طرح تقرير أصدره بنك بوبيان العديد من الأسئلة ولا سيما في ما يتعلق بالازمة المالية، وتساءل: كيف سيكون عام 2011؟ وما هي أبرز ملامحه وهل هو فعلاً بداية العودة الحقيقية والخروج من أكبر أزمة مالية مرت بالعالم؟ والى اي مدى ستصل ازمة منطقة اليورو وكيف يمكن أن تؤثر على الاقتصاد العالمي؟

أسئلة كثيرة تدور حالياً بحثاً عن إجابات شافية يمكن أن تمنح العالم مزيداً من التفاؤل في وقت تسود فيه النغمات المتشائمة والتي لا يزال يخيم عليها الخوف من إمكانية اندلاع أزمات أخرى ربما تكون اشد قسوة من تلك التي لحقت بالعالم في نهاية 2008.

Ad

وعلى الرغم من ذلك فان الكثير من المحللين الاقتصاديين حول العالم قد ذهب إلى أن عام 2010 قد شهد البداية الحقيقية لنهاية الأزمة المالية العالمية، وان عام 2011 سيكون هو عام التحول إلى اكتمال التعافي الاقتصادي بشكل كامل ما لم يكن هناك تعمد لإخفاء معلومات من قبل البعض مما يؤدي إلى مفاجآت غير متوقعة، أما إن لم تكن هناك مفاجآت فالأمور في مجملها تسير بطريقة جيدة نحو اكتمال التعافي الاقتصادي.

في هذا التقرير الذي اعدته وحدة البحوث والدراسات والتقارير ببنك بوبيان نحاول التعرف على اهم المؤشرات الايجابية للعام المقبل استنادا الى تحليل مختصر ومباشر للاوضاع التي كان عليها الاقتصاد العالمي وقطاعاته المختلفة في عام 2010.

** مؤشرات ايجابية تحمل الخير للعالم

تشير كل المؤشرات إلى قرب عودة النشاط الاقتصادي العالمي إلى سابق عهده قبل الأزمة العالمية وربما أفضل خلال السنوات القليلة القادمة لما أفرزته الأزمة من إضافة للخبرات التراكمية لدى الاقتصاديين، لتجنب الوقوع في مثل تلك الأزمات مستقبلاً، وهو الأمر الذي سينعكس حتماً على تحسين الأداء بشكل عام.

فمن المؤشرات المبشرة باستمرار النمو والتعافي الاقتصادي في 2011 ما أعلنته أميركا مؤخراً من ارتفاع متزايد في الاستهلاك خلال الأشهر الأخيرة من 2010 حتى وصلت إلى قرابة 1 في المئة في نوفمبر الماضي في تحول كبير وواضح عما كان في 2009 من شبه ركود، كما أن مؤشرات ثقة المستهلكين الأميركيين التي تقوم بها جامعة ميشيغان حقق تقدماً معقولاً في نهاية 2010.

وتعتبر هذه المؤشرات جيدة بالنسبة لأكبر اقتصاديات العالم والذي يتاثر الى حد كبير بالاستهلاك، فمتى اتجه الناس إلى المتاجر في أميركا فهذا دليل واضح على النمو الاقتصادي كما يرى كثير من الخبراء.

من ناحية أخرى واصل مؤشر تسجيل العاطلين عن العمل إشاراته الإيجابية من حيث تناقص أعداد العاطلين إلى أدنى مستوى له خلال العام، والذي تم تسجيله في منتصف ديسمبر مما يعني تحسن سوق العمل وتخفيض البطالة.

وما من شك في أن التعافي الاقتصادي قد بدأ ومعه بدأت نهاية الأزمة ترتسم في الأفق بأرقام كبيرة في معدلات الإنتاج العالمي وأسعار الطاقة وأرقام المؤشرات الاقتصادية الأخرى التي عادت جميعها تقريباً إلى معدلات ما قبل الأزمة، وأكثر مما كانت عليه قبل الأزمة في دول الآسيان واقتصاديات الأسواق الناشئة التي بدأت تخطو خطوات جادة نحو الصفوف الأولى في خارطة الاقتصاد العالمي بجوار أو على حساب دول العالم الأول التي ظلت لحقبة طويلة تقود الاقتصاد العالمي.

** الإجابة الشافية... كيف يمكن الحصول عليها؟

ربما يتردد البعض في إعطاء إجابة شافية للكثير من الاسئلة التي تتعلق بمستقبل الاقتصاد العالمي وكيف يمكن ان يكون في عام 2011 وذلك بسبب اختلاط الأمر عليهم بين سرعة التعافي الاقتصادي والتعافي نفسه، فكثيرون من خبراء المال والاقتصاد حول العالم مازالوا منقسمين حول السرعة التي يتم بها التعافي الاقتصادي، وليس التعافي ذاته لأن عملية التعافي قد بدأت بالفعل ولكن بسرعات مختلفة وفقاً لظروف كل منطقة وكل قطاع.

