بعض الأسئلة حول القصيدة العربية، اليوم، لا بد من طرحه. كيف نعرف أنّ هذا نص أو ذاك شعر؟ ما هي الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر؟ أم أنّ هذه الحدود سقطت ومات النثر الفنّي؟ ماذا نسمّي السجع في نصّ يريده صاحبه شعراً وهو يفتقر إلى الوزن والإيقاع؟ هل التوزيع الطباعي، أي الإخراج، أمسى يحدّد النوع الأدبي شعراً ونثراً؟ إلى أي حد يحتمل النصّ الشعري التضمين والترميز والمجاز المغلق؟ وإلى أيّ مدى تستطيع المباشرة أخذ الكلام إلى ضفّة القصيدة؟... أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات يُتَّفق عليها بالحدّ الأدنى، وما من مجيب.

من غلاف «أدراج»، (الغرفات السبع من الفلك إلى التي هي لك)، للمؤلف أمجد المحسن يحدس القارئ بأنّه سيواجه نصوصاً تتداخل فيها المعاني وتتماهى وتتباعد وتتقارب... وما يعزّز هذا الحدس صورة الغلاف التي تظهر أدراجاً تتصاعد بشكل دائري، غير أنّ النصّ المثبت على ظهر الغلاف يوحي بأنّ الطريق إلى قفير المعنى ممكن ولو أنّ الرموز تفتح الباب واسعاً للتأويل، «طريق أليف لكائن آدم / يا شعرُ، / لا تترك الذئب ينحو إليّ، فإنّ الذئاب موثوقة القول / بعد قصّة يوسف / كن لي ضنايَ ونايي./ القصيدة لا تفعل الفعل إلا بصاحبها... أوّلا،/ كن لي شتائي وشايي». فالشاعر يلجأ إلى الشعر، لينجو من ذئب الحكاية الحمراء التي اكتفت بيوسف بطلاً وتباهت به على كلّ ألم جميل يستوطن حكاية، ويرغب في أن يتبنّى الشعر ولداً لا يموت، ولا يرميه إخوة له في البئر ولا يحنّ عليه ذئب. وإذا كان من سحابة خوف في شتاء العمر فليس سوى القصيدة كوب شاي يترك على الروح وشماً من الدفء.

Ad

أما على المستوى الموسيقي والإيقاعي فنجد هذا المقطع الشعري ضائعاً بين الوزن واللاوزن على رغم حضور التفعيلة «فعولن»، وجوازها «فعول»، غير أنّ غيابها ملحوظ أيضاً في الكلام، وواضحة أيضاً التقفية في كلمتي «نايي» و{شايي»، فهل هذه الفوضى الإيقاعيّة مقصودة أم أنّها وليدة صعوبة في إنجاز الوزن كما يجب؟! ففي قصيدة «الاسم»، مثلاً، يصرّ المحسن على الوزن السليم، فبنى داليّته على البحر البسيط فأتت كلاسيكيّة بشكل تامّ: «من باعني وردةً، قلبي فراشتها؟/ وفصّل السيف توشيحاً على جسدي؟/ إنّ الذي أنضج الأعناب في امرأة / أرادني جدولاً سهلاً، ولم أُرِدِ». وفي نصوص أخرى يغيب الإيقاع غياباً تاماً: «الغرفة فوضى كتب ومجلات / ودفاتر إملاء، ودواوين وفقهيات،/ وفراشي فوضى... ومسجّلتي مثل الديك حواليه الصيصان»... ويلحظ قارئ «أدراج» أنّ النصوص التي سعى المحسن إلى العمل على موسيقاها، بشكل كامل أو بشكل جزئي، امتازت بالنجاح الشعري دون سواها، واتصفت بالبعد عن الهدر اللغوي ما يجعل القصيدة تتّجه نحو نفسها أكثر.

