جمال سلطان أحد الكتاب المصريين السياسيين المهتمين بالإسلام السياسي، وقد كانت له مشاركاته المثمرة في هذا الإطار، وله آراء تتعلق بالثورات العربية الأخيرة والرؤية الإسلامية لها، وبالنظام المجدي للعالم العربي بعد اندلاع ربيع الثورات... هل هو النظام الرئاسي أو البرلماني أو العودة إلى نظام الخلافة الإسلامية؟

«الجريدة» تتحدّث مع سلطان عن كيفية بناء المستقبل العربي وحماية الثورات من الفوضى والحفاظ على مقدرات الشعوب.

Ad

هل الإسلام كدين ورسالة كان في الأساس عبارة عن ثورة حقيقية على الظلم وإقرار الحريات والعدالة؟

جاء الإسلام فعلاً بثورة شاملة على أوضاع اجتماعية ظالمة وانحرافات أخلاقية واجتماعية وفساد عقائدي، إضافة إلى أنه أسس لمفهوم التعددية، وكان يصطدم بأمور تعد من الثوابت الراسخة على مدار قرون مضت قبله لكنه لم يعبأ بها بل غيرها إلى الأصلح، لذلك كان الجهد الذي قام به المسلمون الأوائل مع النبي (صلى الله عليه وسلم) جهداً ثورياً في حقيقته وخارقاً للعادة، غيَّر العالم وأقر الحريات والعدل وأسس لمبدأ الشورى أو الديمقراطية الحقيقية بمعناها الحديث. وإذا قلنا إن الثورة هي عملية تغيير جذري وحاد بجهد إنساني ضخم وتضحيات كبيرة، فذلك كله ينطبق على الإسلام لأنه كان تغييراً شاملاً وحاسماً وقدم تضحيات كبيرة من الأموال والأنفس للتأسيس لمجتمع إنساني يقوم على العدل والحرية.

حق التظاهر

حق التظاهر في الإسلام، هل هو مكفول للمسلمين؟

إنه حق الاحتجاج على الظلم وفي جوهره يمثل أداة لتحقيق العدل، وليس مجرد فلسفة أو فكرة، بل هو أداة لتحقيق قضية رفع المظالم إلى من بيده السلطة، والأدوات الأصل فيها الإباحة. وتختلف هذه الأدوات مع كل عصر، ومسألة إخضاع هذا الحق المكفول لمقاييس الحلال والحرام فيها شكل من ضيق الأفق، والتظاهر المشهود في الوقت الحالي هو أداة مستحدثة لتحقيق معنى إنساني قديم وثابت وهو الاحتجاج على الظلم.

إلى أي مدى قد تتوافق الثورة بمصطلحاتها المستحدثة مع المبدأ الإسلامي المعروف «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وضرورة التصدي للحاكم الجائر؟

الثورة إحدى الأدوات التي تحقق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا المبدأ قد يكون في خطاب يُرسل إلى صاحب الشأن أو مقال يُنشر في صحيفة، وقد يكون في مسيرة للاحتجاج على الظلم وكلها من أدوات الثورة لتحقيق هذه الرسالة الإسلامية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التناصح والتعاون على البر والخير.

أما الثورة، أو الاحتجاج عموماً فيكون لرفع الظلم ليس على الحاكم الجائر أو النظام الفاسد فحسب وإنما لتغيير الظلم في معناه العام، وأحد الصحابة تظاهر ضد ظلم جار له وحمل ما في بيته إلى الشارع لإعلان الناس أنه متضرر من ظلم جاره له. إذاً، الثورة تكون لأجل تحقيق مصلحة ورفع الظلم لتحقيق العدالة، وقد تأتي ضد جهة دولية وليس مجرد حاكم، فالشعوب العربية تتظاهر ضد إسرائيل لأجل الشعب الفلسطيني وهكذا.

في الأحوال كافة، الثورة في المفهوم العام تمثل أداة لتحقيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن بصورة عصرية.

عنف غير مستحب

في ما يخص الحاكم، هل يتم الاكتفاء بالتظاهر والاحتجاج السلمي أم أنه من الممكن اللجوء إلى لغة القوة للخروج على الحاكم الظالم؟

لغة القوة والعنف لم تكن مستحبة مطلقاً في التراث الإسلامي السني، فخبرة الواقع والتاريخ أعطت درساً أن الخروج العنيف والمسلح، حتى ولو كان بسبب الخروج على الحاكم الظالم فهذا يعد إهداراً لطاقات الأمة وهلاكاً للحرث والنسل وتقديم تضحيات ضخمة، وغالباً لا يحقق الهدف المرجو منه في النهاية، لذلك كثير من أهل العلم قالوا إن هذا الأمر مرهون بالقدرة على إزالة هذا الظلم، بمعنى أنه إذا كان هؤلاء الذين يريدون تغيير السلطة قادرين على حسم هذا الأمر وإصلاحه من دون خسائر فادحة يقومون بذلك، أما إذا كان ذلك سيؤدي إلى إراقة الدماء وشيوع الفتنة وانقسام الأمة فهذا أمر منهي عنه شرعاً.

