لا مفرّ من أن يحصد For Colored Girls آراءً منقسمة تماماً. فكثيرون سيكرهونه حتماً، لكن نأمل بأن يحبّه عدد أكبر من المشاهدين، أو على الأقلّ أن يتقبّلوه، نظراً إلى الوحشية المباشرة المعروضة بشكل متطرّف وما يرافقها من حقائق صعبة.

في هذا الفيلم، يأخذنا المخرج تايلر بيري إلى أعماق هذا العالم المظلم بأسلوبه اللافت في الاقتباس من مجموعة قصائد تعود إلى الشاعرة نتوزاكي شانج بعنوان «إلى الفتيات السوداوات اللواتي يفكّرن بالانتحار حين تصبح الألوان كافية» For Colored Girls Who Have Considered Suicide When the Rainbow Is Enuf، وقد نُشر العمل للمرة الأولى عام 1975. وبما أنّه أُعدّ أصلاً للتحوّل إلى عمل مسرحيّ، فكان أشبه برقصة حياة وجدل نسائي وعرقيّ مع النساء- المرتديات ملابس زرقاء، أو صفراء، أو حمراء، أو بنّية، أو خضراء، أو أرجوانية، أو برتقالية- وهنّ يتنقّلن في أنحاء المسرح، فتقف كلّ واحدة منهنّ لسرد قصّتها ثم تتابع سيرها. تنقّلت هذه المسرحيّة من سان فرانسيسكو إلى برودواي نظراً إلى الانتقادات الإيجابية التي لاقتها، ولكنّ العمل أربك كلّ من فكّر بتحويل القصة إلى فيلم.

Ad

جاء بيري ليجيب عن تساؤلاتهم ويزيل ذلك الإرباك من أساسه. فجزّأ هذا الكاتب والمخرج القصّة وأعاد تجمعيها بدقّة عالية، مستخدماً مشاهد متنوّعة لابتكار الشخصيات والسيناريو، مع الاحتفاظ بجزء كبير من القصائد الشعرية، ولكنه كتب الأحداث المترابطة بنفسه كي تأخذ القصّة منحىً متجدداً وبُعداً مختلفاً بعض الشيء على شاشة السينما.

تقمّصت مجموعة من الممثلات السوداوات المشهورات (جانيت جاكسون، لوريتا ديفاين، كيمبرلي إليز، ثاندي نيوتن، فيليشا رشاد، أنيكا نوني روز، تيسا طومسون، كيري واشنطن، ووبي غولدبرغ، ومايسي غراي) هذه الشخصيات واندمجن في نمط حياتها. أما الشخصيات الذكورية (مايكل إيلاي، أوماري هاردويك، هيل هاربر، خليل كاين، ريتشارد لاوسن)، فهي تؤدّي أدواراً على درجة متفاوتة من الوحشيّة (باستثناء شخصية هاربر)، ولا يولي الفيلم أهمية كبرى لمحاولة فهم هؤلاء الرجال بعمق أو مسامحتهم، بغض النظر عن جروحهم الداخلية.

For Colored Girls أكثر عمل ينمّ عن نضج فنيّ لدى بيري الذي يتحلّى بأقصى درجات الشفافيّة العاطفية التي تظهر جليّاً في هذا الفيلم وفي اختيار الممثّلين. فهو نجح في استخراج أداء تمثيلي مدهش من إليز (بطلة فيلمي «المحبوب» (Beloved) و{يوميات امرأة سوداء غاضبة» (Diary of a Mad Black Woman)) بدور كريستال، زوجة تتعرض للضرب وأم تواجه خسارة موجعة؛ وطومسون (فيلم «حين ينادي غريب» When a Stranger Calls) بدور نيلا، مراهقة تكتشف الحياة الجنسية وتدفع الثمن حين تجد نفسها حاملاً؛ وروز (فيلم «فتيات الأحلام» Dreamgirls) بدور ياسمين، امرأة عزباء تحاول تخطّي تجربة الاغتصاب الذي تعرّضت له؛ والممثلة المسرحية والسينمائية المخضرمة ديفاين («بانتظار فسحة لتنفّس الصعداء» (Waiting to Exhale و{زوجة الواعظ» The Preacher's Wife) بدور امرأة تتخبّط لتخطّي أزمة منتصف العمر وتبرع في مزج ألم الخيانة بالسخرية، ما يضفي على العمل نفحة من المواقف الكوميدية الخفيفة.

لا أثر في هذا الفيلم لشخصية ماديا الشهيرة، وهي الجدّة الأميركية الأفريقية الضخمة التي حوّلها تيري إلى شخصية رمزية شهيرة وإلى عالم بحدّ ذاته، بكلامها الحاد وانتقاداتها اللاذعة والمضحكة، كونها تُطلق الأحكام على الجميع بعباراتها وصرخاتها الصاخبة، وقد ظهرت في عدد لا يُحصى من الأعمال المسرحية والسينمائية لأكثر من عقدٍ. استعان بيري بخدمات ألكسندر غروزينسكي للحصول على أفضل نوعية من التصوير السينمائي، علماً أنّ هذا المصوّر كان يلمّع صورة العمل في أفلام المخرج منذ بدآ التعاون معاً في فيلم «ماديا تدخل السجن» Madea Goes to Jail، عام 2009، لا سيّما في فيلم «يمكنني الإخفاق بنفسي» I Can Do Bad All by Myself في وقتٍ لاحق من السنة نفسها.

