بعد صدور كتابه «أنت عبقري» الذي حاز قبولاً واسعاً، اختار الكاتب والناقد الأدبي د. محمد فتحي الأديب الراحل يوسف إدريس ليكون محور كتابه «يوسف إدريس أبأس العباقرة»، منطلقاً من أطروحته للدكتوراه التي تناولت «تكوين المبدع وإبداع الأصالة وأصول النبوغ».

ولفتحي أكثر من 20 كتاباً تكشف عن نواميس الإبداع في مجالات مختلفة. عن كتبه وعن العبقرية والنبوغ ويوسف إدريس وأصالة الإبداع كان الحوار التالي.

Ad

أصدرت أخيراً كتابك «يوسف إدريس أبأس العباقرة»، منطلقاً من أطروحتك «تكوين المبدع وإبداع الأصالة وأصول النبوغ»، ما هي دوافعك الى الاهتمام بالإبداع والنبوغ؟

هجرت الهندسة والحديد والصلب (مجال تخصّصي) إلى مجال الكتابة، وشاغلي الأول هو المساهمة والحث على الممارسة الإبداعية في مختلف المجالات، باستخدام الفنون في الدفع الإبداعي وترويج نواميس الإبداع والنبوغ، وتيسير المجالات العصرية الأكثر استيعاباً للإبداع: ثورات علوم الإنسان والمعرفة، والبيولوجيا الجزيئية، والخروج إلى الفضاء.

وكيف لمهندس أن يفعل ذلك؟

الهندسة من وجهة النظر الفلسفية هي فن الاقتراب من المشاكل المعقدة ومحاولة حلها بأعلى كفاءة ممكنة، والفكر النسقي هو عماد الهندسة الناجزة. لهذا انخرطت في المهمة الجديدة عبر إطار نسقي متكامل، وفي إطار السعي إلى التكامل المعرفي اهتممت مبكراً بدراسة الفنون وعلوم النفس في موازاة دراستي الهندسية التي أعقبت تخصصي في علم الحياة (البيولوجيا). فشرعت في تحصيل ما يؤهلني للمهمة الجديدة، لاعتقادي أن التكوين الأكاديمي يتيح الإلمام بالتصورات المتكاملة، التي ترشد السعي الذاتي، وكان ذلك من تأثير وصية الإمام الشافعي: «مثل الذي يطلب العلم جزافاً كمثل حاطب ليل... يقطع حزمة حطب فيحملها، ولعل فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري».

لماذا اخترت يوسف إدريس نموذجاً لدراستك؟

لم يكن اختيار إدريس لأنه أكثر المتفوّقين نبوغاً، فليس معقولاً أن يدلي أحد بدلوه في أفضليته على عبد الوهاب أو فيروز أو مختار أو محمود سعيد أو زويل أو حليم أو حتى على نجيب محفوظ... لكني اخترت إدريس لكونه أبأسهم نشأة، ما يجعل اختياري أكثر تماشياً مع هدف دراستي وسط الواقع العربي البائس، ولكونه يناسب تقديم تفسير عميق لظروف النبوغ الفردية والأسرية والتعليمية والمهنية التخصصية، ناهيك عمَّا يخص السياقات الثقافية والاجتماعية والتاريخية... وقولي إن إدريس أبأسهم يتجاوز أفقرهم، فمعظم النابغين ينتمون بجدارة إلى الفقراء. لكن إدريس تميّز عنهم بوقائع مثيرة صارخة تخلّلت حياته.

هل تطلعنا على بعض هذة الوقائع؟

أولاً، لم تمنح أم إدريس ابنها اهتماماً منذ تولّت جارة مسيحية إرضاعه. وقد وصل يوسف إلى وصفها صراحة بـ «المتوحشة»؟! لجمودها وقسوتها. ولما كانت وظيفة أبيه تتطلب الترحال، فقد عهد بيوسف وعمره خمس سنوات إلى بيت أجداده. وكان الطفل الوحيد وسط البالغين، وجعلتهم خشونة الحياة ينتظرون منه التصرف كشخص ناضج، وكان العقاب ينتظره دوماً إذا تصرف بغير ذلك.

في هذا الإطار، عاش إدريس في المدرسة الابتدائية حياة تعيسة شعر خلالها بيتم شامل، فهو بلا أهل ولا صداقات... وإضافة إلى الحرمان الذي وصل به إلى الحلم بتناول الطعمية (تصور الحلم بالطعمية!!) والى عقاب مستمر (لعدم نظافة ملبسه و...)، ظل إدريس يعامل لثلاث سنوات، من الناظر والمدرسين والتلامذة، على أنه لص يسرق الكتب! وقد جعل الناظر التلامذة يهتفون وراءه في طابور الصباح، وهم يشيرون إلى إدريس: اللص اللص!

هذه الوقائع كافة تقود إلى ما هو أكثر من سد أبواب النبوغ، وعلى رغم ذلك نبغ إدريس وقدم النوع المبتغى من إبداع الأصالة، الذي يجدد صلتنا الخلاقة بواقعنا وماضينا وعالمنا، للالتقاء بإبداعية شعوبه، لقاء حقيقياً لا لقاء تسول، فمسرحيته الخالدة «الفرافير» وقبلها قصته العربية القصيرة فتحتا الباب لعشرات الكتاب العرب، لمحاولة الخطو بشعوبهم إلى الأمام.

