إن نظرة خلفية شاملة على خريطة الثقافة العربية في القرن العشرين، تضع تحت أبصارنا بضعة أسماء من المبدعين في مجالات الأدب والمسرح والسينما والموسيقى والغناء والفنون التشكيلية والفكر، كانت على تماس مباشر، منذ بداية الطريق أو في منتصفه، مع وجدان وفكر ومشاعر المواطنين العرب في كل أقطارهم، قفزا من فوق الحدود السياسية التي تم رسمها في الدوائر الدولية المسيطرة، بعد انفراط عقد الإمبراطورية العثمانية، في مسيرة تسبغ شرعية كاملة على مقولة أن الحدود السياسية للدول العربية في القرن العشرين، ليست بالضرورة، بل ليست بأي حال من الأحوال، مطابقة للحدود الثقافية.

وإذا كانت الأسماء التي استطاعت على امتداد القرن العشرين أن تتجاوز الحدود السياسية الضيقة، إلى الحدود الثقافية التي تغطي مساحة الوطن العربي بأسره، هي نادرة في مجال الموسيقى والغناء، فإن اسم أم كلثوم يقف بلا شك في الصف الأول منها.

Ad

ثم أننا عند ما نطلق اسم أم كلثوم، على هذه الظاهرة الثقافية، فإننا لا نشير بهذا الاسم فقط إلى مطربة صاحبة صوت استثنائي وجهد استثنائي في خدمة هذا الصوت، وإحاطته بكل مقومات التكون السليم والصقل الرفيع، بل نشير إلى مؤسسة فنية كاملة متكاملة حملت اسم أم كلثوم عنوانا لها، وضمت تحت هذا العنوان أسماء ثلاثة من أربعة أسماء حملت في الصف الأول من القرن العشرين بالذات، وبعد ثورة سيد درويش، مسؤولية تطوير الموسيقى العربية الكلاسيكية، اتكاء على أعماق الوجدان العربي التاريخي والمعاصر، وارتيادا لأفاق فرضتها ضرورات العصر وتحدياته المختلفة المعقدة، كل على طريقته طبعا، هي أسماء محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي. ولم تلبث أن أغرت الاسم الرابع (محمد عبد الوهاب) بالانضمام إلى تلك المؤسسة في المقعد الأخير من حياتها الفنية. كما انضم إلى هذه المؤسسة التي تحمل اسم أم كلثوم، شعراء مبدعون يمكن أن تكتفي منهم باسمين، على سبيل المثال لا الحصر، هما أحمد رامي وبيرم التونسي، كان للأول فيهما فضل فرض سيادة المستوى الراقي (في ثوب رومانسي) على سوق الكلام الهابط الذي ساد العقدين السابقين له، وكان للثاني فضل ضخ هذا المستوى الراقي بدماء حاره من خارج القاموس الرومانسي لأحمد رامي.

فهل كانت أم كلثوم مجرد عنوان لهذه المؤسسة الفنية الثقافية الكبرى في حياة العرب المعاصرين؟

لقد عرضنا في أحد فصول الكتاب ملخصا للنقاش الذي دار لسنوات في دوائر جوائز الدولة للفنون في مصر بشأن أم كلثوم: هل هي مبدعة، ساهمت في إبداعها بنصيب من الفن العظيم الذي قدمته طيلة حياتها، أم أنها مجرد مؤدية، كان دورها محصورا، في أحسن أحواله، في تقديم إبداع كبار الملحنين والشعراء، بمستوى رفيع ؟

ثم عرضنا بالمقابل وجهة النظر التي طرحها الناقد الكبير كمال النجمي، على الطرف النقيض، عندما كان يعتبر أم كلثوم، في أكثر من مقال، أنها مسؤولة عن ثلاثة أرباع التطور الذي حصل للغناء العربي، بل الموسيقى العربية، في القرن العشرين.

فأين تقع الحقيقة الموضوعية بين هاتين النظريتين ؟

في رأيي أن محمد عبد الوهاب قد وضع معيارا موضوعيا يصح تطبيقه في كل مكان وزمان، مع أنه كان بصدد تقييم خلاصة إبداع سيد درويش. قال عبد الوهاب: إذا أردت تلمس حقيقة ما فعله سيد درويش بالموسيقى العربية، فما عليك سوى مقارنة ما أنتجه من موسيقى، بما كان سائدا في أيامه.

فإذا طبقنا هذا المعيار، على ما قدمته أم كلثوم لفن الغناء العربي، فإن بإمكاننا اعتبارها زعيمة تجديد الغناء العربي الكلاسيكي النسائي في القرن العشرين. وقد بينا تفاصيل ذلك في الفصل الذي وصفنا فيه كيف انتقل الغناء، بصوت أم كلثوم، من عصر إلى عصر، وليس فقط من صوت إلى صوت. ولا أظن أن هذا الاستنتاج يقع خارج ما يجمع عليه كل المؤرخين والنقاد الجادين للموسيقى العربية في القرن العشرين، أو معظم هؤلاء، إذا شئنا الحد الأقصى من الموضوعية والدقة.

