اللغة تحبّ السجناء. وليس هناك سجن لسجين واحد مهما ضاق، فهو لهما معًا: السجين واللغة.والشاعر السجين ينسحب للُّغة في سجنه الضيّق، يعطيها المساحة الكبرى لترتاح وأشياءها على حسابه. اللغة حبيبته الأولى وهي بدل من ضائع للحرية. هي الرغيف والهواء المتاحان اللذان
لا تفسدهما يد السجّان السوداء. والسجن لولا اللغة مقبرة كاملة الأوصاف، وحين تكون اللغة فيه هو دنيا صغيرة على قساوته، هذا إذا صحّ أن تكون الدنيا خارج السجن سجناً كبيراً. «أنقاض» فرج بيرقدار أجمل هديَّة للحرية...قبل الكلام عن قصائد الشاعر السوري فرج بيرقدار في «أنقاض»، واحترامًا للألم الذي ترك من الجمال بين جناحي القصيدة ما لا ينال منه مَرُّ الأيّام، لا بدّ من التوقّف عند ما ورد في آخر الديوان وهو «تقرير اتّحاد الكتّاب العرب في سوريّة» و{ردّ فرج بيرقدار على التقريرين في ملحق جريدة النهار الثقافي».تأخّر ديوان «أنقاض» في الوصول إلى أيدي عشّاق الكلمة والحريّة، فالطبعة الأولى صدرت عن دار الجديد، شتاء 2012، رغم أنّ قصائده قد كتبت في سجن صيدنايا السوري بين 1993 و2000، ولا شكّ في أنّ حكاية هذه القصائد لا تقلّ قيمة وأهميّة عن القصائد نفسها وهي بمثابة مرافعة عن كرامة الإنسان وكرامة الجمال في محكمة الزمن حيث القضاة ليسوا موظّفين في بلاط السلطان وحيث الحقيقة تحضر غير مكبّلة اليدين، وحيث العدالة تنصف مظلومي الأرض وترزقهم أعمارًا طويلة... بعد الموت.في بداية عام 2003، سلّم الشاعر فرج بيرقدار اتّحاد الكتّاب العرب في سوريّة قصائده بهدف نشرها، وقد حظيت بتقريرين من لجنة القراءة اعترفا بإبداعيّتها، ومنحاها جواز مرور للتجوّل في مدن الجمال، وحرماها حقّ الحضور في واجهات المكتبات السوريّة، فالتقريران: «ليسا في صالحها بالمعنى الأمني والسياسيّ، وإن كانا في صالحها بالمعنى الإبداعي، الأمر الذي حال دون الموافقة على نشرها».اللافت أنّ ما أتى في التقرير بعنوان «الرأي الفنّيّ» يدعو إلى الاستغراب إذ يظهر، وبوضوح القهر في وجه السجين، وصاحب التقريرالأوّل مأخوذ بالكلمة البيرقداريّة: «يلجأ الشاعر فرج بيرقدار، وهو معروف بكتابته لقصيدة التفعيلة، إلى أسلوب قصيدة النثر في مخطوطته هذه، وينتج نصوصها بإتقان وفنيّة وقدرة على الإيصال والتواصل مع المتلقّي، ويعمد فيها إلى لغة الخطف والتكثيف والإيجاز والنجوى والاستبطان والاستعارة، وإلى الصور الصادمة المدهشة المعبّرة عن وقائع الروح والجسد في صبرها وسأمها وتماسكها وضعفها وعقلها وجنونها... باختصار، إلى قصيدة تحاول أن تكون لها شخصيّتها الذاتيّة الخاصّة في مناخات هذا «الشكل» الشعريّ الخارج على طاعة السلفيّة القديمة والسلفيّة الحديثة، أو الباحث عن مكان يجلس فيه على مقعد الشعر المعترف به، والباحث عن أحقّيّته في انتسابه إلى السلالة الشعريّة». غير أنّ المشكلة، وبحسب التقريرين، تكمن في أنّ قصائد بيرقدار بعيدة «عن الالتزام بأهداف الاتّحاد وبسياسته الأدبيّة المتّبعة في النشر»، وهي تتضمّن: «إساءة إلى الفكر القوميّ والانتماء إلى الوطن»...محاكمةفي سياق ردّه على التقريرين، يعلن بيرقدار أنّه حوكم وأدخل إلى السجن عام 1992 بتهمة: «السعي إلى قلب نظام الحكم بالعنف»، والعمل ضدّ أهداف ثورة الوحدة والحريّة والاشتراكيّة، وتمّت المحاكمة بلا شهود ولا أدلّة ولا استئناف، وصدر الحكم بـ{خمسة عشر عامًا حبسًا مع الأشغال الشّاقة وحرمان الحقوق المدنيّة والسياسيّة». وقد أُفرج عن بيرقدار أواخر عام 2000.