ولعل انقسام المحللين الماليين والاقتصاديين حول العالم في ما يخص تقدير معدلات التعافي قد خلق نوعاً من الضبابية حول الوضع العام ككل، بالإضافة إلى بعض التداخل بين مفاهيم الأزمة ومسبباتها ونتائجها. فمن ناحية لدينا مؤشرات قوية على التعافي الاقتصادي في كثير من دول العالم، ولكن تقابلها من الجانب الآخر كثير من المثبطات والعراقيل التي لم تكن وليدة الأزمة بقدر ما كانت أحد أهم اكتشافات الأزمة.

والواقع أنه وقبل البدء في البحث عن إجابات لكل علامات الاستفهام تلك التي تدق عقولنا طوال اليوم لابد لنا أن نفرق بين الأزمة المالية بحد ذاتها والمتمثلة في نقص السيولة بشكل حاد وبين آثارها التي ترتبت عليها من ركود أصاب معظم الأسواق بحالة عجز بيعي مؤقت، صحيح هو لم يصل إلى حد الشلل التام كما يراه البعض لكنه يبقى عجزاً.

كذلك يجب التفرقة بين عملية حدوث التعافي الاقتصادي نفسه والذي حدث بالفعل وبين اختلاف سرعته من منطقة لأخرى، كما يجب الحرص على التفرقة بين أسباب الأزمة وما أوجدته من نتائج وكذلك التفرقة بين النتائج التي ترتبت على الأزمة وبين الدمامل الاقتصادية التي كانت مدفونة وقامت الأزمة مشكورة بكشفها.

** مؤشرات عام 2010... ايجابية بتحفظ

سجلت المؤشرات الاقتصادية بمعظم دول العالم سواءً تلك الدول الصناعية المتقدمة أو غيرها قدراً معقولاً جداً من النمو في 2010، كما سجلت الأسواق الصاعدة في آسيا، أميركا اللاتينية والشرق الأوسط معدلات نمو أفضل من تلك التي سجلتها الدول الصناعية المتقدمة، إذ تسارعت معدلات النمو الاقتصادي في تلك البلدان الصاعدة بمعدلات أكبر مما كانت عليه قبل الأزمة لدرجة دعت كثير من المحللين يرون أن الخارطة الاقتصادية العالمية آخذة في التشكل من جديد مع بروز دول الآسيان وبخاصة الصين التي وصفتها كثير من الدوريات الاقتصادية العالمية المتخصصة بالاقتصاد الثاني على مستوى العالم هذا عام 2010.

لقد تضاعف النمو في الناتج العالمي الإجمالي في 2010 مسجلاً قفزة كبيرة من سالب 2 في المئة في 2009 إلى 3.6 في المئة في 2010 وهو معدل قريب جداً مما كانت عليه الأمور قبل الأزمة في عام 2007، صحيح أن معدلات النمو لم تصل إلى حجم التوقعات السابقة كما يردد البعض، ولكن لماذا لا نقول إن التوقعات كانت مفرطة في التفاؤل أكثر من اللازم؟ فمن غير المعقول أن ينهار الناتج الإجمالي العالمي بفعل أزمة قاسية كهذه منخفضاً من مستوياته القصوى في 2007 ثم يصعد دفعة واحدة إلى أكثر مما كان عليه قبل الأزمة في بضعة أشهر!

ولعل النمو الكبير الذي شهدته اقتصاديات الأسواق الناشئة ودول الآسيان وبخاصة الصين والهند قد ساهم بشكل فعال في زيادة الإسراع بالتعافي، ففضلاً عن التعجيل بخروج اقتصاديات تلك الدول من الأزمة مبكراً، فقد ساعد في الوقت نفسه الدول الصناعية الكبرى على الخروج من حالة الركود الاقتصادي التي كانت تعانيها لما تتمتع به أسواق هذه الاقتصاديات الصاعدة من ازدياد مطرد في الطلب على المنتجات بشتى صورها ـ الأمر الذي ساهم في استيعاب الزيادة في الإنتاج لدى الدول الكبرى التي توسعت في تلك الأسواق فشهدنا للمرة الأولى شركات عالمية مثل مرسيدس وجي إم سي تعلنان في أكثر من مناسبة هذا العام 2010 أن السوق الصيني قد أصبح هو سوق السيارات الأول في العالم للمرة الأولى بعد أن تمكن من إزاحة السوق الأميركي عن هذا المركز.

** خياران لا ثالث لهما

ويحدد معظم المحللين حول العالم خيارين لا ثالث لهما أمام الدول التي تعاني من الديون السيادية وهما التسييل أو الحصول على قروض طويلة ورخيصة التكلفة وربما دمج الإثنين معاً في حالة البلدان الأكثر معاناة من الديون السيادية إسبانبا على سبيل المثال. هذه الحلول بالطبع يجب أن تصحبها حزمة كبيرة من إجراءات التقشف الشديد في الإنفاق الحكومي.

