في منطقة الأزهر الأثرية، حيث يرتبط الأثر بالبشر في تناغم قلما تجد له مثيلاً يقع بيت الهراوي خلف الجامع الأزهر وسط كوكبة من بيوت تتفاخر بطرازها الإسلامي المعماري الفذ.

البيت الذي يرجع تاريخ بنائه إلى منتصف القرن الثامن عشر، تتراقص فيه العمارة التركية على أنغام العود والموسيقى العربية. فالبيت بعد ترميمه اتخذ مقراً لمدرسة موسيقية تعرف باسم «بيت العود» يقوم عليها فنان العود العراقي نصير شمة، الذي خرَّج عازفي العود من تحت عباءته في بيت الهراوي.

Ad

يقع بيت الهراوي بين مجموعة فريدة من المنازل الإسلامية خلف الأزهر في زقاق مدرسة بدر الدين العيني (المؤرخ المصري المشهور)، وهذا الزقاق على رغم صغر مساحته إلا أنه يحتوي على مجموعة فريدة من الآثار الإسلامية المصرية التي قلما تجتمع في مكان واحد، فبالإضافة إلى بيت الهراوي تجد بيت الست وسيلة، وبيت زينب خاتون والقاعة الغنامية وأحد أسبلة ووكالات قايتباي، ومدرسة بدر الدين العيني.

ويعد بيت الهراوي جوهرة تلك المنازل ودرتها النفيسة، وقد أنشأه أحمد بن يوسف الصيرفي في عام 1731 في نهاية العصر العثماني، وانتقلت ملكيته بين متملكين كثيرين إلى أن استقر أخيراً (1881) في ملكية الطبيب عبد الرحمن بك الهراوي بن الشيخ عمران بن سيد أحمد الهراوي آخر مالكي، والذي كان يعمل في مدرسة الطب بقصر العيني، فعرف البيت به ونسى التاريخ صاحبه الأول وبانيه.

وعبد الرحمن الهراوي أحد أهم الشخصيات التي يعرفها الفرنسيون جيداً في إطار العلاقات التاريخية المصرية - الفرنسية عندما كانت ترسل مصر بعثاتها العلمية إلى فرنسا في عهدي محمد علي باشا والخديو إسماعيل، إذ كان أحد أعضاء البعثة المصرية التي سافرت إلى فرنسا لطلب العلم خلال القرن التاسع عشر الميلادي. لذا يزور الفرنسيون هذا البيت غالباً ويعرفونه تماماً، وربما يؤكد ذلك انطلاق فكرة ترميمه في نهاية القرن العشرين من جانب البعثة الأثرية الفرنسية والمعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية في القاهرة بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، ليصبح المنزل أحد المزارات المهمة في القاهرة القديمة.

ويتكون المنزل من طابقين، الطابق الأول يتوسطه فناء يطل عليه المقعد الصيفي والسلاملك وسلم الحرملك وباب يؤدي إلى الطاحونة والإسطبل ومخزن، أما الطابق الثاني فيشتمل على الحرملك وحجرات المبيت.

ويتضمن البيت ثلاث قاعات رئيسة لاستقبال الضيوف وإقامة الحفلات، وكما هي الحال في جميع بيوت ذاك العصر، تطلّ قاعاته على فناء مكشوف.

والداخل إلى البيت اليوم يستخدم المدخل الثانوي المطل على شارع محمد عبده المؤدي إلى الجامع الأزهر، وهو إضافة لاحقة إلى البيت يرجع تاريخها إلى القرن التاسع عشر الميلادي وتطل على شارع متسع، بينما يطل المدخل الرئيس الذي يرجع تاريخ بنائه إلى القرن السابع عشر على زقاق القصر.

وطابع الواجهة الجنوبية حيث المدخل الحالي معماري وفني، وتتميز بارتفاعها وزخرفتها بالمشربيات، ويؤدي الباب الجنوبي إلى ممر طويل يصل إلى فناء مفتوح في الهواء الطلق يكشف كل قاعات المنزل.

والفرق واضح بين البابين الجنوبي والرئيس، فالأول مدخل مباشر تجاهل في إنشائه المعماري خاصية «الانكسار» المعروفة في بيوت العصرين المملوكي والعثماني، وهو أحد أهم المفاهيم المستخدمة في التصميمات الإسلامية بغرض عدم كشف البيت لمن بالخارج حفاظاً على حرمة البيت والنساء في داخله، وقد أصبح هذا المفهوم أقل استخداماً في أواخر القرن الثامن عشر.

ومن الملاحظ أن المعماري المسلم التزم في بناء المدخل الرئيس غير المستخدم حالياً بخاصية المدخل المنكسر.

