صدر عن «دار الجمل» كتاب «الليالي العربية المزورة» (حرره وقدم له محمد مصطفى الجاروش)، ويتناول نصّين هما «علاء الدين» و{علي بابا» ونسبهما إلى كتاب «ألف ليلة وليلة»، ويبيّن المحقق أنه على رغم الاعتراف العالمي بأن الحكايتين عربيتان، فإنه لا تتوافر لهما نصوص متداولة عربياً، لا في شكل مستقل ولا ضمن طبعات «ألف ليلة وليلة»، باستثناء التلخيصات الموجّهة الى الأطفال.عبر الدراسات والتعليقات التي يوردها كتقديم لـ{الليالي العربية المزورة»، يبيِّن الجاروش أن أصول الليالي أشبه بالمتاهة، فقد رد الباحثون الكتاب إلى مصادر هندية وفارسية وعربية، وتعددت الآراء حول هوية مؤلفه فنسبوه إلى مؤلف عربي أو مؤلف شعبي مجهول، أو أن الكتاب جماعي التأليف. كذلك، تعددت الآراء حول سنوات تأليف الكتاب فنسبه البعض إلى: أزمنة غير محدودة، العصر العباسي، العصر الفاطمي، القرن 6هـ، القرن 9هـ، القرن 10هـ. أما تاريخ جمع الكتاب فأثار أيضاً الجدل بين الباحثين. مثلاً، يرى ماكدونالد أن جمعه تم في القرن الثامن عشر ميلادي، بينما يرى منير بعلبكي أن جمعه تم بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر. وقسّم أحد المستشرقين المخطوطات المنتشرة في العالم العربي والغربي إلى قسمين: مجموعات تضم حكايات «ألف ليلة وليلة» المنتظمة في داخل قصة الإطار المعروفة، ومجموعة مستقلّة عن «ألف ليلة وليلة» ولكنها تشمل حكايات موجودة في طبعات «ألف ليلة وليلة» مثل حكايتَي «مدينة النحاس» و{الصياد والجني»، وقد أُطلق على هذه المجموعات اصطلاح «نظائر ألف ليلة وليلة».
ميخائيل الصباغأما الجاروش فيبيّن أن قصة «علاء الدين» وهي من «الليالي العربية المزورة» موجودة في مخطوطتين مودعتين في المكتبة الأهلية في باريس، ناسخ الأولى القسيس السوري ديونيسيوس شاويش، الذي طُرد من فرنسا إثر ثورة 1789، والثانية اللبناني ميخائيل الصباغ، نشرها للمرة الأولى والأخيرة المستشرق الفرنكو - بولاندي زوتنبرغ عام 1888 في باريس، ولم يشكك أحد في النص جدياً حتى جاء العلاّمة العراقي محسن مهدي عام 1984 وقال إن هذا النص ليس إلا مجرد تزوير من غير أي قيمة علمية أو أدبية قام القسيس شاويش بترجمة مزعزعة له لم يَلتفَت إليها أحد بعين الجد (فهو، مثلاً، لم يحسن حتى إملاء اسم البطل، فيكتبه «عليا الدين»)، ثم جاء بعده ميخائيل الصباغ وصحّحها ونقلها إلى مخطوطة أخرى فحظيت باهتمام أكبر لدى المستشرقين آنذاك لإتقان ناسخها اللغة العربية. والنص الذي أنتجه الصباغ هذا هو عينه الذي نشره زوتنبرغ.ولمحسن مهدي رأي سلبي جداً بالنسبة إلى شخصية الصباغ، يتعارض تماماً مع الصورة المشرّفة التي قدمها هو عن نفسه في كتابه «الرسالة التامة في كلام العامة» و{المناهج في أحوال الكلام الدارج»، والتي كرسها الأب لويس شيخو اليسوعي، إذ يعتبره مهدي منافقاً وانتهازياً ليس له غرض سوى كسب المال والمكانة من خلال تزوير مخطوطات عربية وادعاء معرفة لم يملكها بهذه اللغة، بيد أنه مات، كما يسجل مهدي بسخرية لا يحاول كتمها، «في فقر مدقع» عام 1816. نص عربيأما قصة «علي بابا» فنصّها العربي الوحيد موجود في مخطوطة مودعة في المكتبة البودلية في أوكسفورد، نشره للمرة الأولى المستشرق ماكدونالد عام 1910، ثم نشره مستشرق آخر هو تشارلز توري في 1911 وألحق ماكدونالد في السنة التالية ملاحظات أخرى.