ويرى المراقبون أن أحد هذين الحلين أو مزيجا منهما سوف يمكن تلك الدول من مجابهة ديونها السيادية الكبيرة من ناحية ومن ناحية أخرى يجنب الآخرين ويلات الدخول في أزمات اقتصادية جديدة في المدى المنظور على الأقل.

وبالنظر قليلاً إلى الحلول السابقة نكتشف أنها إجراءات حيوية ضرورية تأخر الاتحاد الأوروبي كثيراً في مناقشتها بشكل عملي إلى أن طفت على السطح عبر تلك الديون السيادية بفعل الأزمة أو ربما وجدت في الأزمة فرصة يصعب تكرارها لعلاج الخلل والتباين في اقتصادات الدول الأوروبية بهدف إعادة التوازن أو ربما من الأفضل أن نقول إيجاد أو بناء التوازن فيما بينها لأنه لم يكن موجوداً في الأصل.

ويؤكدون وجهة نظرهم هذه بأن التحسن الذي شهدته دول العالم في الفترة الماضية خلال عام 2010 حدث كنتيجة طبيعية لضخ تريليونات الدولارات في الاقتصادات في شكل خطط إنقاذ وتوسع في الإنفاق الحكومي، إلا أن ذلك أتى على حساب مديونيات الدول التي ارتفعت أيضاً إلى مستويات قياسية، وبناءً عليه فمن المحتمل أن تتخذ الأزمة الاقتصادية المقبلة شكل تعثر سيادي بسبب الديون السيادية كما رأينا في اليونان وأيرلندا، ثم البرتغال وإسبانيا وإيطاليا وهي جميعها كما نرى في منطقة اليورو، ومن خارج منطقة اليورو ربما نرى بعض المرشحين مثل الأرجنتين وفنزويلا.

ارتفاع تدريجي لمعدلات التضخم

ومن التبريرات التي يسوقها المتشائمون لما يسمونه بطء التعافي الاقتصادي القول بأن معدلات البطالة حول العالم وفي الدول المتقدمة تحديداً لم تتحسن بالشكل المطلوب، وهو ما يضعف الإنفاق الاستهلاكي الذي يعد المحرك الرئيس لاقتصاديات الدول المتقدمة، كما أن معدلات التضخم بدأت في الارتفاع التدريجي مما يدل على أن الضغوط التضخمية بدأت تشكل خطراً حقيقياً على هذه الاقتصاديات في ما لو واصلت الارتفاع وهو ما قد يجبر البنوك المركزية العالمية على رفع أسعار الفائدة لمواجهة شبح التضخم كما في أستراليا والهند ويعتقد أن يحدث قريباً أيضاً في بعض الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وبعض دول الاتحاد الأوروبي.

في الحقيقة أن معدلات البطالة قد تحسنت كثيراً عما كان عليه الوضع في أثناء الأزمة، صحيح أن التحسن كما يقولون ليس بالقدر الكافي، لكن أيضاً ليس من المعقول أن نحمل عملية التعافي مسؤولية إيجاد الحلول الشاملة لمشكلات البطالة المزمنة التي تعاني منها كثير من دول العالم. فهناك دول كثيرة عجزت قبل الأزمة عن مواجهة تلك المشكلة المتفاقمة ومن غير المنطق أن نتوقع منها أكثر مما كانت عليه قبل الأزمة.

يتوقع المحللون المتفائلون أن تعافي الاقتصاد العالمي قد بدأ بالفعل في 2010 وهو مستمر في الأداء الجيد محققاً كل يوم مكاسب جديدة ربما تباين حجم وسرعة تحقيق تلك المكاسب من منطقة إلى أخرى حول العالم لأسباب خاصة بكل منطقة، وليس بسبب الأزمة ذاتها التي يعتقد أنها قد انتهت أو شارفت على الانتهاء بشكل شبه نهائي.

سيحمل عام 2011 معه تذاكر الدخول إلى الاحتفال بانتهاء الأزمة وبدء حقبة اقتصادية جديدة، بعض الدول ستحصل على تذاكر درجة أولى ممتازة، وبعضها الآخر سيحصل على تذاكر عادية، وربما البعض لن يتمكن من الحصول على أية تذاكر ولكنهم بكل تأكيد سوف يستمتعون بمشاهدة المباراة وقوفاً بجوار الباقين أملاً في الحصول على تذاكر في العام التالي. بغض النظر عن اختلاف الدرجات والدول والمناطق إلا أن الجميع سيحصل على قدر من السعادة في العام القادم 2011 إذا ما أمكن تجنب المطبات الأوروبية وديونها السيادية.