«الأيام الخضر» لهانا مخملباف ممنوع في مهرجان بيروت!

في الماضي القريب، كان العقيد الليبي معمر القذافي يلاحق كل صحافي يكتب ضدّه حتى لو كان في الصين، ويوظّف من يحاول اغتياله أو يعتدي عليه، على أن معظم الأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي، من الناصرية إلى البعثية، كان يلاحق في لبنان مَن يعترض على سياساته، وأصابع الصحافي الراحل سليم اللوزي تشهد على ذلك.

Ad

آخر صيحات الدكتاتورية منع الفيلم الإيراني «الأيام الخضر» لهانا مخملباف من العرض في مهرجان بيروت!

وصل الأمن الثقافي الإيراني إلى لبنان، وصار موازياً للأمن العسكري والميليشياوي - الحزب إلهي، هكذا تقول الوقائع، فقد سحب الأمن العام اللبناني (يقال إن مقربين من «حزب الله» يسيطرون على إدارته) رخصة عرض فيلم إيرانيّ بعنوان «الأيام الخضر»Green Days للمخرجة هانا مخملباف.

يتناول الفيلم التظاهرات التي رافقت الانتخابات الرئاسية في إيران عام 2009، وكان مقرراً أن يكون أحد خمسة أفلام ستُعرض ضمن «مهرجان الأفلام الممنوعة» بين 22 يونيو (حزيران) الجاري و26 منه في سينما «بلانيت أبراج» في بيروت.

فيما اعتبر سفير طهران لدى لبنان غضنفر ركن أبادي عرض الفيلم «تعدياً على السيادة الإيرانيّة طالباً منع عرضه»، لمّحت تقارير إعلامية إلى إمكان تورّط «حزب الله» في الرقابة. والفيلم بحسب النقاد ليس تحفة سينمائية في حدّ ذاته، بل «بالكاد يمكن اعتباره تحقيقاً تلفزيونياً جيّد الصنع. وهو، في أحسن أحواله لا يتجاوز في ما يقوله، عشرات التحقيقات التي تملأ شاشات العالم منذ سنتين على الأقل، متحدّثة عن الثورة الإيرانية الخضراء وما تلاها من قمع واضطهاد».

عندما سُئلت مديرة مهرجانات بيروت كوليت نوفل عن أسباب المنع أجابت: «القرار ليس قرارنا وإنما نحن ننفّذ الأوامر». وتابعت: «لم نشأ أن نراجع أحداً بالموضوع لأن حرية التعبير برأينا لا تحتاج الى واسطة».

أمر مضحك أن يشكّل فيلم سينمائي اعتداءً على «السيادة الإيرانية»، بينما فيلق متقدّم من الحرس الثوري الإيراني في لبنان وآلاف الصواريخ الإيرانية لا تعتبر تعدياً على السيادة اللبنانية. هذه هي الكوميديا السوداء التي لا تبشّر بالخير، وتجعلنا نفكر بمستقبل لبنان.

عموماً، ليست هذه المرة الأولى التي تُثار فيها ضجّة حول فيلم إيراني. فقبل مدّة كاد فيلم «برسبوليس» لمرجان ساترابي أن يتسبّب في أزمة بين الرقابة والناس في لبنان، لولا أن وزيرين في الحكومة اللبنانية تداركا الأمر كاسرين قرار الأمن العام. والطريف أن الفيلم الذي أراد هذا القرار منعه، موجود بآلاف النسخ المدمجة في المكتبات. كذلك من المعروف أن الفيلم الذي كاد يُمنع كرمى لعيون إيران، باتت نسخه موجودة في كل بيت في هذه الدولة، على رغم المنع الرسمي. حتى أنه عُرض في مهرجان «كان» ونال جوائر واهتماماً واسعاً، وقد اعتبرت جهات سلطوية إيرانية أنه ينطوي على «مؤامرة» وهو فعل «امبريالي» و{يطعن الشعوب في ظهرها».

الفيلم الذي عُرض سراً في صالة صغيرة في طهران بنسخته الأصلية التي لم تخضع للرقابة، وُضع في خانة الممنوع على اعتبار أنه معادٍ للسلطة الخمينية، أو معارض لها!

نجاد

كان فيلم «الأيام الخضر» أرجئ عرضه في شهر أكتوبر الفائت بطلب من دوائر الرقابة، بسبب تزامن عرضه آنذاك مع زيارة للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى لبنان، فتقرّر تأجيله مراعاة للمناسبة، أما اليوم فمُنع العرض تماماً.

يظهر «الأيام الخضر» مشاهد حقيقية من تظاهرات رافقت الانتخابات الرئاسية في إيران عام 2009، ويروي قصة آية وهي شابة تعاني حالة يأس، وتشكّك في الرغبة في التغيير التي تحرّك مواطنيها، فتقرّر الذهاب لملاقاتهم في شوارع طهران وإجراء حوار معهم. علماً أنه إثر إعادة انتخاب أحمدي نجاد والتي تقول المعارضة الإيرانية إن عمليات تزوير كبيرة تخلّلتها، نُظّمت طوال أشهر تظاهرات احتجاجية في أنحاء إيران كافة، انتهت نتيجة حملة قمع أسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص واعتقال الآلاف.

دعاة الحرية

كان لافتاً أن دعاة الحرية الثقافية المطالبين والمطبلين والمزمرين لإيقاف الرقابة في لبنان والعاملين في صحف مقربة من «حزب الله» لم يتطرقوا إلى منع الفيلم، بل سكتوا كأن شيئاً لم يحصل، وهم الذين استبشروا خيراً بوعود الحرية من الحكومة الميقاتية، بينما قال الناقد إبراهيم العريس في مقالة له: «السؤال اللبناني هنا لا يتعلق طبعاً بالفيلم، بل بمغزى منعه الآن (...) والتساؤل ليس عن المنع، بل عن مغزى ذلك بعد أيام على تشكيل الحكومة اللبنانية. ما كان ينقصها إلا هذا المنع لأسباب «إيرانية» حتى يستبدل الناس اسمها المكرّس كـ «حكومة اللون الواحد» الى «حكومة اللون الأسود». أما بالنسبة الى المنع نفسه، فمن الأرجح أنه، من جانب المانعين (أي جهاز الأمن العام اللبناني) إشارة مبكرة الى ما ستكون عليه الحريات العامة في لبنان خلال عهد الحكومة الجديدة».

وهانا مخملباف (22 عاماً) هي ابنة المخرج محسن مخملباف وشقيقة المخرجة سميرة مخملباف، وهي أسرة باتت تعدّ ما لا يقلّ عن أربعة مخرجين يمضون الآن حياتهم في المنفى، بعدما كانوا من غلاة المؤيدين للثورة الخمينية. وقد نالت هانا عام 2008 جائزة «الأسد الكريستال» في مهرجان برلين السينمائي عن فيلمها «الدفتر».

يُشار الى أن «مهرجان الأفلام الممنوعة» في لبنان يشمل عروضاً لأربعة أفلام كانت دوائر الرقابة اللبنانية حظّرت عرضها في دورتي 2009 و2010 من «مهرجان بيروت الدولي للسينما»، وهي «شو صار» للمخرج اللبناني ديغول عيد، و{غناء العروسين»

Le Chant des mariées للمخرجة الفرنسية الجزائرية الأصل كارين إلبو، وConfortorio للمخرج الإيطالي باولو بينفينوتي، وغوساتازا دا ليبيانو Gostanza Da Libbiano لبينفينوتي أيضاً.