إن التجديد في أساليب الغناء، (عند العرب كما عند سواهم) يدخل بلا شك في مجال الإبداع الفني، ولا يمكن حصره في مجال ترديد إبداع الملحنين، خاصة عندما يتضح لنا أن هذا الإبداع لم يكن مجرد تفوق صوت على صوت (أو أصوات) كما أشرنا، بل كان – بالتأكيد- نقلا للغناء من عصر إلى عصر.

وإذا كان القول بأن كل هذا الإنجاز – في تجديد الغناء- ما كان ممكنا بمواهب أم كلثوم وحدها، فان من الموضوعية بمكان أن نتساءل: وكيف نتصور ثمار إبداع ملحني أم كلثوم (الثلاثة الرئيسيين بالتحديد) لو لم يجدوا أمامهم صوت أم كلثوم بكل عناصره ؟

سبق أن أشرنا إلى نقطة بالغة الأهمية في سيرة محمد القصبجي الإبداعية، هو أنه (وهو المولود في العام الذي ولد فيه سيد درويش، 1892) لم يكن عند وفاة سيد درويش (1923) قد قال أي كلمة في تطوير الموسيقى العربية، بينما كان سيد درويش قد أكمل كل المقدمات التاريخية لثورته الموسيقية التي تأسست عليها وانطلقت منها كل إبداعات الموسيقى العربية الجادة في القرن العشرين.

إن علاقة تفجر مكامن عبقرية القصبجي ببداية تعاونه مع أم كلثوم، لا يمكن إلا أن تكون أقرب إلى علاقة النتيجة بالسبب، منها إلى المصادفة.

ومما يؤكد ذلك ويزكيه، أن منافسات أم كلثوم الرئيسيات، وفي المقدمة منهن منيرة المهدية وفتحية أحمد، أثار حفيظتهن النجاح المدوي الذي حققته أم كلثوم بلحن القصبجي "إن كنت أسامح وأنسى الأسية”، فكلفت كل منهن القصبجي بأن يصيغ لها لحنا مشابها، وتصرف القصبجي بروح الملحن المحترف، فزود كلا من فتحية أحمد ومنيرة المهدية بأكثر من لحن من طراز "إن كنت أسامح” ومن قماشته وفي مواصفاته، ولكن كل ذلك سقط من ذاكرة الجمهور، بل سقط من تاريخ الموسيقى العربية تحت غربال الزمن. كما أن النسبة الأعلى من إبداعات القصبجي الخالدة سجلت بصوت أم كلثوم.

الظاهرة نفسها تكررت مع زكريا أحمد. فعندما بدأ بلحن لأم كلثوم في العام 1931، كان قد أكمل عامه الخامس والثلاثين، ومع ذلك فان تاريخ الموسيقى العربية لم يحفظ له في خزانته أي لحن ذي قيمة، قبل لحنيه الأولين لأم كلثوم "اللي حبك” و”جمالك ربنا يزيده”. وبعد رحلة طويلة مع النغم، بقيت النسبة الأعلى من الرصيد الخالد في الحان زكريا أحمد مسجلة بصوت أم كلثوم.

أما رياض السنباطي، فمع أنه كان أكثر هؤلاء الثلاثة تنوعا خارج صوت أم كلثوم، حتى يمكن التحدث في تاريخ السنباطي الموسيقى عن مدرستين لالحانه: مدرسة كلثومية ومدرسة غير كلثومية. ومع ذلك، فان سجل رياض السنباطي في كتاب الخلود الفني ممهور بصوت أم كلثوم.

إن إجراء تحليلات تفصيلية في نتاج هؤلاء العباقرة الثلاثة، الذي سجلته أم كلثوم بصوتها، يؤكد أنها لم تكن مجرد صوت عظيم يؤدي ألحانا عظيمة، بل إن عظمة صوتها والتطور الخطير في خبرته الادائية، كان أبرز محرك لعبقرية ملحنيها الرئيسيين الثلاثة، وابرز حافز لشهيتهم اللحنية، ولعله المسؤول الأول عن توسيع آفاق خيالهم الفني، لأنهم عندما كانوا يجدون أنفسهم أمام صوت بهذه الإمكانات التي كانت تبدو في فترة من الفترات كأنها بلا حدود، كانت هذه الإمكانات تشكل تحديا لعبقريتهم، التي قلما واجهت تحديا بهذه القوة الدافعة.

فإذا أضفنا إلى هذه العوامل الفنية، قوة الشخصية التي تميزت بها أم كلثوم، منذ أن كانت طفلة ريفية صغيرة، تشق طريقها ضد تحديات ذلك المجتمع الذكوري بكل ما في الكلمة من معنى، وضعنا يدنا على المفصل الذي حول كل أساتذة أم كلثوم في الموسيقى والغناء والشعر والثقافة، إلى أعضاء في المؤسسة الفنية التي لم تكن فقط تحمل اسمها عنوانا لها، بل أصبح زمام قيادتها في يدها منذ منتصف عقد الأربعينيات، حتى آخر يوم في حياتها، كما فصلنا في صفحات سابقة، حتى أصبح تاريخ إبداع أم كلثوم، محورا أساسيا في تاريخ إبداع محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي في الموسيقى، إضافة إلى أحمد رامي في الشعر الغنائي، مع كل ما شاب علاقات أم كلثوم بكل من هؤلاء المبدعين الأربعة من تفاعلات درامية، متفاوتة في حدتها وفي أسبابها وفي نتائجها العملية.

