شهر كامل احتاج إليه المسؤولون عن ملف الآثار الإسلامية في مصر لاكتشاف اختفاء منبر مسجد قانيباي الرّماح، فالمنبر الذي يعد إحدى تحف القاهرة الإسلامية اختفى بلا أثر ولم يعلن عن اختفائه إلا بعدما تقدم المسؤول عن المسجد ببلاغ للإعلان عن سرقة المنبر منذ شهر.تشهد مصر مسلسلاً دامياً لنزيف الآثار الذي لا ينقطع والذي شهد عام 2010 كثيراً من فصوله سواء مع سرقة منبر جامع المارداني قبل بضعة أشهر أو بعض حشوات باب مسجد الفكهاني، إضافة إلى سرقة قطع أثرية من مساجد منطقة الدرب الأحمر في القاهرة، وغيرها سرقات كثيرة تشترك جميعها بأن فاعلها مجهول.
المنبر المسروق أخيراً تحفة معمارية قائمة بذاتها، وخير دليل على ما وصل إليه الفن المملوكي من رقي، فهو صغير الحجم ليتماشى مع حجم المسجد، ويتكون من حشوات خشبية نادرة من الخشب الهندي سخّرها الفنان المصري لإبداع إحدى أجمل لوحات الأرابيسك مجمعة على شكل الأطباق النجمية.على هامش السرقة، تصاعدت حدة المعركة بين وزارتي الثقافة والآثار المصريتين، فالمسؤولون فيهما تفرغوا لا للبحث عن الأثر الضائع، لكن لنفي مسؤولية الحفاظ على المنبر، بل واتهام مسؤولي الوزارة المعادية بتحمّل المسؤولية، فقد أصدرت وزارة الأوقاف بياناً رسمياً نفت فيه مسؤوليتها عن سرقة منبر مسجد قانيباي الرماح، لأن «هيئة الآثار» هي التي تفتح أبواب المسجد وتغلقها للترميم، والمفاتيح بحوزة مشرف الآثار المسؤول عن المسجد، حتى أن المسجد لم تقم فيه الشعائر الدينية منذ أُغلق بمعرفة «الآثار»، ومنبره كان في مخازن السلطان حسن التابع للآثار وهي التي تفتح هذا المخزن وتغلقه.فجّرت وزارة الأوقاف مفاجأة عندما أكدت أن المسجد مغلق بمعرفة «الآثار» منذ عام 1993، إذ وضعت شدادات خشبية في صحنه وجميع ملحقاته للترميم، وأخذت مفاتيحه خوفاً على عهدة الآثار من الضياع، وهذا ما لم تقف إزاءه وزارة الآثار صامتة، فردت الهجوم بهجوم آخر نفت فيه مسؤوليتها على لسان القيمين فيها، وأعلنت عدم خضوع المساجد الأثرية لإشراف الوزارة وأن دور «الثقافة» يقتصر على الترميم والإشراف الفني.من جانبه، نفى د. فرج فضة، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية في «هيئة الآثار»، أن تكون المساجد عموماً ومسجد قانيباي خصوصاً من مسؤولية «هيئة الآثار» التابعة لوزارة الثقافة، وقال لـ «الجريدة»: «القانون حسم هذه المساءلة، فالمادة «6 مكرر» من قانون هيئة الآثار نصت على أن الآثار المصرية ملكية عامة تخضع لإشراف الهيئة إلا ما كان منها وقفاً، ما يعني أن الأوقاف هي التي تشرف على جميع مساجد مصر كبيرها وصغيرها، ويقتصر دور الهيئة على الترميم والإشراف الفني، فسرقة منبر مسجد قانيباي مسؤولية وزارة الأوقاف».أضاف فضة: «لا يعني هذا أن نقف ونشاهد ضياع أثر مهم كمنبر قانيباي، لكن علينا العمل جميعاً سواء من «الأوقاف» أو «الآثار» مع الجهات المسؤولة للعمل على كشف ملابسات الحادث والعثور على المنبر المسروق».