في العصر الحديث، الجهاد السلمي عزز نظرية أهل السنة من خلال التظاهر والمسيرات السلمية والجهاد بالقلم وتحريك المجتمع، وهذا كله يمثل بدائل عصرية سامية وسلمية وتتوافق إلى حد كبير مع روح منهج أهل السنة في التغيير.

هل تمكن الإفادة من أسس الإسلام لمنهج المعارضة والوقوف في وجه الحاكم الظالم في الثورات العربية الحالية؟

بالطبع، الإسلام أسس منهجاً للمعارضة السياسية والتصدي للحاكم الظالم والفاسد، وإذا رصدنا دعوة الأنبياء والرسل من بدايتها وصولاً إلى رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) فسنجد أنها رفض للظلم والاعتداء على حقوق الآخرين، وقد جسد القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: «إن الشرك لظلم عظيم»، ولم يظهر نبي إلا واصطدم بالحاكم وقصة موسى وفرعون شهيرة في القرآن الكريم، والمهم أن يكون منهج المعارضة منهج حق ولا يكون الأمر مشتبهاً أو فيه أطماع دنيوية رخيصة أو نزاعاً على سلطة أو صراعاً على «كعكة السلطة»، لكن غير ذلك فالمعارضة والتصدي للظلم حق مشروع في الإسلام ويجب أن يتحلى به الجميع ويتصدون للظلم بكل ما يملكون من أدوات سلمية مشروعة.

في إطار ما يحدث اليوم من انتفاض شعوب عربية كثيرة على الظلم، ما رؤيتكم للتغيير والإصلاح المطلوب انطلاقاً من الثوابت؟

مشكلة العالم العربي اليوم أن القضايا والجوانب الشرعية غيبت إلى حد كبير، فلا حاكم كان يحترم هذه المبادئ الإسلامية ولا شعوب كانت تعيش في ظل شريعة مطبقة. بالتالي، كانت الأمور مختلطة إلى حد كبير، ورأينا مظالم كثيرة تراكمت على مدار عقود طويلة في بلاد عربية عدة، من قمع وإذلال وسرقة وزج بعشرات ومئات الآلاف في السجون والمعتقلات وقتل الآلاف لمجرد الاختلاف مع الحاكم، إضافة إلى الموالاة لأعداء الأمة وأحياناً كثيرة الخيانة لقضايا الأمة المصيرية ومصالحها. فكل هذه الأمور عقدت الواقع العربي وعززت المرارات في نفوس الشعوب، وهذا الشعب المقهور من الصعب أن تحاكمه في كل صغيرة وكبيرة باسم الشريعة لأنه قد لا يطيق ذلك، وحسبنا أن نلزمه بالمعالم الأساسية للشريعة ومبادئ الإسلام، ومن لطف الله بهذه الأمة أن الإسلام متغلغل في جذورها، والشعوب بطبيعتها شعوب متدينة ومرتبطة بإسلامها وبدينها وبشعائرها فربما هذا ما لطف من ثورات الشعوب العربية الحالية، فهذه الثورات ليست دموية مثل الثورات التي حدثت في أوربا وفي آسيا والتي كانت دموية إلى حد كبير، لكن ثوراتنا العربية سلمية في أساسها تتطابق مع المبادئ الشرعية وإن كانت تقابل بعنف من الحكام الظالمين في بعض البلدان العربية، وذلك كله سرعان ما سينتهي مع سقوط الظلم والطغيان.