بعد قراءة دقيقة ومتأنّية للتقريرين رأى الشاعر أن: «لا شفاعة للرأي الآخر في أهداف الاتّحاد»، واعتبر أنّ السلطة والإبداع: «فعّاليّتان تسيران دائمًا في اتّجاهين نقيضين، وقلّ أن قدّم لنا التاريخ استثناءاته في ذلك». في معرض الحديث عن مقابلات له في صحف ومجلاّت، قال فيها أكثر ممّا قاله في «أنقاض»، وقد دخلت الأراضي السوريّة من دون أن تُمْنَع أو أن توجّه السلطة أيّ سؤال إليه، يلاحظ بيرقدار أنّ: «أجهزة السلطة أكثر تسامحًا من بعض مثقّفيها» أو أكثر ذكاءً... ويصنّف الاتّحاد شعبة مخابرات ثقافيّة، ويزرع في ضمير قارئه السؤال المؤلم: «ترى هل يكون المبدع مبدعًا إذا كان ولاؤه للسلطة أكبر من ولائه للإبداع؟».أمّا قصيدة فرج بيرقدار فيكفيها فخرًا أنّها أرغمت السجّان على الاعتراف بجمالها، فهي التي لا يستطيع قارئها الخبير أن يعرف أيّ نسبة فيها أكبر نسبة الألم أم نسبة الجمال. من بين جدران السجن حيث بيرقدار يستوطن اللغة وطنًا، خاطب ابنته، غزالة حرّيّته الباقية: «...إسمي الآن/ ميراثك الوحيد./ هو ليس ورداً يا ابنتي/ وليس ذهباً/ ولكنّه أمطر ما يستطيع/ ما يستطيع.../ من أجل عينيك الوادعتين/ كعينَي أمِّك»، ورأى أمَّه: «ظلال نبوّة تحترق»، وأباه: «لغة صافية كدموع الأطفال»، أمّا هو فيبحث عن شاهدة يختبئ وراءها حين رآهم: «يلعبون الشطرنج بالمجنزرات»، وصرخ: «يا إلهي!/ ثلاثين عاماً/ وجثمان الحريّة/ لا يزال دافئاً». تبدو عاطفة بيرقدار فعل إدانة لجلاّده وتلمَع سيفاً نبيلاً في يد الكلمة وهي تثير العنفوان في متلقّيها لا الشفقة، وتستمرّ على امتداد صفحات الديوان معتمرة أجمل النار التي لا يجترحها سوى الألم الكبير.ورائع بيرقدار في الاختصار وصناعة الرمز الموشوم بالبساطة والعفويّة: «أيّا منا/ كلّها... كلّها تمضي/ وحدها البزّة العسكرية/ ترتدي جثّة الجنرال/ وتأتي». واللغة، والشاعر ظلٌّ من ظلالها الخضر، تدير ظهرها ليلاً لابتسامات نهارها وتبكي على صدر شاعرها: «ما من لغة لا تبكي في سرّها/ ما من حكمة لا تمشّطها الجثث». والموت يقصد اللغة البيرقداريّة، يقيم فيها هربًا من السجن والسجّان فتعيد الحياة صياغته ليضاهيها جمالا.تأتي قصيدة «أنقاض» نشيداً مضرّجاً بالأمل: «ليس شهيقي/ إن لم يكن للدهشة./ ليس زفيري/ إن لم يكن للناي./ وليست حياتي/ إن لم تكن جديرة/ بالموت». وفيها يحدّد بيرقدار الاتجاهات: «والصمت يذهب إلى الحكمة/ الهذيان يذهب إلى الشعر.../ فإلى أين يذهب الطغيان؟». نعم، إنّ الشاعر يفتخر بانتسابه إلى الصمت والهذيان مكتفياً بعمامة الحكمة وعباءة القصيدة، وعارفاً، وإن سأل، أنّ مهندسي مجاري أنهار الدماء والمبدعين في هندسة السجون سيمضون في عربة تجرّها الأفاعي ليقيموا في لعنة التاريخ إلى الأبد.لا تعرف قصيدة بيرقدار التعب، ولا تغمد رصاصة الرحمة في صدر الرجاء، وإن كانت طاعنة في مرارة الواقع، فالشاعر أقام في سجن ولم يدَعْه يقيم هو فيه، لذلك بقي في ذمّة الحياة دون مِنّتها، ولذلك أيضًا كان مستعدًّا للموت لأنّه وعد من وعود الحياة: «أليست الحياة واعدة بالموت؟/ إذن.../ أقصى الخسارات/ أن لا يكون موتنا جميلا».وقد تكون قصيدة «نخب» المشهد الذي يتَّسع للشاعر فرج بيرقدار رافعاً قلبه كأساً للحرّيّة: «أنا رأيته/ وهو يخلع قلبه/ يأخذه بكلتا يديه/ ويرفعه عالياً عالياً/ ليصيح:/ «كأسك أيّتها الحرّيّة»/ ويدقّه/ بأقرب نجم إليه».«أنقاض» فرج بيرقدار صندوق جهاز الحرّيّة، وأجمل هديّة تهدى إليها وهي تطوّق عنقها بعقد من الياسمين الدمشقيّ، تحت سماء سوريَّة، محمولة على أكتاف الشهداء... والشعراء.
توابل
فرج بيرقدار في أنقاض... قصائد أطول عمراً من السجن والسجّان
25-12-2011