يأمل كثيرون في أن تشكّل أحداث تونس ومصر دليلاً على أن النظام القديم لم يعد نافعاً، وبالتالي لا بد من استبداله بسياسات واستراتيجيات اقتصادية تكون أكثر انفتاحاً وأوسع نطاقاً، لكن يكمن الخطر الحقيقي في أنّ الحكومات الأخرى ستستنتج أن الانفتاح الذي طبع العقد الماضي هو الذي أدى إلى هذه النتائج غير المرغوب فيها، وبدل تبني مقاربة القرن الحادي والعشرين، قد تفضّل العودة إلى مقاربة العقود الأخيرة من القرن العشرين.

لم يكن الرئيس المصري حسني مبارك يشبه الرئيس العراقي صدام حسين يوماً، فلابد من تأكيد الفرق بين الشخصيتين لتحليل الطريقة التي سوف يستجيب بها الحكام العرب الآخرون لما حدث من اضطرابات في «ميدان التحرير»، خلال الأسابيع الأخيرة.

Ad

في معظم المقالات الصحفية الأخيرة، وُصف حسني مبارك بالدكتاتور المصري الذي حكم البلاد مدة 30 عاماً، ويُقال إنه خُلع من السلطة على يد ملايين المحتجين في شوارع مصر. ومع ذلك، كان المصريون يتمتعون بحرية تعبير أكثر من غيرهم في العالم العربي، وقد كان الاقتصاد المصري يدعم القطاع الخاص الذي شهد قوة متزايدة. لقد انتهى عهد مبارك، لكن يكمن الخطر الفعلي في أن يستخلص غيره من الحكام العرب الدروس الخاطئة من حدث سقوطه، فبدل استنتاج أن مبارك كان متعلقاً أكثر من اللزوم بأفكار الماضي، سيميلون على الأرجح إلى اعتبار أنه لم يكن حذراً بما يكفي للتخلي عن تلك الأفكار.

في استطلاع رأي أجرته منظمة «فريدوم هاوس» في السنة الماضية عن حرية الصحافة في العالم- وقد ساهمتُ في تنظيمه طوال سنوات- صُنّفت مصر في خانة البلد «الحرّ جزئياً»، وقد تقدمت على جميع البلدان العربية باستثناء الكويت ولبنان. في العقد الأخير، بدأت الصحافة المصرية الجامدة التي تملكها الدولة تفسح المجال أمام وسائل إعلامية أخرى مثل قنوات التلفزة الفضائية والإنترنت ومجموعة من المطبوعات المستقلة.

ومع ذلك، بقي النظام شائباً للغاية، فقد تعرض أحد أصحاب المدونات للضرب حتى الموت على يد الشرطة في شهر يونيو، وبقيت تدابير الرقابة قائمة، حتى لو بمستويات أقل، وتعرض الصحافيون للمضايقات والاعتقال أحياناً، لكن حتى الدولة فهمت أن سيطرتها على مصادر المعلومات لن تؤدي إلى أي نتيجة، فزاد عدد الصحافيين الذين ظهروا في صحف مستقلة مثل «الشروق» بعد أن كانوا يكتبون في العادة في صحيفة «الأهرام» التي تملكها الدولة، ثم قام الصحافي الراحل محمد السيد سعيد بتأسيس صحيفة للمعارضة، في عام 2007، حملت اسم «البديل»، وسرعان ما تراجعت النزعة إلى وصف الرئيس بصورة الرجل المثالي في الصحافة المصرية، وتنامت الشكاوى من الظلم الذي مارسه النظام المخلوع.

وكان التحوّل جذرياً أكثر من ذلك بكثير على الإنترنت، وعلى الرغم من وجود عدد من المشاهد المخزية، مثل المرة التي استعملت فيها الشرطة أداة البحث على الإنترنت لضبط حفلة يقيمها المثليون، شهد عالم الإنترنت في مصر تطوراً ملحوظاً، فلم تكن لوائح المواقع الإلكترونية المحظورة طويلة، وعمد أصحاب المدونات والمعلقون إلى انتقاد مؤسسات الدولة. قدم الأشخاص البارعون تكنولوجياً فرصة أن ينشر الأفراد فيديوهات ومقالات مهمة من دون الإفصاح عن هويتهم، وقد وصلت تلك المواد إلى جماهير واسعة.

وفقاً لإحصاءات الحكومة المصرية، وصل عدد المدونات المصرية إلى 160 ألفاً في أبريل 2008، وكانت 30 ألف مدونة منها سياسية، وفي يناير 2010، بلغ عدد المستخدمين المصريين على «الفيسبوك» 2.4 مليون شخص، مع أن الناشطين على الإنترنت كانوا يستعملون تلك الوسيلة لتنظيم الاحتجاجات المعادية للحكومة.