وكيف تأتى لإدريس الفقير البائس أن يكون هذا المبدع الرائد؟

دعنا نذكر في البداية جو النهوض العام والحراك الشعبي الذي شهدته مصر بعد الحرب العالمية الثانية، ما أدى إلى ثورة 1952، لأن هذا المناخ شكّل طلباً اجتماعياً على نتاج يرتقي بالمجتمع، وساعد في أن يحظى إدريس بمهاد إبداعي مناسب. وهذه نقطة مهمة لا بأس لتأكيدها من ذكر أن ظهور الرعيل الأول من الرواد الأفذاذ مثل سيد درويش ومحمود مختار والعقاد وسلامة موسى... واكب الحراك الشعبي الذي قاد إلى ثورة 1919.

ثم تأتي شخصية إدريس وخبراته، التي شكلت القدرات والأدوات الأدبية على نحو أكثر اكتمالاً. ذلك أن القاهريين وأولاد الذوات راحوا يكتبون عن «الناس اللي تحت» من دون أن يعرفوهم ويحبوهم على نحو كامل. لكن إدريس كان يعرف أبطال الأدب الجدد، فضلاً عن الإنسان عموماً، على نحو أكبر، ويملك قدرة فائقة على الإحساس بهم ومعايشة أزماتهم (مادة الأدب).

كذلك، أتاحت خبرات إدريس الطبية منهجاً واسعاً له للنظر والكتابة، لا سيما عبر احتكاكه بالفكر الجدلي والتطوري والبيولوجي والثقافة العلمية. وساعده منهج الدراسة الطبية الجاد واللغة الإنكليزية والنظرة والحس الجدليين... على أن يملك أدوات التطور والنظرة الموضوعية، فلم يسقط في رواياته أفكاره، أو أية أفكار مبسطة، على كيانات اجتماعية أو نفسية بالغة التشابك والتعقيد، بل تمعن في الكيانات وبرع في قراءة علاقاتها، لا كجزء من نسيج كلي فحسب، وإنما من نسيج حي أيضاً.

وإذا أضفنا في النهاية أن الكتابة لم تكن ضد المصلحة المادية لعاشق النجومية بل العكس، لأدركنا أن دائرة الإبداع اكتملت مع إدريس كما لم تكتمل مع غيره.

ما المقصود هنا بدائرة الإبداع وعشق النجومية؟

لقد حابى القدر إدريس بلقاء مجموعة كتاب كلية الطب يسري أحمد وصلاح حافظ ومصطفى محمود، وبالكتابة في مجلة «القصة» إلى جوار طه حسين وسلامه موسى و... ضمن ورشة حقيقية للمعرفة المبسطة النافذة إلى القصة نظرياً وممارسة. كذلك، حابى القدر إدريس حين وقع في الورشة على معلم حاذق هو يسري أحمد، ناهيك بميزة التلقائية في الورشة، بما أتاحته من «درس» على قدر الاحتياج، وعدم الغرق في مناهج عامة «أوول سايز»، قد لا تساعد المبدع- وقد تعطله- عن إبداع برنامجه، وفق قدراته واحتياجاته الذاتية.

ولعل الأهم في هذا السياق، ما أكدته ورشة أخرى هي «ندوات مقهى عبد الله» ليوسف من قيمة الخبرة المباشرة بالحياة، وإمكان أن يعبّر الكاتب بما معه من حصيلة لغوية، وخروجها بيوسف إلى مدرسة أوسع وأكثر ارتباطاً بالمجتمع... إلى النشر في «المصري» أوسع الصحف انتشاراً، ما فتح باب تحقيق الذات على مصراعيه أمام إدريس، الذي جعله الظلم والفقر وبؤس الطفولة عاشقاً للنجومية. وكانت القصة القصيرة قد استوت آنذاك، لأسباب موضوعية متعددة، على عرش الأجناس الأدبية، ما جعل معظم المتأدبين يحاول كتابتها، ليأتي إدريس ويتفوّق عليهم جميعاً، على رغم مخاصمة الجوائز له حينها، كونه يصنع ريادة في مجالات متعددة لا تروق لوجهات النظر التقليدية.

لماذا تخلّت القصة القصيرة عن عرشها لتصبح الرواية كما يقول البعض ديوان العرب؟

على رغم أني أكتب الرواية، أؤكد أنها ليست ديوان العرب. هذا كلام دراويش ثقافة، وإن كان ذلك لا يمنع من أنها تلقى بعض الرواج. لكن ديوان العرب اليوم هو نانسي عجرم وهيفاء وهبي و... وأهمية الرواية ترجع إلى أنها ولع يهتم به الغرب كمجال كاشف للمجتمع العربي، وسبيل إلى فهم الطريقة التي يفكر بها، لأن الإبداع الفني، والرواية في المقدمة منه، هو القادر على كشف الاتجاهات الفاعلة الأكثر معاصرة، لتعبيره عن المفاهيم والحالات التي لم تستقر بعد، أو لم يتم التعرف إليها وتحديدها بصورة نهائية، قد تندرج في إطار العلوم الاجتماعية مثلاً... والمفارقة أن العمل الروائي العربي البارز الذي يترجم في الغرب يحظى بتوزيع يضاهي عشرات أو ربما مئات أضعاف ما يوزّعه في العالم العربي. وربما لهذا السبب يغازل كثير من كتابنا تصورات الغرب عن العرب، ويركزون على تابوهات الجنس والدين والسياسة، بما لا يخدم النهضة العربية في المقام الأول.

في سطور

وُلد الناقد الأدبي د. محمد فتحي عام 1944 وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الفنون (دراسة في تكوين المبدع وإبداع الأصالة وأصول النبوغ...). أصدر كتابات كثيرة منها: «محور كتابته العمران الإنساني» و «العرب لايبدعون» و{الكل مشاريع عباقرة ولكن...»، و{يوسف إدريس أبأس العباقرة».