صدر حديثاً عن منشورات الجمل «كتاب أدب النديم» لأديب زمانه أبي الفتح محمود بن الحسين، المعروف بـكشاجم، وحقّقه الباحث والكاتب سحبان أحمد مروة.شخصية كشاجم الحقيقية تبدو واضحة من خلال تعاليم هذا الكتاب، فهو يتناول أصول مجالسة أولي الأمر والسادة السراة وقواعدها ويلفت إلى أدق الأمور وأصغرها فينبّه عليها ويحذّر من مغبة ارتكابها، فيبيّن بهذا تجربة واسعة، لا سيما أن كشاجم زار حلب ومصر والقدس وبغداد وكان شاعراً من شعراء أبي الهيجاء الحمداني أخي سيف الدولة ويقال إنه كان طباخاً في مطلع عمره.
«كتاب أدب النديم» كتاب في «الإتيكيت» بلغة اليوم، لكنّ هذه الإتيكيت أو حسن التصرّف واللباقة والكياسة لا يراد منها تعليم العامة أو السواد الأعظم من الخلق كيفية التعامل مع بعضهم البعض، بل تعليم الوافد على الخليفة أو الأمير أو الرجل الخطير الذي يغضب ويرضى لأقل سبب ويحكمه مزاج متقلّب وهوى لا يستقر على حال، لذا فإن ثقلاً ما غير بسيط كان يحكم تلك الجلسات التي غالباً ما سيطر عليها التكلّف والتصنّع وغشّاها النفاق بغشاء كثيف.الكاففي تعريفه بكشاجم، يفيد المؤلف سحبان مروة بأن كلمة {كشاجم} تُفسر كالتالي: الكاف للكاتب، والشين للشاعر، والألف للمنشئ أي صاحب الإنشاء، والجيم للجدل والميم للمنطق. كذلك، يشير مروة إلى أن البعض قال إن الألف للأدب، والجيم للجمال والميم للغناء، ويقال بأنه زيد على أوله حرف الطاء فصار طكشاجم لأنه تعلّم الطب، إلا أن كشاجم لم يشتهر بهذا الاسم لثقله وبرودته لا لنقص في مهاراته الطبّية. وعلى كل حال فإن ما سلف يرمز إلى أن الرجل كان مثقفاً كاملاً في نظر العصر الذي يرى في الثقافة أنها الأخذ بطرف من كل فن. كشاجم هو محمود بن الحسين أو محمود بن محمد بن الحسين بن السندي بن شاهك وكنيته أبو الفتح الرملي ولقبه كشاجم وهو من أهل الرملة في فلسطين. وكشاجم من أصول فارسية وله ديوان شعر، ويلفت المؤلف إلى أن العلامة محسن الأمين ذكر في أعيان الشيعة أنه من جمع أبي بكر محمد بن عبدالله الحمدوني وأنه قد أضاف إليه بعد جمعه زيادات زوّده به أبو الفرج كشاجم وأنه سماه «الثغر الباسم في شعر كشاجم» وذكر له أيضاً المصايد والمطارد، وله أيضاً كتب أخرى أحدها كتابه في الطبيخ.ترجع بداية عهد المؤلف بكشاجم من اسمه الذي يتردد بكثرة في كتب الأدب، غير أنه لم يهتم به كثيراً. ويروي سحبان مروة أن ما حضّه على تقصّي أخبار كشاجم عمله مع مستشرق فنلندي هو كاي أورنبري على تحقيق كتاب في {الطبيخ} وضعه رجل إسمه ابن سيار الوراق وقد نشرته جامعة هلسنكي في نهاية الثمانينات وكان كشاجم حاضراً في معظم صفحاته ولكن شاعراً، على أن غالبية أشعاره في ذلك الكتاب فوتوغرافية تصوّر الأطعمة والمجالس بتشبيهات تنتمي إلى عالم ابن المعتز، ولكن دون بهاء تشبيهات الثاني ونزولها الحميد الأثر في الأذن والقلب معاً. وعموماً فإن ذلك الشعر غثٌّ وساقع وركيك فهو شعر إخواني من دون طلاوة وخفة الشعر الإخواني الذي وصلنا من تلك الحقبة والذي يجد المرء صورة تلذ له في كتاب الأغاني خصوصاً، وشعر تعليمي ينوء باشتقاقات باردة. أما طردياته فتسف كثيراً وتدنو من طرديات زعيم هذا الفن أي النؤاسي الحسن بن هانئ.