حماية الثورة

بعد نجاح ثورة مصر وقبلها ثورة تونس والبقية تأتي في العالم العربي... كيف يمكن حماية هذه الثورات والحفاظ على مكتسباتها من الفوضى والفتن؟

الثورات هي عملية هدم في الأساس لبناء فاسد ظالم لكنه بناء ضخم ومتجذر لسنوات طويلة لا يمكن اقتلاعه بسهولة، ومن الطبيعي أن تنتج من هدم مثل هذا البناء الضخم اهتزازات وآثار جانبية لا بد من أن تحاول الشعوب استيعابها والتعايش معها والصبر عليها. لكن الأكثر أهمية أن يكون عقلاء هذا المجتمع ووجهاؤه قادرين على صياغة رؤية بديلة مشتركة لاحتواء التحديات التي يواجهها المجتمع ورسم صورته في المستقبل، لأن الهدم على رغم صعوبته إلا أنه بسيط في فكرته. ففي الثورة المصرية كان الشعار الأساسي إسقاط النظام ورحيل الحاكم، لكن البناء يختلف فهو يحتاج إلى رؤية وأفكار جديدة وتغيير ثقافة شعوب، وهذا كله يحتاج إلى عقل وحكمة وتأمل وصبر وإلى تلاقي القوى الشعبية، ولا بد من أن يتوافر شكل من الشورى والديمقراطية والوعي الحضاري بأزمة الأمة في هذه اللحظة وأن يكون الجميع شريكاً في صياغة المستقبل، ذلك لاحتواء الفوضى والفتن والأزمات التي تنتج بعد الثورات عادة.

من ضمن الاختلافات التي حدثت أخيراً ظهور أصوات على الساحة تنادي بعودة دولة الخلافة، فهل ترى ذلك الأمر مطلوباً وهل يتناسب مع روح العصر؟

من يتحدث عن الخلافة إذا كان يتحدث عنها بمنطق وحدة الأمة العربية والإسلامية السياسية والإدارية والاقتصادية... إلخ، فهذا أمر مقبول، أما إذا كان يتحدث بصيغة قديمة ويتصور وجود أمير المؤمنين بمطلق السمع والطاعة من دون مؤسسات وصلاحيات محددة ودولة تقوم على المؤسسية والقانون، فهذا أمر مرفوض تماماً وانتهى عصره وغير مقبول وغير مطروح لا إنسانياً ولا شرعاً، لأنه ما دام الله سبحانه وتعالى وفق الأمة إلى الوصول إلى أدوات لتحجم من طغيان الحاكم أو انحرافه، فهذا مقصد شرعي يجب التمسك به. أما وحدة الأمة فهي واجب ولا نختلف في تسميتها بالخلافة أو السلطنة أو الولايات المتحدة... إلخ، وهذا موجود عالمياً، فأوروبا اليوم حققت الوحدة الاقتصادية والبرلمانية وهكذا.

حقوق سياسية

أعطى الإسلام المسلمين حق مباشرة حقوقهم السياسية، وعلى رغم ذلك مسلمون كثر اليوم لا يعرفون تلك الحقوق وكيفية مباشرتها.

أسس الإسلام لنظرية سياسية متكاملة وأعطى المسلمين حق مباشرة الحقوق السياسية وممارستها، وأظن أن الحقوق السياسية لم تعد مغيبة اليوم فغالبية الشعوب بدأت تنتبه إلى حقوقها، وأولها أننا كلنا سواء على هذه الأرض وأننا جميعاً عبيد لله عز وجل وأننا كلنا شركاء في قيادة أوطاننا وفي ثروات بلادنا وقيادة هذه السفينة التي تمضي ببلادنا. كذلك تترجم هذه الحقوق من خلال كيفية المشاركة في الحكم ومباشرة الحقوق السياسية، ويكون ذلك من خلال إصرار المسلمين على الخروج للمشاركة في الانتخابات بشرط أن تكون حرة ونزيهة وأن تتوافر مؤسسات قانونية يستوي أمامها الجميع وفصل بين السلطات التي تضع القوانين والتي تنفذها والتي تقضي بالأحكام، فيتحقق توازن للقوى ولا تتجبر سلطة على أخرى.

هذه هي الحقوق التي تحمي المواطن وتحقق له شراكته في المجتمع وتضمن له حقوقه السياسية، فلا يسطو عليها أحد من الموجودين في السلطة.

أخيراً، كثر الكلام عن الدولة الدينية والدولة المدنية وسمعنا عن خلافات في هذا الأمر، فهل دولة الإسلام دينية أم مدنية؟

مفهوم الدولة الدينية هو هاجس يعيشه قطاع من النخبة المتغربة التي تقرأ في التاريخ الأوروبي وتترجم أحداثه نفسها من دون أن تقيس ذلك على الواقع الإسلامي. ففي أوروبا، كانت السلطة المطلقة هي سلطة الكنيسة وكانت بالنسبة إلى الأوروبيين سلطة إلهية اختارها الله وبالتالي لا يجوز للشعب تغيير شيء اختاره الله. أما الإسلام فلا يعترف بهذه الكهنوتية مطلقاً، بل يعطى الأمة حق اختيار حكامها وقيادتها وعزلها أيضاً، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقولون للخلفاء ولأمراء المؤمنين: «لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناك بحد السيف»، إضافة إلى شيوع الشورى والاختيار آنذاك.