وتطل على فناء المنزل المكشوف قاعتان للاستقبال، بالإضافة إلى حجرات الإقامة بينما تم إبعاد الإسطبل والمطابخ والمخازن والطاحونة إلى الجزء الخلفي من الجهتين الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية للبيت.

وتشغل قاعة البيت الأولى، المعروفة باسم «المندرة»، كل مساحة الجناح الشرقي للدور الأرضي، والمندرة هي بمثابة منطقة استقبال الضيوف من الرجال، وهي من الأماكن المعروفة في البيوت الإسلامية، تصميمها عبارة عن ثلاثة أجزاء، الأوسط يعرف في مراجع العمارة الإسلامية باسم الدرقاعة ويطل عليه إيوانان، ويقع مدخل هذه القاعة وسط «الدرقاعة» التي تتوسطها نافورة رائعة مزخرفة بقطع الفسيفساء الملونة ذات الزخارف الهندسية والنباتية الجميلة.

وتتميز أرضية القاعة بروعة جمال التصميم الهندسي فقد صنعت من قطع الرخام ذي الألوان الهادئة، فيما يتميز الإيوانان بأسقف مرسومة متعددة الألوان، بالإضافة إلى المكتبات المخصصة لحفظ الكتب والمصاحف.

وتُستعمل النافورات في البيوت الإسلامية لتلطيف الجو خلال أيام الصيف الحارة، لذلك كانت دائماً عنصراً أساسياً في العمارة الإسلامية، وقد روعي الاهتمام باستخدامها في قاعات استقبال الزوار لمنع الخدم من التجسس أو التنصت على حديث صاحب البيت وضيوفه، إذ يحدث غدير المياه الجارية فيها صوتاً يحول دون التنصت.

أما صالة الاستقبال الثانية فأقل اتساعاً وزخرفة وتشغل الجانب الجنوبي من الفناء، وتتكون أرضيتها من البلاط الجيري الأبيض الكبير بنقوشه المتشابهة، فيما يلتف حول سقف القاعة شريط كتابي مزخرف منقوش عليه العبارة التالية: «أنشأ هذا البيت الحاج أحمد بن يوسف الصيرفي عام 1144 هجريا الموافق 1731»، وتلتقي في زخارف السقف التقاليد الفنية للعصرين المملوكي والعثماني بتكويناتها الزهرية الكثيفة.

ويرجع المعماريون تاريخ بناء القاعة الأولى الرئيسة ذات الجدران الضخمة إلى فترة سابقة على بناء القاعة الثانية، وعلى الأرجح إلى أواخر القرن السادس عشر أو أوائل القرن السابع عشر باعتبارها الأثر الوحيد الباقي من بناية قديمة تهدمت، بينما ترجع بقايا البيت وخصوصاً القاعة الثانية إلى عام 1731 كما يوضح النص الكتابي الأثري المنقوش على السقف.

ويعرف بيت الهراوي أيضاً ببيت العود العربي، إذ تحول منذ سنوات إلى مركز لتعليم فنون العزف على العود والآلات الوترية، وأصبح قبلة فنية موسيقية يقصدها الموسيقيون.

ويرجع الفضل في إنشاء بيت العود إلى عازف العود والموسيقار العراقي نصير شمة بعد اقتراح قدمه إلى وزارة الثقافة المصرية بنقل بيت العود من دار الأوبرا إلى بيت الهراوي في قلب القاهرة التاريخية، ليتعلم عازفو العود في مناخ تاريخي وفني يساعدهم في الإبداع.

يقول شمة إن بيت الهراوي التاريخي موقع أكثر ملاءمة لتعليم العزف على الآلة الكلاسيكية، معتبراً أن أحد الأسباب الرئيسة لنقل بيت العود العربي إلى هذا البيت العثماني ذاك التصميم المعماري الرائع الهادئ وجمال تكوينات المنزل بأسقفه المرتفعة التي توحي بإلهام موسيقي بديع، ويبدو أن جمال المنزل الذي أعيد ترميمه كان له مفعول السحر على المقطوعات الموسيقية التي ألفها شمة وعلى سرعة استجابة طلابه وتحقيقهم إبداعاً فنياً في العزف على العود.

كذلك يشير شمة إلى أن بيت العود العربي حقق نجاحاً كبيراً إلى الآن، فهو المركز الوحيد من نوعه المتخصص في تعليم العزف على آلة العود في المنطقة العربية، ومعني بوضع مناهج آلة العود وتحسين صناعتها ويعد مركزاً بحثياً في تاريخ وتطوير العزف على العود.