يستحضر الشاعر وليد القلاف الصور من ذهنه ويتخيّلها ماثلةً أمامه حينما يقرأ قصائده، تتداعى الأحداث والشخصيات عبر نتاجه، يستدعي ثلاثة أزمنة في بيت من الشعر لأنه يخشى أن يترك شيئاً من الماضي والحاضر والمستقبل.يرى أن للشعر الوطني قدرة كبيرة على استيعاب أغراض الشعر العربي كافة، مفضّلاً استخدام ضمائر المخاطب، معتبراً أن قصائده سياسية لكنها ليست مؤدلجة.
«الجريدة» التقته وسلّطت الضوء على قضايا شعرية متنوّعة في الحوار التالي. لماذا لم تصدر ديواناً شعرياً حتى الآن؟ نعيش عصر العولمة والإنترنت والعالم شاشة صغيرة, وأعتقد بأن الموقع الإلكتروني مساحة تواصل كبيرة، وثمة سهولة كبيرة في تزويد وسيلة الاتصال الحديثة مقاطع فيديو للشاعر أو صوراً، إضافة إلى عدم التعقيد في عملية السحب والإضافة.في تصوّري، الموقع أفضل بكثير من الديوان الورقي، وقد دشّنت رابطة الأدباء حديثاً، موقعاً خاصاً لكل أديب عبر الشبكة العنكبوتية، سأضع فيه قصائدي مكتوبة ومسموعة وسأزوّد الموقع ببعض مقاطع الفيديو المصوّرة لبعض الأمسيات المتوافرة لدي.تحرص على مشاركة زميلك الشاعر رجا القحطاني الأمسيات الشعرية، حدّثنا عن علاقتك به؟ثمة وشائج قوية تتوِّج تواصلنا، كذلك تربطنا علاقة إنسانية وأخرى أدبية. يتمتّع القحطاني بصفات جميلة لا يعرفها إلا من خبره جيداً، كذلك نشترك في المدرسة الشعرية ذاتها.كيف ترى الأصوات الشعرية الشابة؟استُدعيت للتحكيم ضمن لجان متنوّعة في مسابقات للشعر، ووجدت أن ثمة شعراء وشاعرات لهم مكانة مرموقة، وثمة كذلك مواهب حقيقية، أنصح هؤلاء بأن يقدّموا الشعر على أنفسهم لأن ذلك كفيل باستمرار النجاح. أجد أن ثمة شعراء من فئة الشباب يفوقونني شعراً حينما كنت في المرحلة العمرية التي يعيشونها راهناً.هل تراجع ما تكتبه قبل نشره أو قراءته في الأمسيات؟حالة القلق ضرورية لا سيما حينما يفكّر الشاعر ماذا سيقدّم؟ القلق لا يعني الخوف إنما الحرص الزائد الذي أراه ضرورياً للشاعر لكن الخوف مضرّ به فهو التراجع بحد ذاته والتقهقر في كتابة القصيدة. لست منسجماً مع الارتجال بل أركز على الاستشارة والتنقيح رغبة في تقديم الأفضل وتجنّب الوقوع في سلبية التسرّع.تنحاز إلى كتابة الشعر الوطني مستخدماً معظم الأغراض الشعرية، وملتزماً بقضايا الوطن في ظلِّ نقاش محموم حول وظيفة الشعر.لدي قناعة بأن الشعر مدرسة، إذ تعلّمت منه أكثر مما تعلّمته في المدارس من ناحية اللغة والنحو والصرف. القصيدة الوطنية أشمل وأعم ولها قدرة كبيرة على استيعاب أغراض الشعر العربي كافة، وتجمع كذلك أزمنة متنوّعة في قالب شعري واحد فتجد فيها الغزل والرثاء والمدح والسياسة، لذلك فضّلتها على غيرها.أتساءل، هل تستطيع القصيدة الغزلية الصرفة المكتوبة في امرأة أن تستوعب هذه الأغراض الشعرية كلّها؟ حتماً ستكون الإجابة لا، لأن أغراض الشعر جاءت من الحياة، والحياة هي الوطن.ما رأيك بالمسابقات الشعرية المنتشرة في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية؟سأتحدث عن جوانب هذه المسابقات الإيجابية، أتابع برنامجين هما «أمير الشعراء» و{شاعر المليون»، وأثناء المتابعة ستكتشف أن كل برنامج يقدِّم أمسية شعرية يشارك فيها سبعة شعراء ينتمون إلى مدارس شعرية متباينة، كذلك هناك لجنة تحكيم تتولى مهمة تقييم القصائد بموضوعية وحيادية، إلى ذلك تسلّط هذه الأمسيات الضوء على أغراض الشعر المختلفة كمعارضة أحد الأبيات أو الارتجال، وهذا لا يعني ألا سلبيات لها، فأنا ضد تقسيم النسيج الاجتماعي بسبب مسابقة.تعيش قصيدة الفصحى في الخليج حالة انحسار وتراجع مقابل تطوّر قصيدة العامية وازدهارها، ما السبب في رأيك؟