تعرّضت أصالة الترجمتين للتشكيك من الدارسين، أبرزهم محسن مهدي، ومفاد التشكيك هو أن المستشرقين ترجما الحكايتين من ترجمة أنطوان غالان الفرنسية الشائعة لـ «ألف ليلة وليلة» والصادرة بين 1704 و1717. ومن المعروف أن غالان اعتمد في ترجمته على أكثر من نوع من المصادر، أولها وأهمها المخطوطة المودعة اليوم في المكتبة الوطنية في باريس والتي يُرجع محسن مهدي تاريخ نسخها الى أوائل القرن الرابع عشر الميلادي. غير أن المستشرق الألماني هاينز غروتزفيلد أرجع ذلك التاريخ إلى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي.ومخطوطة غالان هذه، وهي مخطوطة «ألف ليلة الوحيدة» التي توافرت لديه آنذاك، غير كاملة، أي تحمل عنواناً لا يتطابق مع مضمونها، لأنها مكونة من 282 ليلة فقط، بينما تحتوي ترجمة غالان على ألف ليلة وليلة. ويسأل محمد الجاروش من أين أتى الرجل ببقية قصص الكتاب؟ ويقول إن الباحثين توصلوا الى مصادر من أنواع أخرى، منها حكايات وقصص مخطوطة جلبها غالان معه بعد عودته من المشرق ولا علاقة لها بألف ليلة، كما هي الحال بالنسبة، مثلاً، الى قصة «السندباد البحري» التي أقحمها بترجمته مع علم أو بغير علم من أن عملية مشابهة كانت تجري في مصر، حيث أدخل أحد نساخ الكتاب في الفترة ذاتها، قصة السندباد البحري في متن نسخته لألف ليلة. ويكشف الجاروش أن ثمة مصادر من نوع آخر وهي حكايات وقصص تلقاها غالان من خلال المشافهة، بحسب ما يسجل في يومياته، عن راوٍ من مدينة حلب اسمه حنا دياب، الذي لا يحفظ لنا عنه التاريخ شيئاً مهماً سوى أنه أتى غالان من المشرق زائراً. ترك غالان ملخصات لبعض الحكايات التي سمعها، غالباً من حنا، في يومياته، نذكر مثلاً قصة «غانم ابن أبي أيوب المتيم المسلوب» (التي تقع في بعض مخطوطات ألف ليلة ضمن قصة «عمر النعمان») و{لطائف مرجانة» أو «اللصوص الأربعون الذين أهلكتهم حيلة جارية». وهذه الأخيرة ملخص لقصة «علي بابا»، مع ملاحظة أن فيها لم يكن اسم البطل «علي بابا» بل «خواجة بابا»، وثمة أخيراً قصص لم يتوصل الباحثون بعد إلى مصدر معقول لها، ومن بينها قصة «علاء الدين»، مع أن ثمة من يميل الى أنها من اختراع مخيلة غالان الخصبة، إلا أنه يمكن أن يقال إنها، وإن كانت كذلك، فهي ليست أكثر من نتيجة لجمع عناصر ومشاهد متعددة التقطها غالان من هنا ومن هناك في نصوص «ألف ليلة وليلة» وقصص أخرى وصاغها كما بدا له. اللافت أن الليالي المزورة تبدو كأنها من الأصل، وهذا يدل على أن المزورين كانوا منغمسين إلى حد بعيد بالثقافة العربية، الأمر الذي يضفي شيئاً من الأهمية على ما قاموا به. ففي حكاية «مصباح علاء الدين»، يتحول الشاب المتواضع علاء الدين بمساعدة الجني إلى ثري، يتغلب على الوزير الشرير، ويتزوج من ابنة السلطان. ويتكرر في هذه القصص تحوّل البشر بفضل السحر إلى حيوانات مختلفة. وتكثر فيها قصص المغامرات المثيرة، مثل رحلات السندباد، وما شاهده من عجائب المخلوقات مثل طائر الرخ، والسمكة التي التبس أمرها على الملاحين فرسوا عليها ظنًا منهم أنها جزيرة في البحر.يُذكر أن محرر الليالي المزورة يعيد نشر الحكايتين بحسب طبعتهما العربية الوحيدة (قصة «علاء الدين» كما نشرها زوتنبرغ في 1888 وقصة «علي بابا» كما نشرها ماكدونالد في 1910)، فضلاً عن تعليقات الأب لويس شيخو اليسوعي والباحث محسن مهدي وترجمات لبورخيس.
توابل - ثقافات
الليالي العربيَّة المزوَّرة... علاء الدين وعلي بابا تحت المجهر
07-03-2011