بحسب سحبان مروة، فإن هذا الكتاب كما جاء في النسخة المعتمدة هو كتاب يعتريه النقص، ويدين المؤلف في سد بعض يسير من هذا النقص إلى كتاب {البصائر والذخائر} الذي حققته الدكتورة وداد القاضي فجاء آية تشهد على قدرة السيدة المحققة وطول باعها ودأبها وأمانتها وعلى كتاب {مروّج الذهب} للمسعودي بتحقيق المستشرق شارل بلّا وهو أيضاً عمل فذ وجهد عظيم بكل قياس. هذا عدا عما توافر للمرحوم أحمد الجندي من كتاب «قطب السرور في أوصاف الخمور» للرقيق النديم أبي إسحاق القيرواني، على رغم ما اعترى النص من هنات وهم فيها المحقق أو قفز عنها ولم يلتفت إليها، وثمة أيضاً كتاب «الوصلة» لابن العديم بتحقيق السيدتين سليمى محجوب ودرية الخطيب اللتين قدّمتا للكتاب بمقدمة لم تتركا فيها استزادة لمستزيد، إذ أرّختا للمعدة وما يلحق بها من طعام وسلوك ومناقب ومثالب حتى جاءت كتاباً قائماً بذاته يغني عن الكثير من الكتب التي تدور حول الأمر من بعيد وتقوم على نوادر مقتطفة من كتب شائعة. هؤلاء كلّهم مع من عداهم ممن أشار إليهم الكاتب في حينه ومكانه، أخذوا من كتاب الأدب هذا بتغيير لم يعف على الأصل ولا طمس المعالم كلها.سلوكيرى سحبان مروة أنه كانت للعربي الجاهلي ومن ثم الإسلامي قواعد وسلوك وأعراف غير مكتوبة، لكن محفوظة يتمسك بها القوم في أمور حياتهم من قيام وقعود وأكل ونوم واستضافة ومنادمة ومجاملة، وكان لكل حالة قاموسها ومفرداتها وآيينها، ثم جاء الإسلام فزاد ولم ينقص ونادراً ما ألغى، واكتسب بعض القواعد كالسواك والاستنجاء والنظافة عموماً، وضوابط السلوك في الدخول والخروج والجلوس، بعداً قدسياً وروحياً لثبوت هذه المسائل في السيرة النبوية الفعلية. حتى أن الكأس التي كانت تدار في أيام الجاهلي عمرو بن كلثوم «باليمين» ظلت تدار كذلك لأن النبي أوصى بالأيمن، فالأيمن دون التفات إلى حقيقة أن النبي كان يشرب لبناً من عسّ لا خمرة من باطية.ومؤدى ذلك أن مروة يود أن يقول إن ما أخذه الحكم العربي من الحضارات المجاورة في ما يخص آداب السلوك لم يكن لضرورة اجتماعية أو شعبية بل لضرورات تدعيم سلطة الحكم وزيادة هيبته، لذا فإن النوادر عن تعثّر المواطنين في حضرة الأمراء والمولاة وهفواتهم هناك كثيرة لا تُحصى لأنهم كانوا يشعرون شعوراً يقينياً بأن هذا السلوك دخيل ومتكلّف ولا روح فيه ولا جدوى منه. هذا عدا عن أن طبقية ما وسلوكاً طبقياً ما قد أخذ يتحيّز في الثقافة العربية الاجتماعية أو في الثقافة الإسلامية الاجتماعية بشكل أدق. فقد زالت الروح العربية بزوال السلطان الأموي والخلفاء العباسيين الخمسة الأوائل الذين تمسكوا بالقليل من المظاهر الخاوية وذلك دفعاً للتهمة ليس إلا. وزالت أيضاً تلك الروح العربية الديمقراطية التي كانت تحكم سلوك المحكوم تجاه الحاكم وإن امتعض الثاني في غالبية الأحيان من دون أن يبلغ به الضيق حدّ الأمر بتصفية مخاطبه أو بسحب مؤاكله من قدمه إلى الخارج.
توابل - ثقافات
أدب النديم لكشاجم... بحث ظريف في آداب السلوك
18-05-2011