عندما يبلغ الأولاد مرحلة المراهقة، يجد الأهل صعوبة أكبر في الحوار معهم ما يخلّف مجموعة من المشاكل المستمرّة. في هذا الإطار، يسعى الوالدان الى حماية أبنائهما خلال مرحلة يعتبران أنها حافلة بالمخاطر، ويأخذان الاحتياطات اللازمة تربوياً ومعنوياً، فينهالان عليهم بالنصائح في حين يحاولون هم التخلّص من هذه القيود.
المراهقة ليست مرحلة مستقلّة، بل امتداد للمراحل السابقة، لذا على الوالدين إبقاء نافذة الحوار مفتوحة مع أبنائهما والسعي الى إنشاء مشاركة فعلية منذ الصغر، غير أن هذا الأمر يتوقّف على مدى ثقافة الأهل ووعيهم.كذلك، على الأهل التخلّي عن سلطتهم لفتح أبواب الحوار مع أولادهم وللاستماع إليهم حين يكونون بحاجة الى النصائح. فعلى حدّ قول الخبراء: «على الأهل الكفّ عن التفكير في أنهم مسؤولون عن كلّ شيء. تتغيّر طباع الأولاد حين يدخلون مرحلة المراهقة فيحاولون بناء شخصيّتهم والتعامل مع محيطهم الدراسي ورفاقهم. مثلاً، إذا رسب مراهق في المدرسة أو تعاطى المخدرات أو حتى إذا حاول الانتحار، لا تقع المسؤولية بكاملها على الأهل، ولا يعني ذلك أنهم لا يكترثون به ولا يخصّصون الوقت الكافي له، بل بكلّ بساطة هذه التصرفات رهن بأسباب قد يعجز الولد عن فهمها غالباً».معاملته كإنسان راشدليتمكّن المراهق من اجتياز هذه المرحلة الصعبة، من الأفضل أن يجد معايير ثابتة يمكنه الاعتماد عليها لدى البالغين. يشعر الأهل ببعض الارتباك عندما يريدون ممارسة دورهم بحزم في محيط متغيّر، فيتأرجحون بين وجوب فرض سلطتهم والحفاظ على الحرية الفردية. ينصح الخبراء بإعطاء المراهق الوقت الكافي والمجال الضروري ليحدّد شخصيته. لكن لا بدّ من تذكيره باستمرار بالحدود التي عليه الالتزام بها وبالمحاظير. لا يتّصف الأمر بالسهولة، لكنها الطريقة المثلى لتلبية حاجات الأبناء بطريقة غير مباشرة. عندما يحتاج المراهقون لمعرفة حدودهم، الأفضل أن يتابع الأهل المجريات عن كثب، وألا يتراجعوا عن القواعد التي وضعوها. أما حين تظهر الثورة الداخليّة عند الولد، يتصرّف الأهل أحياناً بطريقة غير ملائمة، لا تساعد على تعزيز الاستقرار لديه. فلا يكونون صارمين ما يكفي ويترددون في التشديد على المحاظير، آملين بأن تقف الأمور عند هذا الحدّ، فتكون محاولاتهم لإرساء النظام واهنة وغير مجدية. في هذه المرحلة، تغدو العلاقة بين الأهل والأبناء صعبة، نظراً الى حدّة تصرفات المراهقين إزاء محيطهم.الإصغاء إلى حاجاتهمن المهمّ ألا يتعامل الأهل مع أولادهم بنوع من الازدراء وألا يتجنّبوا التحدّث معهم. على العكس، عليهم أن يبدوا اهتماماً كبيراً بما يقوم به ولدهم (ولو وجدوا الأمر في غاية الغرابة)، فلا يتوانون عن التعبير عن حبّهم له ويحاولون أن يفهموا طباعه ويهتموا بالنشاطات الجديدة التي يمارسها. ينبغي أن يحافظ الأهل على الحوار مع أولادهم ولن يتوصّلوا الى ذلك ما لم يكونوا أكثر تساهلاً وانفتاحاً. فيمكنهم انتهاز أوقات العشاء العائلية للتطرّق الى مواضيع معيّنة والتحدّث عن أمور عابرة تثير اهتمام المراهق من دون أن يشعر بأنه يخضع لاستجواب ما، إذ يأخذ الحوار مع المراهق غالباً صفة التحقيق، في حين أن الأمور وتحديداً في هذه المرحلة، يجب أن تجري عكس ذلك.