في هذا الإطار، أكد أستاذ الآثار الإسلامية في جامعة القاهرة د. رأفت النبراوي أن منبر قانيباي الأثري أحد أهم المنابر الإسلامية لما يتميز به من دقة في الصنع وإمكانات جمالية لافتة، وسرقته كارثة بالمقاييس لا لقيمتيه الأثرية والفنية فحسب، بل أيضاً لأنه يكشف الوجه القبيح للإهمال في مصر الذي أدى الى فقدان كثير من القطع الأثرية على مدار سنوات قليلة.وطالب النبراوي بأن تكون مهمة الإشراف على الأثار الإسلامية إحدى مهمات وزارة الثقافة ممثلة بـ{هيئة الآثار»، لأنها الأقدر على إدارة ملف الآثار بما تملكه من كوادر فنية. الأمير أما الأمير قاني باي قرا (منشئ المسجد وصاحب المنبر المسروق) فقد كان مملوكاً من مماليك السلطان الأشرف قايتباي الذي أعتقه، نظراً إلى شجاعته ومهارته في استخدام الرماح ومختلف أنواع الفروسية حتى عرف باسم الرّماح، وظل يترقى في سلك الجندية حتى وصل إلى مرتبة أميرآخور عام 903هـ في عصر السلطان الناصر محمد بن قايتباي، وظل أحد كبار أمراء الدولة حتى وفاته عام 921هـ/1515م، ليدفن تحت قبة المسجد رائعة الجمال.مكانة قانيباي في الدولة تُرجمت إلى واقع عندما اختار مكان بناء مسجده، ذلك على المساحة المرتفعة المطلة على جامع السلطان حسن الشهير بجوار القلعة، وهي منطقة تدخل في عرف ذلك العصر في حرم السلطان ولا يسمح أبداً بالبناء فيها، وهذا ما يقف دليلاً على مدى نفوذ الأمير الكبير قانيباي الذي سمح له السلطان باختيار موقع مميز لبناء مسجده عليه. بدأ قانيباي في تأسيس مسجده الذي افتتح عام 908هـ وأصبح أحد أجمل جوامع القاهرة، وكتب على بوابته «أمر بإنشاء هذه المدرسة المباركة من فضل الله المقر الأشرف العالي المولوي السيفي قاني باي أميرآخور كبير أعزه الله تعالى»، واحتفل بافتتاحه وسط حضور كبار رجال الدولة. تعرّض المسجد لعوامل الزمن التي لا ترحم، فدب الخراب في جنباته وسقطت مئذنته في عام 1870 نتيجة الإهمال، في وقت غزت الدكاكين المنطقة المحيطة بالمسجد، فشوّهت جماله وضيعت ملامحه، إلا أن تدخّل لجنة حفظ الآثار العربية - التي لها الفضل في الحفاظ على معالم القاهرة التاريخية - حال دون ضياع المسجد كله إلى الأبد، فقد بدأت اللجنة في الحفاظ على المسجد بعملية ترميم كاملة أعادت له رونقه الغائب عام 1333هـ/1914. وفي عهد الملك فاروق أعيد بناء مئذنة المسجد الرشيقة عام 1358هـ/1939، بالتصميم القديم نفسه استناداً إلى صورة شمسية كان يملكها فرنس باشا للمئذنة قبل هدمها، وصورة أخرى قدّمها الأستاذ كريسويل.في زماننا، أُغلق المسجد بعد زلزال 1992 الشهير الذي أصاب آثاراً إسلامية كثيرة بالشيخوخة من ضمنها مسجد قانيباي، انتظاراً للترميم الذي كان من المفترض أن يتم في الأشهر القليلة المقبلة، وعندما زارت «الجريدة» المسجد المغلق وجدت حالة من الإهمال تضرب بأطنابها في المكان، فالشبابيك الخشبية المصنوعة بأيدي محترفي فن الأرابيسك مهشمة ومشربية المسجد آثار حريق سابق واضحة عليها، ناهيك بتشققات عرفت طريقها إلى جسد المسجد مهددة بأخطار قادمة إذا لم يتحرك المسؤولون عن المسجد بالتدخّل لإنقاذه للمرة الأخيرة.
توابل - ثقافات
اختفاء منبر مسجد قانيباي الرّماح... سرقة الآثار الإسلاميّة في مصر متواصلة
04-01-2011