فضلاً عن ذلك، استمرت قنوات التلفزة الإقليمية بعرض تقارير شاملة عن العمليات التي شهدتها مصر، وكان لتلك التقارير أثر محلي قوي. تشير استطلاعات الرأي إلى أن ما يفوق السبعين في المئة من المصريين يستطيعون الحصول على خدمات القنوات الفضائية في منازلهم، ما يعني أن المصريين لا يجدون صعوبة في تخطي ما كانت تعرضه حكومتهم حول ما يحصل فعلاً في بلدهم.

على المستوى الاقتصادي، كان مبارك قد بدأ بالتخلص من سياسات الخمسينيات والستينيات، وارتفعت قيمة الجنيه المصري، وازدهرت المصارف، وشهد القطاع الخاص نمواً ملحوظاً، كذلك، أصبح الدعم الحكومي للسلع، الذي كان يستأثر بأكثر من ثلث الموازنة الحكومية، أكثر تنظيماً، وبدأ الإعداد لخطط متعلقة بالضمان الصحي الوطني، فلم تكن مصر نظاماً ديمقراطياً في عهد مبارك، ولا كانت جزءاً من الاستراتيجيات الفاشلة التي طبعت أوروبا الشرقية خلال السبعينيات.

من الواضح أن الحكومات الغربية تتوق إلى أن يشهد الشرق الأوسط لحظة مماثلة لما حدث في أوروبا الشرقية انطلاقاً من الأحداث الأخيرة في تونس ومصر، مع التشديد على الحاجة إلى انفتاح قطاع المعلومات، وجذب الاستثمارات، وتغيير مفهوم العالم عن وضع الديمقراطية في البلدان العربية، لكن يكمن الخطر في واقع أن الحكومات العربية ستراقب الأحداث الحاصلة وتستنتج العِبَر الخاطئة، وبالتالي ستضغط على حرية الصحافة وتتبع سياسات اقتصادية تدعم الشعب بهدف تخديره ومنعه من التحرك.

في الفترة الأخيرة التي سبقت سقوط الرئيس مبارك، عادت الغرائز القديمة للسيطرة على مصادر المعلومات في مصر، فقد أقدمت الحكومة المصرية على قطع خدمات الإنترنت والهواتف الخليوية، مدة أسبوع تقريباً، وقد هاجم عناصرها الصحافيون في الأيام الأخيرة، ولم يتضح بعد أي شكل ستتخذ الرقابة في الدول العربية الأخرى، غير أن شح المعلومات التي نقلتها الصحف والقنوات المحلية عن أحداث مصر في فترة الاحتجاجات يشير إلى أن الحكومة المصرية لم تكن الجهة الوحيدة التي توصلت إلى هذه الاستنتاجات.

يبدو أن اللعبة الاقتصادية القديمة بدأت تعود إلى الواجهة أيضاً، فلم يكتفِ الرئيس مبارك، قبل رحيله، بطرد الإصلاحيين الاقتصاديين في حكومته، بل أعلنت الحكومة زيادة رواتب الموظفين الحكوميين بنسبة 15%، وأعلنت الكويت منحة قيمتها 3500 دولار لكل مواطن كويتي بمناسبة اليوم الوطني في وقتٍ لاحق من هذا الشهر، بينما رفعت سورية قيمة دعمها على مشتقات النفط، وفي الأردن، أقال الملك حكومة لا تحظى بتأييد شعبي وخصص 125 مليون دولار على شكل إعانات جديدة، فبعد سنوات من تراكم الاستياء الشعبي، بدأ الحكام يستسلمون لمطالب الشعب، فهم لم يعودوا يتكلون على المقاربات التي توفر الاستثمارات وبعض فرص العمل، وها هم يتبنون سياسة دعم المواد في ظل نظام اقتصادي تسيطر عليه إدارة الحكم بعد أن ابتعدوا عن هذه السياسة في العقد الماضي.

يقف الشرق الأوسط على مفترق طرق خطير، ويأمل الكثيرون في أن تشكّل أحداث تونس ومصر دليلاً على أن النظام القديم لم يعد نافعاً، وبالتالي لا بد من استبداله بسياسات واستراتيجيات اقتصادية تكون أكثر انفتاحاً وأوسع نطاقاً، لكن يكمن الخطر الحقيقي في أنّ الحكومات الأخرى ستستنتج أنّ الانفتاح الذي طبع العقد الماضي هو الذي أدى إلى هذه النتائج غير المرغوب فيها، وبدل تبني مقاربة القرن الحادي والعشرين، قد تفضّل العودة إلى مقاربة العقود الأخيرة من القرن العشرين. ليست المؤشرات الأولى إيجابية، وإذا كان حلّ المشاكل الراهنة يرتكز على سياسات اقتصادية تقودها الدولة وزيادة تدابير الرقابة، فإنّ مشاكل اليوم ستلازمنا لفترة طويلة.

* مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.