إعطاؤه ثقة كافيةينبغي أن يشعر المراهق بأن الأهل يتعاملون معه على أساس أنه شخص بالغ. فيحترمون ضمن الحدود المعقولة آراءه وطريقة لبسه وتسريحة شعره ونوع الموسيقى الذي يستمع إليه. تحدث تغيّرات عدّة في مرحلة المراهقة قد تسبّب الانزعاج للأهل. لكن عليهم إدراك أن المراهق يبحث عن مساره الخاص الذي لن يعكس بالضرورة عادات أهله ومبادئهم. فيحتاج الى تحديد شخصيته عبر انتمائه الى مجموعة ما، حيث يشعر بالثقة والأمان. كذلك، يبدي رغبة في المشاركة في أعمال جماعية وبناء علاقات اجتماعية جديدة.حسّ المسؤولية لديهيجب إعطاء بعض الاستقلالية والمسؤولية للمراهق لمساعدته على بلوغ مرحلة من النضج. فإمكان الأهل أن يخصصوا له مبلغاً من المال أسبوعياً، فيدرك بذلك قيمة المال ويتعلّم تدريجاً كيف ينفقه بطريقة مناسبة. يعارض المراهق كل ما يمثّل السلطة ويشعر بأنه قادر على تحمّل المسؤولية والاعتماد على ذاته، فيسعى الى الابتعاد عن أهله في هذه المرحلة، لتطوير هوية جديدة ومستقلة. بالتالي، يدخل الى العالم الواسع، ويتخبّط فيه محاولاً أن يجد لنفسه مكاناً وأن يبني شخصيته الخاصة والمسؤولة.الضغط عليهيتوقّع الأهل غالباً الكثير من أولادهم على الصعد كافة: كالنجاح في المدرسة وإتقان النشاطات الرياضية كلّها... فيرون فيهم صورة عن أنفسهم أو عن رغباتهم الخاصة. فيقترفون غلطة كبرى حين لا يفصلون أنفسهم عن أولادهم فيشعرون كأنهم يقومون بالتصرفات نيابة عنهم ويحاولون مقارنة أنفسهم بهم، بحسب المعايير التي تربّوا عليها. قد لا يعي الأهل خطورة هذا التصرّف الذي قد يسفر عن تزعزع الثقة لدى الولد أو توجّهه الى مسار مغاير لم يكن ليختاره هو بنفسه. يحتاج الأولاد، لا سيّما المراهقين، الى وقت يخصّصونه لأنفسهم للقيام بنشاطات يحبونها قد لا تروق للأهل لكنها ضرورية لهم ليبنوا شخصيتهم المستقلّة. وقد يضطرّ الأهل الى وضع بعض الحدود لتأمين التوازن المطلوب الذي يقابله أحياناً رفض من المراهق. في هذا الإطار، يعتبر أطباء النفس أن جزءاً من مشكلة عدم التواصل نابع من قلّة التنسيق بين آراء الأهل والأبناء. فيتوقّع الأهل أن يتصرّف المراهق كأنه راشد، لكنه يتصرّف، في كل ما يتعلق بموضوع الاستقلالية الذاتية وحريّة الرأي، كما لو كان ما زال صغيراً. بالإضافة الى ذلك، يساهم عدم الحوار بين الطرفين حول هذا الموضوع في تعقيد المشكلة.