أؤيد هذا الكلام، لأن اللهجة المحكية أسهل من اللغة الفصحى لا سيما أن هذه الأخيرة تحتاج إلى قواعد دقيقة ومعايير صارمة، لذلك نجد أن شعراء العامية أكثر عدداً من شعراء الفصحى، إلى ذلك ثمة موضوع مهم جداً وهو أن معظم الذين يكتبون بالعامية يتناولون قضايا اجتماعية تحاكي هموم الشارع، بينما يذهب بعض شعراء الفصحى إلى أساليب فلسفية وطرق سريالية قد تنفّر المتلقّي، خصوصاً إذا كانت القصيدة مفرطة بالغموض فالخيال مطلوب لكن الإفراط فيه يصل إلى مرحلة الهذيان.كذلك، فإن الذين يتعاطون الشعر الشعبي أكثر نشاطاً وحراكاً في وسائل الإعلام والنشر.تناولت قضايا وطنية كثيرة من خلال قصائدك، فهل يتأثر الشاعر بفكر أهل السياسة؟قضيت ردحاً من الزمن في التربية أدرِّس الطلاب، لذا المنهج الذي أعطيه ما هو إلا قيم ومبادئ وليس سياسة. قد أتكلّم بالسياسة لكني لا أتحدّث عن رمالها المتحرّكة ووجهات النظر والتيارات السياسية، لأن ما نراه اليوم نموذجياً قد لا يصلح بعد ذلك، فحينما أخوض السياسة أتناول الثوابت. أقول في قصيدة «إشراقة الأرض»:رَسَمْتِ وَكانَ الرَّسْمُ مِنْكِ سِياسَةً/ برايَتِها راحَ التَّقدُّمُ واغْتَدى/ كُوَيتيَّةٌ في سَيْرِها عَرَبِيَّةٌ/ وفي قَلْبِها الإسْلامُ يَرْسُمُ مَسْجِدا/ تَعَهَّدَ مَسْعاه الأميرُ وَبَعْدَهُ/ كَساها وَلِيُّ العَهْدِ ثَوباً مُوَرَّدا/ وفي البَرْلَمانِ ازْدان مَشْرِقُكِ الّذي/ بِهِ شَدَتِ الآفاقُ حينَ بِها شَدا.خلال هذه الأبيات تطرّقت إلى شكل الحياة السياسية ومن حيث المبدأ لم أتناول الممارسة السياسة، لأنني لست سياسياً، وحين أتحدث عن البرلمان فأنا أتكّلم عن السلطة التشريعية فحسب ولا أتبنى أفكاراً سياسية مؤدلجة.تفضّل الكتابة بصيغة المخاطب دلالةً على قيمة المتلقّي في نفسك، حدّثنا عن هذا الأمر؟أحبّذ استخدام ضمير المخاطب، خصوصاً أنني أتحدث عن الوطن فهو بمنزلة الأم الكبيرة أو البيت الكبير، فيه أولاد مشاغبون وآخرون يظنون أن أمّهم ظالمة، ووجهة النظر خاضعة للصواب والخطأ. الشعر هو الانتقال من عالم الواقع إلى عالم الخيال، فأتخيّل الكويت أمامي، لذا أفضّل استخدام ضمائر المخاطب على ضمائر الغائب وصفة الجماعة على صفة الفرد. قضيت نصف عمري في التعليم والتربية، لذلك أحاول غرس القيم والمفاهيم، فتجد شعري ينطق بلغة الجمع وأستدعي كذلك الأجيال الثلاثة، أقول في قصيدة «إشراقة الأرض»: ألا من سنا الماضي نرى الحاضر/ اهتدى إلى خير آت يا كويت كما بداكذلك، أقول في بيت آخر في القصيدة ذاتها:ولحظة عشق في حماك نعيشها/ نراها تساوي الأمس واليوم والغدا.ما رأيك بالأصبوحات الشعرية؟أرفض أن تكون الأصبوحة الشعرية بأجواء الأمسية نفسها لذا علينا تفعيل طقس مختلف، فالقصيدة ليست تقريراً، إنما فيها مشاعر وأحاسيس يجب إظهارها، لذا يجب أن يتم التنسيق بين رابطة الأدباء وإدارة التوجيه للغة العربية في وزارة التربية بشأن تنظيم الأصبوحات التي تقام في المدارس من خلال تأسيس نظام لهذه الفاعليات الثقافية وتحديد آلية عملها ضمن المنهج الدراسي.ألا تفكّر في خوض غمار انتخابات الرابطة ثانيةً؟اكتفيت بتجربتي السابقة في العمل الإداري خلال مجلس 2005. أشعر بأن العمل الإداري مربك، لذا تجدني دائماً «أهرب» من هذا العبء الكبير لأنني لا أجد نفسي فيه. خوضي لهذه التجربة كان تقديراً لرغبة بعض الأدباء، وعلى رغم ذلك اجتهدت في عملي وحرصت على إذابة الخلافات وتقريب وجهات النظر بين الأدباء، وحينما كنت أوفّق في ذلك كنت أشعر بالراحة على المستويين الاجتماعي والنفسي. لدي قناعة بأنني لا أجيد العمل الإداري.من شِعره قصيدة «لوحة الجمال»:أنتِ شمساً أحقُّ منك ديارا/ فاجعلي اللّيل ياكُويتُ نهاراوارسمي لوحة الجمال وغني/ من أغانيك ما يكون إطارارائعٌ رسمكِ الذي نحن فيه/ هذه الأسرةُ التي تتبارىوعلينا من المحبة بدرٌ / زاده الله رفعةً واقتدارالم تزل عينه المضيئة تحكي/ ما بناه لنا الجدود مساراحين قاموا برسم وجهك حتى/ صار من نوره الزمان منارافي القفار التي البحار إلتقتها/ فنما الحب فوقها أشعارا
توابل - ثقافات
وليد القلاف: قصائدي وطنيّة وليست مؤدلجة سياسيًّا
01-09-2010