في الوقت الذي أعلنت فيه «غوغل» اعتزازها بمدير التسويق في الشرق الأوسط وائل غنيم الذي كان واحدا من أبرز الوجوه في ثورة شباب مصر، عبرت «فيس بوك» عن مخاوفها الشديدة من الربط بينها وبين المظاهرات الاحتجاجية التي عمت الشرق الأوسط؛ لأنها تعتقد أن مثل هذا الربط سوف يدفع الحكومات العربية إلى حجبها.

Ad

ونحن اليوم حين نتحدث عن «غوغل» و»فيس بوك» و»تويتر» فإننا لا نتحدث عن مواقع على شبكة الإنترنت بقدر ما نتحدث عن كيانات عملاقة أصبحت قادرة على تغيير مصاير الأمم، فكل كيان من هذه الكيانات يعد دولة قائمة بذاتها من حيث قوته الاقتصادية وحجم الأموال الطائلة المستثمرة فيه، أما من ناحية أعداد الزوار والمستخدمين فهو أكثر من عشر دول مجتمعة، فالمنتمون إليه بمئات الملايين, ولكل كيان من هذه الكيانات الإنترنتية ثقافته وعاداته وتقاليده وطريقته في التأثير، لذلك فإن وسائل الإعلام والاتصال الجديدة بما تملكه من قدرات على النقل الحي والتفاعل السريع والمشاركة الجماهيرية هي التي سوف تعيد تشكيل العلاقات السياسية والثقافية والاقتصادية في هذا العالم, وهكذا بعد أن كانت شركات البترول والسلاح هي التي تحكم العالم في القرن العشرين فإن شركات الإعلام الجديد هي التي ستحل مكانها في القرن الحادي والعشرين.

لقد شهد العالم قبل فترة وجيزة الحرب الطاحنة بين «غوغل» والصين، ولو لم تكن «غوغل» واثقة من قدراتها الهائلة لما ناطحت التنين الصيني العظيم الذي يتحاشاه العالم أجمع، كما واجه النظام الإيراني مشكلة كبيرة مع مواقع الإنترنت خلال ثورة الإصلاحيين على نتائج الانتخابات الرئاسية، فالمحنة الكبيرة التي تواجهها الدول المغلقة أنها لا تستطيع الاستغناء عن الإنترنت والعيش خارج نطاق القرية الكونية لأن في ذلك خسائر اقتصادية وإدارية وعلمية مهلكة، وهي في الوقت ذاته لا تستطيع أن تقبل بهذا الفضاء الحر.

وفي العالم العربي لم ينس البوعزيزي قبل أن يحرق نفسه أن يوجه رسالة إلى والدته عبر مدونته الإلكترونية قبل أن تهب رياح «الفيس بوك» و»تويتر» في كل ديار العرب لتشعل الثورة التونسية ومن بعدها الثورة المصرية، ثم انتقلت حمى المظاهرات المطالبة بالتغيير والإصلاحات السياسية إلى بقية الدول العربية بسرعة لم تخطر على بال أحد.

لقد اتضح أن الأنظمة العربية الحديدية كانت تعتمد فيما مضى من الزمان على احتكار الحقيقة وحجب المعلومات، وحين فقدت هذه الميزة الذهبية بسبب تقنيات الاتصال الحديثة أصبحت مكشوفة في العراء لا تستطيع أن تستر وحشيتها، ولا أن تغطي فشلها التنموي، كما أن أجهزتها الأمنية العتيدة فقدت القدرة على منع التواصل بين أبناء الشعب المقهور.

تخيلوا هذه الدول والحكومات التي ملأت الدنيا ضجيجا، وأشغلت شعوبها بالعروض العسكرية المصحوبة بالأناشيد الحماسية... أسقطتها مواقع على الإنترنت! إنها اللحظة التي فتح فيها الباب على غرفة نوم الدكتاتور المرعب، فاتضح للعالم أنه مجرد شيخ هزيل لا يتوقف عن السعال.

* كاتب سعودي