الصواب من غيره فأمور الدين أولى بالاحتياط من أمور الدنيا، ولا يجوز للمسلم أن يأخذ من أقوال العلماء ما يوافق هواه ولو خالف الدليل ولا أن يستفتي من يرى أنهم يتساهلون في الفتوى بل عليه أن يحتاط لدينه فيسأل من أهل العلم من هو أكثر علما وأشد خشية لله تعالى.• من وجهة نظرك هل المسجد دوره مغيب في الوقت الحاضر وإن كان فكيف يمكن استعادته؟بالفعل دور المسجد مغيب بشدة في معظم بلداننا، وأن عدم تفعيل دور المسجد بصورة صحيحة هو إحدى مشكلاتنا في العالم العربي والإسلامي في الوقت الحالي، ولو قمنا بإعادته لأحدثنا الحراك الاجتماعي المطلوب، فالمسجد له وظيفة أكبر من وظيفة أداء الصلاة وهي كونه خلية نحل تؤدي وظائف اجتماعية وعلمية وسياسية ويجب استعادة هذا الدور وبقوة لقيام المسجد برسالته الحضارية المطلوبة في بناء مستقبل الأمة.• أنت من الساعين باستمرار الى التقريب بين المذاهب فإلى أي مدى يمكن أن يسهم هذا التقريب في تحقيق وحدة المسلمين في الوقت الحالي؟فكرة التقريب بين المذاهب قديمة تعود جذورها إلى القرن السابع عشر والثامن عشر، وانتعشت بقوة خلال النصف الأول من القرن الماضي على يد علماء من السنة والشيعة، ولكن الفرق الآن أنه تقوم على هذه الفكرة جهود مؤسسية، حيث توجد الآن مجامع فقهية للتقريب بين المذاهب لا توحيدها، إذ إن هذا التعدد والتنوع مطلوب بل هو أمر محمود، وفيه انفتاح على المصادر يثري الساحة العقلية الإسلامية بالعديد من الحلول، فنجعل الواقع لا يرهق حينما نريد أن نقرر حكما شرعيا لأننا سوف نجد الأحكام التي تتوافق مع المصالح في الزمان والمكان، بحيث تجلب مصلحة أو تدفع مفسدة، وأن التقريب بين المذاهب ينبغي ألا يكون مجرد شعار وجلسات ومؤتمرات وكلام يقال فقط، بل ينبغي تحديد الهموم والأمور التي ينبغي أن تكون محلا للتداول والنقاش والحسم، لذا أقول إنه من المهم في البداية إيجاد بنية معرفية قادرة على إيجاد وصنع تحول توافقي بين المذاهب المتصارعة على المستوى العقائدي أو السياسي، وعلى هذا فإنه إذا ظلت البنية المعرفية على هذا الحال فمن الصعب بل من المستحيل إيجاد نوع من التقارب لأنها بنية مغلقة، ولو حدث هذا التقارب فسوف يكون تقاربا شكليا مظهريا مؤقتا لأنه لا يعتمد على أسس ثابتة راسخة، ويجب أن نعلم أنه لا يوجد مبرر لإنكار مذهب فقهي فكري على مذهب آخر، أو تكفير أصحاب أو أتباع مذهب لأتباع مذهب آخر أو إنكاره أو السعي للتبشير بمذهبهم بين أتباع هذا المذهب الآخر، فضلا عن أن تكون هناك جذر متصارعة فيما بينها لاختلاف مذاهبها، فضلا عن نشوب حروب وصراعات مسلحة لهذا السبب، نحن نريد أن نصلح الرأس وسوف نطمئن إلى أن حركة الجسد ستنصلح تبعا لذلك لأنها مرتبطة بمنهج وثوابت الإسلام الوسطي المعتدل القادر على استيعاب الزمان والمكان، والقادر على أن تستعيد به الأمة ريادتها وقيادتها للأمم كونها خير أمة أخرجت للناس لتقود العالم نحو مزيد من الخير والعدل والسلام.
توابل
رئيس قسم الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية د. محمد كمال إمام: فقه الواقع ضرورة حياتية في هذا العصر والقول بعدم الأخذ به مرفوض
25-08-2011