زادت حظوظ نوري المالكي وطرأ تحول مهم بشأن اقترابه من رئاسة الوزراء حين أعلن مقتدى الصدر دعمه غير المتوقع لهمن مدينة قم، عاصمة الدراسات الدينية الشيعية في إيران، ومن شبه المؤكد أن الصدر غيّر رأيه بشأن ما إذا كان المالكي ملائماً لمنصب رئاسة الوزراء بأمر من إيران.
أكدت زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى إيران في 18 أكتوبر حدوث تحول بارز في السياسة الداخلية للعراق تجاه إيران، فصمود المالكي لترؤس الحكومة العراقية لولاية ثانية يُعزى إلى حد كبير إلى الضغوط الإيرانية. بدت أجواء زيارته إلى إيران التي دامت ليومين الأسبوع الماضي احتفالية وكأنه ذاهب ليُتوج رئيساً للوزراء وليس للحصول على الدعم. بالرغم من الترويج الواسع للتأثير الإيراني في سياسة بغداد، كشفت زيارة المالكي عن أن قدرة طهران على رسم السياسة العراقية أكبر مما كان يُعتقد في السابق. ذلك يعني بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن أي حرب مكلفة تمتد لسبع سنوات قد تؤدي إلى تحكم طهران، وليس بغداد، بالشؤون العراقية. دور إيران في صعود نجم المالكي من جديديُعتبر التدخل الإيراني في السياسة المحلية العراقية القوة الدافعة وراء صعود نجم نوري المالكي من جديد عقب انتخابات مارس 2010 في العراق، ففي السابق، أثار المالكي في أثناء رئاسته الأولى للوزراء حفيظة مجموعة من المعارضين المحليين، لاسيما ضمن الفصائل العربية السنية في العراق. وللمفارقة، كان على خلاف أيضاً مع القيادي الديني الشيعي البارز، مقتدى الصدر، بسبب نزاعات حول سلطة ميليشيات الصدر. لقي ترشح المالكي، ولايزال، معارضة من قوى إقليمية متعددة تخشى ميوله الطائفية. بنتيجة الأمر، كانت فرص المالكي بتولي رئاسة الوزراء منذ أشهر فقط غير مؤكدة، إلى أن تدخلت إيران.طرأ التحول حين أعلن مقتدى الصدر دعمه غير المتوقع للمالكي من مدينة قم، عاصمة الدراسات الدينية الشيعية في إيران، ومن شبه المؤكد أن الصدر غيّر رأيه بشأن ما إذا كان المالكي ملائماً لمنصب رئاسة الوزراء بأمر من إيران.في هذا الإطار، يشير مارتن شولوف من صحيفة «ذا غارديان» إلى مصادر مجهولة في الحكومة العراقية كدليل على التدخل الإيراني. كتب أن الصدر تواصل مع الكثير من أهم الشخصيات الشيعية في الشرق الأوسط، بمن فيها المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي، وشخصيات بارزة في الحرس الثوري الإيراني، وأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، طالباً المشورة بشأن تحالف الأحزاب العراقية الذي يجب أن ينضم إليه. وبعد وساطات بين معسكري الصدر والمالكي، نسقها هؤلاء الأفراد، امتثل الصدر على ما يفترض للضغوط الإيرانية.