عموماً، تاريخ الإسلام كله تاريخ من الثورات ورد الظلم، ولم يعرف أبداً ما يسمى بالدولة الدينية التي برزت بقوة في التاريخ الأوروبي. فالثورة على الدولة الدينية في أوروبا أتت بما يشبه الحالة الإسلامية التي تقر الدولة المدنية الكاملة ولا تعترف أصلاً بالدولة الدينية، والدولة الإسلامية هي دولة مدنية ملتزمة بمرجعية إسلامية، وهذه المرجعية لا يستخدمها الحاكم ضد شعبه وإنما هي فوق الحاكم وفوق الشعب. بل إن الشعب قد يستخدم هذه المرجعية ضد الحاكم لتقويمه بشرع الله. فالمرجعية الإسلامية في الدولة المدنية ضمانة للحاكم والمحكوم. بالتالي، يدعم الإسلام في جوهره الدولة المدنية ويدعو إليها ولا يعرف مطلقاً ما يسمى بالدولة الدينية ولا يعترف بها.

في ظل وجود تيارات متباينة في العالم العربي بين إسلامية وعلمانية ويسارية، كيف نؤسس لمدنية عربية بمرجعية إسلامية؟

لتحقيق ذلك يجب أن ينص الدستور على أن هوية الدولة هي هوية إسلامية وأن الإسلام مصدر للتشريع فيها، ما يمثل ضمانة أساسية للجميع. لكن في الحقيقة لم تعد هذه المسألة في الوقت الحالي مثيرة لقلق كبير لسيطرة وعي حتى عند النخب المختلفة يقول بأن الإسلام هو روح هذه الأمة وهو نبضها وجوهرها الحقيقي، وهذه الجماهير التي نزلت إلى الشوارع غالبيتها جماهير إسلامية والثورات العربية الأخيرة كلها «ثورات يوم الجمعة»، فقد ارتبطت تلقائياً بيوم مبارك ورمز إسلامي هو يوم الجمعة، وتعددت مسمياتها في مصر والبلدان العربية مثل «جمعة الغضب، جمعة الصمود، جمعة التحدي، جمعة الرحيل...

اليوم، التيارات كافة تدرك جيداً أن الإسلام هو المحرك الأول لهذه الأمة والمنقذ لها بمدنية حقيقية تنطلق من الثوابت ولا يشوبها شطط، ويبقى على التيارات الإسلامية المؤمنة بالفكرة الإسلامية قلباً وقالباً تقديم خطاب دعوي شامل فيه قدر من بث الثقة تجاه الآخرين يدعو إلى احترام التنوع والاختلاف والشراكة في العمل السياسي مهما اختلفت الرؤى والتوجهات. كذلك لا بد من أن يقدم التيار الإسلامي هذه الرسائل الإيجابية إلى بقية تيارات الأمة لتعزيز الثقة والتوافق الاجتماعي، لأنه إذا كان صلاح الأمة يقوم على إشاعة الديمقراطية وممارستها على أرض الواقع خلال الفترة المقبلة في العالم العربي، فالديمقراطية ليست مجرد سلطة انتخاب، بل توافق اجتماعي لا بد من أن يتحقق ليطمئن الجميع ويرسخ لشركاء الوطن أنهم شركاء في القرار، وأن المستقبل لا يمكن أن يبنى بعيداً عن أحد من أبناء الأمة.

مستقبل بشر

نعيش ربيع الثورات العربية، كيف يمكن قراءة المستقبل وهل ستستطيع الشعوب العربية عبر ثوراتها الخروج من عنق الزجاجة؟

المستقبل مبشر جداً للشعوب العربية وعلى رغم محاولات التآمر على الثورات العربية والتلاعب بها وصرفها عن أهدافها التي قامت وتقوم لأجلها، لكني أشعر بتفاؤل كبير بأن المستقبل سيكون بالغ الروعة. فالشعوب العربية لن تعيش في ظل استبداد مجدداً ولا في ظل قمع أو تهميش، والفساد المالي الضخم جداً ونهب ثروات الشعوب الذي استمر لعقود طويلة مضت سيقل بشكل كبير جدا ليصبح في المعدلات المعروفة دولياً. هكذا، فإن وقف الفساد والنهب العام سيعود بالخير على عافية اقتصاد العالم العربي ونهضة شعوبه، ما ينعكس على الإنسان العربي وحياته ومعيشته وعلى البنية الأساسية التي يتحرك فيها في بلاده. فهذا الإنسان برهن خلال ثوراته على أنه إذا أصر، وهو كذلك فعلاً، على انتزاع حريته يحققها مهما كانت تضحياته للحصول عليها، والذي يحقق هذه الحرية لا يمكن أن يفرط فيها بسهولة.