7 غرف

وزّع الشاعر ديوانه على سبع غُرَف معطياً كلّ غرفة مناخها الخاصّ. والغرفة الأولى خصّها بسرير للفلك، وهي غرفة تمتاز جدرانها بالغموض. يقول المحسن: «علمُ التواضع علمُ الفلك./ علم التنهّد». ويتنهّد القارئ معه هارباً من الوجود الأرضيّ غير أنّه لا يعرف أيّ اتجاه له في الجغرافية الفلكيّة. ويتبيّن من نصوص هذه الغرفة الهائمة في دنيا الارتفاع أنّ بانيها يهمّه أن يفرّ من الـ{هنا» إلى أيّ «هنالك»، ولو امتطى أحصنة الضباب إلى المجهول، وربّما بحثاً عن أمل ضاق به صدر الأرض: «ما الذي حول خصر زُحَل؟ / أتراه الأمل، حوله لا يملّ؟». وقد يكون النص الفلكي الخامس ذا الدلالة الخصبة التي يقصدها صاحبه: «... أمِن أجل آدم ألف ألفَيْ مجرّة؟». يحمل هذا التساؤل الفلكيّ في طياته قلقاً وجودياً وشكّاً لا يوصل إلا إلى شك آخر، وما تناسل المجرات شبه الخرافيّ سوى تناسل رهيب للأسئلة التي لا تنجب إلا الأسئلة... وانطلاقاً من غرفة الديوان الثانية يمدّ المحسن يده إلى صندوق الرموز الدينيّة والسياسية والثقافية... ويتّكئ على الرمز لتتّسع دائرة الإشعاع في القصيدة، لكنّ كثافة التضمين والترميز لم تخدم النصّ إنّما عطّلت انسيابه الشعري، لا سيّما أنّ القارئ ليس مؤهّلاً لفك كلّ الرموز، وقد يعتقد الشاعر أنّ تفاعله الشخصيّ مع رموزه هو نفسه عند قارئه. يقول الشاعر: «يا بنتَ هوج الرياح / الأرض فائضة / على الزمان على آشور أو أكدِ/... يا منبع الآدميين المكان أبٌ / للوقت، يا بحر كيتوس، المكان غدي». فكم هو جميل فيضان المكان على الزمان، وهل أجمل من أن يصير المكان غدا؟! لكن مفردات ذات حضور رمزيّ مثل: «آشور، أكد، كيتوس»... حاولت تعطيل الفيضان الرائع، الذي يجعل الزمان إبن المكان. فمهما بلغت معرفة القارئ برموز النص، فإنّه سيتعثّر بظلال الرمزيّة البعيدة والكثيفة والمسكّرة، والشعر، بحدّ ذاته، يكفي نفسه ولا يحتاج إلى حشد أسماء علم للأمكنة وللناس... واللمعة الشعريّة تصل إلى ذروة لمعانها حرّة من أيّ قيد، وتحديداً من قيد الرمز الذي يتطلّب إرثاً ثقافياً معيّناً لإضاءته.

وبإيقاع رمزيّ متشابه ينتقل الشاعر من غرفة إلى غرفة مستحضراً التاريخ شرقاً وغرباً، من فلك نوح إلى الكمبيوتر، ويقف طويلاً عند النخلة والرمل، ويسترجع طعم البكارة في خيام البدو يوم كان زمان العرب، أوّل زمانهم... وينتظر قمر الخلاص على رجاء: «ربّما ظهر المنقذ الفذ، قد يكون المسيح قام ولبّى أذان الطحين.» وحين يفلت الشاعر رداء المسيح يتمسّك بالحوت رمزاً خلاصياً ويخاطبه بنزق الثائر والمؤمن الناشد قطرة ضوء في الليل الطويل: «ولك الأزرق يا حوت الأناجيل ويا قوت البلاغات / وياقوت الزبور / ماؤك الموار في الميع، وقرآن البحور... وليت الشاعر تجنّب الكثير من الكلمات التي تأخذ شرعيّتها وحقّها في الحياة من القاموس وليس من لسان العرب اليوم، لأنّها هي أيضاً تقف بين القارئ وانسياب النص الشعري...

أمّا غرفة الديوان السابعة فقد خصّها الشاعر بسرير للمرأة وحدها معلناً: «أمّا خريطة الصباح ومكعّبات السكر فلكِ». وأنثى المحسن متعدّدة، وتبدأ من الجاهليّة وصولاً إلى يومه. وهو يحبّ ويخشى أن يحبّ كثيراً: «أتركِ الحبّ وانجُ.../ إن سلك الحبّ برّا فحِدْ/ وإن سلكَ بحرا فَحِدْ/ وإن لألأ البدر في امرأة، صلِّ أن يقتصدْ». وفي قصيدة «دخول التفاحة الفاتحة المدينة» يعترف المحسن، على طريقة نزار قباني، بأنّه ربح الهزيمة وبأنّ سيف أنثاه يحتكر النصر: «هنيئا مريئا لك التاج والعرش والسلطنة / أعترف الآن أنّ جيوشي التي عبرت أنهر الهند والسند.../ اندحرت مثلما يدفع الطفل طابته، تتدحرج في بركة، ويسيل بها الماء». ويتساءل بعد الهزيمة: «فلماذا تصرّين في طلبي، وتريدين رأسي / على طبق من ذهب؟!».

«أدراج» أمجد المحسن تصعدها القصيدة مرّة، وتتعثّر مرّة أخرى عليها، ولا بدّ من الاعتراف بأنّ الشاعر أرهق نصّه بالأسماء، وبأنّ الهدر اللغويّ أتى على حساب هدير القصيدة.