يعكس الفيلم النزعة الدرامية التي ميّزت العمل المسرحي عن طريق البساطة وتخصيص المساحة المناسبة لكلّ عنصر– مع الحرص على تصوير الأجواء القذرة السائدة في الأحياء الفقيرة ووضع النساء المحطّمات. تبدأ القصة في جو طبيعي ودافئ حتى الدخول إلى عالم جاكسون التي تؤدي دور جو، محررة صحفيّة ثريّة، تعيش تقلّبات كثيرة في حياتها. لم يُستفَد من معظم الحقائق السائدة في تلك البيئة، إذ يدور معظم القصّة ضمن منطقة مؤلفة من ستة أبنية في حيّ هارلم، مستوحاة من إحدى القصائد العشرين التي يتألف منها عمل شانج الأصليّ ويبدأ بعبارة «كنت أعيش في العالم، ثم انتقلت إلى هارلم، فانحصر عالمي الآن ضمن ستة أبنية...».

بقدر ما تبدو هذه الكلمات لاذعة، تؤكّد مشاهد الفيلم الشوط الطويل الذي يجب أن نقطعه بعد. يكشف أحد المشاهد الأولى عن داخل مجمّع الشقق الذي تقطن فيه النساء – وهو عبارة عن مبنى من دون مصعد بل فيه سلالم تبدو بلا نهاية.

تبدأ القصّة بسماع أصوات النساء وهنّ يُنشدن القصيدة الأولى التي تحمل عنوان «المراحل المظلمة» dark phases. في ما تبقّى من الفيلم، ينجح بيري في دمج الشِعر والحوارات التقليدية بطريقة طبيعية تفوق التوقعات. وتعكس مواضيع القصائد الواقع المظلم بالنسبة إلى كثيرين. في هذا الإطار، تشرح ياسمين أنها، على رغم معرفتها بالرجل الذي اغتصبها، «إذا ما شوهدتِ معه في مكان عام أو رقصتما رقصة واحدة، فالتقدم بشكوى ضده سيكون صعباً بقدر صعوبة مقاومة خمسة رجال حمقى يحاولون الاعتداء عليك...».

لهذه الشخصيات نواحٍ نفسية حادّة عدة، ويسير بعضها في الطريق الخاطئ، بينما لا يحرّك البعض الآخر ساكناً على الإطلاق. لكن يصعب إخفاء نقاط الضعف في عمل مماثل يتّسم بطبيعته بنزعة أوبرالية: مثلاً، تبالغ شخصية تانجي التي تؤديها نيوتن في التعبير عن غضبها؛ ولا تنجح شخصية أليس التي تؤديها غولدبرغ، والتي ترتدي الأبيض ويغمرها الغضب الشديد، في إيجاد ما يلزمها من قوة؛ بينما لا تنجح رشاد، بدور صاحبة الشقق غيلدا، في التواصل مع دورها كما يجب كونها تُعتبر الرابط المحوري بين عددٍ من الشخصيات، فيشعر المشاهد غالباً بأنها دخلت إلى المشهد الخاطئ.

لكن بغض النظر عن الإخفاقات الموجودة في العمل، تعوِّض اللحظات التي يتفوّق فيها الفيلم عن نقاط الضعف. ويتمثّل أحد أقوى مشاهد الفيلم بحضور جو (جاكسون) وزوجها كارل (هاردويك)، اللذين يواجهان زواجاً محطّماً، حفلة أوبرا. ومع تصاعد الأصوات العذبة في أرجاء قاعة الحفلة منشدةً لحن «السيدة باللون البنفسجي» La Donna in Viola - وهو مقطع أوبرالي فردي ألّفه ملحّن أغاني الفيلم آرون زيغمان خصّيصاً للمشهد وأدّته مغنيّة الأوبرا كارن سلاك ومغنية السول أندريا جونز سوجولا- تنتقل الكاميرا بين صور النساء، واحدة واحدة، كأفراد منفصلين.

لكنّ أقوى عنصر في العمل، وهذا ما قصدته شانج وفهمه بيري، يكمن في كلّ مشهد تجتمع فيه النساء، وما من لحظة مؤثّرة أكثر من اجتماعهنّ في المشهد الأخير. إنها لحظة شفّافة حتى العمق، وبسيطة، وعاطفية، وقد صوّرها المخرج بعناية مدهشة. صحيح أنّ الفيلم ليس سهل الاستيعاب، ولكن يصعب نسيانه حتماً.