مساعدة طرف آخرعندما ينقطع الحوار بين الأهل والأبناء، يجب التماس مساعدة الجدّ أو الجدّة. فمقابل تشدّد الآباء الذين يعانون من الضغوط النفسية والاقتصادية والاجتماعية، يتصرّف الأجداد الذين زالت عنهم هذه الضغوط، بهدوء وروية، فيمكنهم بالتالي التوصّل الى حلّ مناسب مع أحفادهم. قد يدعمون رأي المراهق أو يحاولون إقناعه بتغيير تصرّفاته، لكن في مطلق الأحوال، يشكّل أخذ رأيهم فرصة لإقناع الحفيد، فيتبادلون وجهات النظر في ظلّ محادثة بنّاءة. فضلاً عن ذلك، من الضروري أن تربط الأهل والأولاد علاقة وطيدة وصريحة. لا يحبّ الأولاد الأفكار الباطلة والكذب ويستطيعون تمييزها فوراً. فقد يجدي نفعاً التحدّث عن التجارب الشخصية التي مرّ بها الأهل حين كانوا في مرحلة المراهقة فتساعد الأولاد على التعاطف مع أهلهم وتقرّبهم منهم. ينجح الأجداد في اختيار الدعابات التي قد تلطّف الأجواء وتزيل التوتر في بعض الحالات، كذلك يمكنهم التحدّث عن المشاكل التي واجهوها حين كانوا يربّون أبناءهم.على الأهل أن يحرصوا على أن يشمل النموذج الذي يقدّمونه لأولادهم الاحترام والتصرف النزيه ولباقة الكلام والحنان والصدق. وأن يشددوا على أهمية القيم الأخلاقية كالتسامح، التي توفر للمراهق التوازن الداخلي وتساعده على تعزيز شخصيته.استشارة طبيب نفسيفي حال لم يأتِ الحوار بأيّ نتيجة، لا بدّ من طلب مساعدة شخص محترف كطبيب نفسي متمرّس. عادة، يأخذ الأهل هذه المبادرة حين يلاحظون أن تصرفات أولادهم أصبحت خارجة عن النطاق الطبيعي: تراجع في الأداء المدرسي، تغيير في طريقة الكلام... في أوقات نادرة، يشعر المراهق بأنه يعاني من اضطرابات نفسيّة، فيطلب من أهله أخذه عند الطبيب النفسي. في ظلّ ارتفاع نسبة الانتحار لدى المراهقين، ينبغي الانتباه الى أولى عوارض الإصابة باكتئاب نفسي: حين تراود المراهق أفكار تشاؤمية حول الماضي والحاضر والمستقبل أو ينعزل عن الناس أو حتى يفكر في إيذاء نفسه أو المحيطين به أو يعاني من اضطرابات في النوم (أرق أو فرط النوم) أو من فقدان الشهية أو شراهة في الأكل أو إذا كان يشعر بالتعب بسرعة بعد قيامه بأي مجهود أو يجد صعوبة في التركيز وفي تذكّر الأحداث واتخاذ القرارات يرافقها شعور بالذنب الدائم أو العصبية.عندما يقصد المراهق العيادة الطبيّة، يستقبله الطبيب النفسي مع أهله. فيبدأ هذا الأخير بطرح الأسئلة لمعرفة السبب الذي دفعهم الى المجيء إليه. فيستطيع تحديد المشكلة واسترجاع المعطيات كلّها (بداية الاضطراب النفسي والمحيط الخارجي الذي يؤثر في المراهق). خلال الجلسات اللاحقة، يطلب الطبيب النفسي رؤية المراهق على حدة. فيسعى الى تعزيز ثقة هذا الأخير به ليحثّه على الإفصاح عن مشاعره. يرتبط نجاح الجلسات بالمقاربة التي يعتمدها الطبيب النفسي وبخبرته. في هذا الصدد، ينبغي إحاطة المراهق بالكثير من الحبّ لكسب ثقته ومساعدته في الانفتاح على الحوار.
توابل
المراهق... كيف تتعاملون معه؟
10-09-2011