منذ اختراع الـ«كوت بوستة» ظلت «حَكْمة الثمانية» مهجورة لا تجد أحداً «يطلعها»، فمن لديه ورق «ثمانية» إما أن يجازف بالـ«باون» وإما أن يلعب على المضمون بـ«السبعة»، إلى أن جاء أحد الماكرين وابتكر حركة خبيثة، فأصبح من المتعارف عليه الآن أن صاحب «الثمانية» لديه «الجيكر والميكر»، وهي بمنزلة ضوء أخضر كي «يطلع» أحد زميليه «باون» مستعيناً بخدماته، وهكذا تحولت «الثمانية» من «حَكْمة» لها كيانها إلى إشارة رخيصة ومفضوحة يفترض أن يعاقب عليها القانون، وعندما تحتج يأتيك الرد جاهزاً: «ما أشّرت! ماكو قانون يقول لا تطلع ثمانية!»، بينما يعي بأنه «مزوغلجي بوطير».

Ad

عندما أرى من عُرِف عنه كسر القانون أو على الأقل عدم حماسته لتطبيقه هو أول من يرفع شعار «طبقنا القانون» أعلم أن المسألة «فيها إنّ»، ومرجح أنه– مثل صاحب الثمانية- وجد في القانون ما يتيح له التحايل عليه. حكومتنا لديها تعابير وجه فاضحة جداً، من ابتسامتها ونبرة صوتها وحماستها تستطيع أن ترى ما إذا كانت تطبق القانون بإخلاص أم «تزوغل»، ففي كل مرة تسابق الحكومة غيرها برفع راية الدستور والقانون تحوم فوق رأسي مئة علامة استفهام وتعجب ولا تهدأ حتى أرى ما خلف الستار، فأكتشف أنها بالفعل أخذت بنص القانون ولكن أزهقت روحه، والأمثلة كثيرة.

تحويل الاستجوابات إلى جلسات سرية مثلاً مباح حسب الدستور واللائحة الداخلية لمجلس الأمة اللذين لم يُفَصّلا بالمبررات والضوابط حتى لا يقيدا تلك الأداة، بل تركاها لتقدير أعضاء المجلس في حال طرح ما يهدد الأمن القومي أو يكشف أسرار الدولة، ولكن الحكومة ونوابها يسيؤون استغلالها في مناورات سياسية إما لإجهاض الاستجواب وإما لستر ضعف حجة الوزير المستجوَب وخطابه.

المثال الآخر هو استبدال عقوبة الحبس لصباح المحمد وبادي الدوسري، فقانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية أباح استبدال عقوبة الحبس ولكن ترك مبرراتها وضوابطها لتقدير وزارة الداخلية، حيث من المفترض بها استبدال عقوبة من لا يشكل ضرراً على المجتمع أو من لديه ظروف مرض أو عزاء مثلاً، ولكنها استبدلت عقوبة من أدين بسب النائب العام والاعتداء على ضابط كبير في الداخلية متجاهلة الضرر على المجتمع بتشجيع إهانة موظفي الدولة.

تأتي القوانين كخطوط عامة بينها مساحات شاسعة للتقدير ليتحرك ضمنها مفسروها ومنفذوها، لذلك فنصوصها تحمل افتراضاً بأن من سيفسرها وينفذها سيتحلى بالمسؤولية ويأخذ بالاعتبار الظروف والمواءمة والتبعات المستقبلية عند استخدام السلطات التقديرية الممنوحة له، وهذا ما يشكل روح القانون التي تضاهي بأهميتها نصه.

في المثالين أعلاه لم تخالف الحكومة القانون، ولكنها طبقته استغلالاً وانتهازاً وليس بالضرورة احتراماً له، وهي بذلك تخرب العمل السياسي وتفسده على المدى البعيد دون مسؤولية، تماماً كما يخرب صاحب الثمانية «داس الكوت» كله ليربح لعبة واحدة فقط.

عموماً، أنا من أولئك الذين يرون «الثمانية» بأنها علامة ضعف و«مو حَكْمة رياييل».

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء

يمكنك متابعة الكاتب عبر الـ RSS عن طريق الرابط على الجانب الايمن أعلى المقالات السابقة