إضافة إلى ذلك، يمكن التأكيد بعد استقراء حياة أم كلثوم ونشاطها الفني في جميع المراحل، أن هذه الفنانة التي مدت فنها على القرن العشرين بطوله وعرضه، إنما كانت تسبح في خضم التفاعلات الثقافية المتلاطمة، خاصة في مسألة بحث العرب الذي لم ينته بعد، عن الصيغة الدقيقة في التعامل مع الغرب، وحضارته وثقافته المهيمنة على العصر الحديث (وذلك عكس ما يعتقد كل الذين لم يطلعوا بعمق وشمول ودقة على السيرة الفنية لأم كلثوم)، ولقد كانت تجارب أم كلثوم في هذا المجال من أغنى وأقيم ما تم على الأرض العربية في القرن العشرين، ومن أشد هذه التجارب درامية انسانية، كما لاحظنا عند تحليل علاقتها بكل من ملحنيها الثلاثة الأساسيين، الذين كان يمثل كل منهم اتجاها منفردا في خضم الصراع الحيوي في مسألة التعامل مع الغرب، وحضارته وثقافته. وهذه مسألة تحتاج على أي حال إلى مزيد من الدراسات المفصلة المعمقة، لنكتشف المدى البعيد الذي ذهبت إليه أم كلثوم في ممارستها العملية للفن تجريبا لصيغ فنية متعددة، إلى أن استقرت إلى الصيغة السنباطية، وحتى هذه الصيغة الأساسية في حياتها، حاولت الخروج عنها، وإن بحدود ضيقة، في العقدين الأخيرين من حياتها. وهذا ما يؤكد لنا أن أم كلثوم لم تكن ظاهرة فنية جامدة كما يعتقد ويشيع كل الذين يلمون برصيدها الفني إلماما سطحيا، أو يطلقون عليها حكما غيابيا، من غير اطلاع دقيق وشامل على كامل تراثها الفني بمختلف مراحله.

كما أن أم كلثوم مارست حياتها وفنها، بتفاعل عميق مع أحداث وطنها مصر، في وسط تفاعلات القرن العشرين السياسية الصاخبة، وتجاوزت مجرد تسجيل مواقفها في أعمال فنية للمناسبات، إلى انخراط تجاوز ما يفعله عادة الفنانون الكبار المستقرون على عروشهم الفنية، وهذا أيضا وجه من وجوه شخصية أم كلثوم، يستحق المزيد من الدراسات المعمقة المفصلة.

لقد حاولنا أن لا نترك في هذا الكتاب أي عنصر أساسي في تكوين الشخصية الإنسانية والشخصية الفنية لأم كلثوم، دون إضاءة، بقدر ما توفر لنا من أدوات. ولكن حجم فن أم كلثوم، وامتداد أثره في الزمان والمكان، في جميع أرجاء الوطن العربي، يستحق من العرب المعاصرين، اهتماما دراسيا وتوثيقا يوازي ما تفعله الأمم الأوروبية مع عظماء الفن في بلادها، فينصرف المؤرخون إلى قراءة كل قصاصة ورق عنها، وإلى جمع أي تسجيل صوتي أو فوتوغرافي، فيصيغون من هذه التفاصيل كتابا (بل كتبا إذا لزم الأمر)، في كل فصل من فصول حياة أم كلثوم الشخصية، كما ينصرف المنظرون الموسيقيون إلى مسح شامل لإنجازات أم كلثوم الفنية، في كل مرحلة من مراحلها، ما سجل منها على اسطوانات داخل الأستوديو، وما أنشدته في مسيرتها الطويلة في الحفلات الشهرية الحية، فيستخلصون من كل ذلك، دراسات مفصلة مطولة في تطور فنون الشعر الغنائي في الفن الكلثومي، وتطور أساليب التلحين مع كل ملحن على حدة، وخاصة ملحنوها الثلاثة الأساسيون.

وعندما يكون العرب المعاصرون قد أنجزوا كل هذه الدراسات في كتب تملأ رفوف الكتب في البيوت العربية، والمعاهد الموسيقية العربية، ويفعلون ذلك مع كل واحد من عباقرة الموسيقى وسائر الفنون، وسائر حقول الثقافة والفكر، يكون العرب قد دخلوا رحاب الحداثة والمعاصرة، من الأبواب الواسعة نفسها التي دخلها أسلافهم، عندما كانت أوروبا تستقي العلم من الجامعات العربية، والفنون من المعاهد الفنية العربية، ويكونون قد خطوا خطوة أكيدة في طريق الخروج من الأزمة الراهنة للموسيقى العربية.

إلياس سحاب