نعم، قد تعيش الشعوب العربية مرحلة تحول يحدث فيها بعض القلق والاضطراب، لكنها ستتجاوز ذلك كله، ومن الطبيعي في مرحلة التحول هذه أن نشاهد ذيولاً للأنظمة الفاسدة السابقة، ففي ثورات العالم كافة ثمة جهات كانت تستفيد من النظم السابقة ومن الفساد، لكن هذه تجف مع الوقت لأن قطع رؤوس الفساد يجعل هذه الذيول ومسألة ذوبانها وموتها قضية وقت فقط لأنها منتهية لا محالة.

برأيك ما هي واجبات الحاكم تجاه شعبه وبلاده، وهل سينتهي عصر الديكتاتوريات فعلاً في العالم العربي بعد هذه الثورات؟

انتهى عصر الديكتاتوريات في العالم العربي إلى غير رجعة، فالثورتان في مصر وتونس نجحتا بشكل كامل والبقية على الطريق، حتى البلاد العربية، الأخرى التي لم تعرف ثورة بالمعنى المباشر، سيمتد إليها ربيع الثورات وروحها وسيؤثران على النظم العربية في كل مكان، لأن النظام الذي لن يتوافق مع روح الحريات الجديدة ومع شراكة الشعوب وأشواقها للتحرر ومع النمط الجديد لنظم الحكم غير الفاسدة سيحكم على نفسه بالزوال والأفول.

حائط صد

كيف يمكن للشعوب العربية حماية ثوراتها وضمان عدم تدخل القوى الخارجية في الشؤون العربية الداخلية، سواء لتحقيق مصالح خاصة أو لحماية أمن إسرائيل؟

قضية إسرائيل قضية وقت ومسألة زوالها من الصعب تصوره في الوضع الحالي بالقوة بل باتخاذ سياسات رادعة ومقاومة لإسرائيل من الحكومات العربيةن حينها لن يصبح أمام إسرائيل والعالم أيضاً إلا خياران: إما أن يتم اقتلاع إسرائيل من المنطقة وأعتقد أن هذا الأمر صعب في ظل التوازنات الدولية، أو أن يتم إعلان الدولة الفلسطينية كاملة السيادة. هكذا تتواجد دولتان متجاورتان على أرض فلسطين وهو الخيار الأقرب إلى التحقق، وتستطيع الشعوب العربية بعد تحررها وبناء نظم سياسية قائمة على الاختيار الحر والديمقراطي أن تبني حائط صد مانعاً لأي تدخلات خارجية في شؤونها الداخلية وتتفرغ لبناء المستقبل والانطلاق في المجالات كافة كي تعود أمة قوية فاعلة في صنع الحضارة العالمية.

سلطة الشعب

هل تؤيد الدولة البرلمانية أم الرئاسية في ظل معطيات الوضع العربي الحالي؟

النظام الرئاسي المطلق في صلاحياته قد يأتي بديكتاتوريات جديدة في العالم العربي على رغم تحديد مدته الرئاسية حسب دستور كل دولة، لذا بعد المرحلة الانتقالية التي ستعيشها المنطقة العربية بعد ثورتها والتي قد تصل إلى ثلاثة أو أربعة عقود ستحتاج النظم السياسية العربية إلى أن تتحول إلى نظم برلمانية تتقلص فيها صلاحيات رئيس الدولة، وقد يكون النظام الرئاسي بروتوكولياً أو شكلياً. فالرئيس يملك ولا يحكم كما يحدث في دول كثيرة مثل إنكلترا وغيرها، والنظام البرلماني وهو الذي أميل إليه في حقيقة الأمر لأنه يجعل الشعب نفسه في صدارة المشهد السياسي فهو الذي يأتي بالحكومة ويمنحها السلطة المباشرة وهو من يملك عزلها أيضاً، فتكون السلطة في يد الشعب لا الرئيس، ما سيساعد الشعوب في المنطقة العربية على مباشرة حقوقها السياسية الكاملة في جو من الحرية والديمقراطية.