بينما مصادر شولوف غير المعروفة، تؤكد أدلة أخرى على عمق التدخل الإيراني، فقرار المالكي بالاجتماع مع كل مسؤول إيراني رفيع المستوى ممكن في 18 أكتوبر يوضح الكثير. فبينما يزور المالكي دولاً كثيرة لحصد الدعم لتحالفه، لم تبدُ زيارته إلى إيران كرئيس وزراء محتمل يحاول الحصول على الدعم، لكن هذه الزيارة بدت كبادرة رد جميل من المالكي واحتفالاً إيرانياً بنصره الوشيك. فضلاً عن ذلك، شدد المالكي على أن علاقة العراق بإيران هي أهم علاقة وتنوب عن العلاقات مع جميع الدول الأخرى. في المقابل، أعلن أحد نواب وزير الخارجية الإيرانية دعم حكومة بلاده الرسمي للمالكي. وحتى الساعة، إيران هي الدولة الوحيدة التي تصادق علناً على المالكي في الشرق الأوسط. علاوةً على ذلك، التقى المالكي، المُقحَم بين لقاءاته مع كل مسؤول بارز في الحكومة الإيرانية، مقتدى الصدر خلال وجوده في إيران، مشوشاً قدماً الخطوط الفاصلة بين السياستين الإيرانية والعراقية في المعركة السياسية على بغداد. حلفاء غريبو الأطواربالرغم من أن النفوذ الإيراني أطلق فرص المالكي بالفوز من ميدان الاحتمال إلى الترجيح، فقد لا تحبذ دولتان على الأقل تتقبلان عادةً آراء إيران هذا الاختيار: من المعروف أن سورية وتركيا فضّلتا تحالف علاوي على المالكي، بسبب سياسات علاوي العلمانية والصديقة للسنّة خلال توليه رئاسة الوزراء. بالرغم من أن سورية وإيران تتفقان عادةً في المسائل الاستراتيجية العالية المخاطر في المنطقة، وقد لا يكون الرئيس السوري بشار الأسد مستعداً للسماح لإيران بفرض نفوذ أكبر على العراق، لأن ذلك من شأنه تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط لمصلحة إيران. وإن كان رئيس الحكومة العراقية يدين لإيران سياسياً إيصاله إلى مراكز السلطة، فستتحقق مخاوف الدول المجاورة: هلال شيعي يعمل لمصلحة إيران. مع ذلك، المخاوف من قيام هلال شيعي مبالغ فيها حتماً. بحسب روبرت دريفوس، تواجه إيران معارضة من بعض حلفائها التقليديين في العراق، لاسيما المجلس الأعلى في العراق. سافر زعيم هذا الحزب، عمّار الحكيم، في الآونة الأخيرة إلى القاهرة وأعلن دعمه لكتلة علاوي، لكن إيران لا تعوّل في سعيها إلى إيصال المالكي إلى سدّة رئاسة الوزراء على العرب الشيعة، إنما على الأكراد السنّة بقيادة الزعيم الكردي الموالي لإيران جلال طالباني. قد تستعين إيران في مساعيها بالدعم الشيعي، لكن السياسة الإيرانية في النهاية تحكمها الواقعية السياسية أكثر من الانجذاب العقائدي أو الطائفي. من جهته، يشير توني كارون في مجلة «التايم» إلى تحالفات غير مرجحة تعتمد عليها إيران كدليل على أن الجمهورية الإسلامية لا تمارس نفوذها بالكامل في العراق. لكن قدرة إيران على صقل هذه الشراكات غير الاعتيادية هي السبب بالضبط الذي يدعو منافسي إيران في المنطقة إلى أخذ الحذر. فإن عوّلت إيران على الانقسامات الطائفية فحسب لتحقيق أهدافها، فسوف يكون احتواء نفوذها أسهل بكثير. من جهة أخرى، إن تمكنت إيران من دمج الفصائل المختلفة وحتى المتناقضة في خطط أوسع، فستشكّل عندئذ عدواً أكثر مرونةً ومراوغةً.لذلك إن كانت الحكومات العربية السنّية في المنطقة ترغب، بالتنسيق مع الجهود الدبلوماسية الأميركية، في التصدي للنفوذ الإيراني، فإن عليها أن تتصرّف بطريقة أكثر ديناميكيةً ودهاءً من الجمهورية الإسلامية، وتشكل تحالفات واسعة عبر الأطياف الطائفية والثقافية المختلفة.
مقالات - Oped
إيران والمالكي... هل يقيمان هلالاً شيعياً جديداً؟
24-10-2010