المثل العربي المشهور "بغضاً لعلي لا حباً في معاوية" يضرب في العادة عندما يتخذ شخصاً ما موقفاً منحازاً لجهة ما، لا حباً بها، وإنما فقط لأن ذلك يغيظ جهة أخرى يبغضها. هذا المثل ينطبق على ردود الأفعال التي صدرت تعليقاً على المؤتمر الصحافي الذي عقده السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ"حزب الله"، الذي قدّم فيه مجموعة معطيات تشكل قرائن على وقوف إسرائيل خلف عملية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

Ad

كان من الواضح أن معظم المعلقين على المؤتمر الصحافي لديهم موقف مسبق مما سيقوله السيد حسن نصرالله حتى قبل أن يسمعوه، وبدلاً من التركيز على الشواهد والقرائن التي قدمها السيد راح كثيرون يشككون في هذه المعطيات بالتساؤل عن سر توقيت عرض هذه القرائن، وكيف استطاع "حزب الله" الحصول على هذه المعلومات؟ ولماذا لم يكشف عنها من قبل؟ في حين انبرى البعض مسرعاً للتقليل من قيمتها بالرغم من أن سعد الحريري، وهو ولي الدم صرح بأن هذه المعطيات تستحق الاهتمام، وكأن هؤلاء أصبحوا ملكيين أكثر من الملك نفسه.

البعض الآخر يطرح، إما لسذاجة وإما لخبث، سؤالاً عن سر استعجال "حزب الله" لتقديم هذه المعلومات وعدم انتظاره للقرار الظني الذي سيصدر عن المحكمة الدولية؟ من يطرح هذا السؤال بحسن نية بالتأكيد لا يعرف حساسية الوضع اللبناني الداخلي والاستقطاب الطائفي الحاصل فيه، وهو ما يعني أن اتهام "حزب الله" بقتل الحريري سيؤدي إلى فتنة طائفية بين السُّنّة والشيعة، حيث سينظر إلى الأمر على أن "حزب الله" الشيعي قتل زعيم السُّنّة في لبنان، وهذا يكفي لإشعال لبنان طائفياً، وهذا أقصى ما تتمناه إسرائيل. إذا كان هذا هو المتوقع، وهو ما يتخوف منه اللبنانيون، فإن من السذاجة مطالبة "حزب الله" بالانتظار إلى حين صدور القرار الظني، وهو يعلم حجم المخاطر التي تنطوي على صدوره. إذا كان السيد سعد الحريري يتمنى- كما قال في تصريح له- أن تكون إسرائيل هي من قتلت والده، فإن من الواضح من كتابات البعض أنه يتمنى لو كان من قتل الحريري هو "حزب الله"، وهو بذلك يتعاطى مع الأمر على قاعدة "لا حباً في إسرائيل ولكن بغضاً لـ(حزب الله)". ولذا نجد أن كتابات شطر كبير ممن كتبوا حول الموضوع محلياً تفهم وكأنها تبرئة لساحة إسرائيل من قتل الحريري، ويتجاهلون أي احتمال أن تكون إسرائيل وراء ما حدث، على الرغم من سقوط عشرات العملاء وشبكات التجسس التي تعمل لمصلحة إسرائيل في الأشهر القليلة الماضية، وهؤلاء المشككون يثقون ثقة مطلقة بالمحكمة الدولية، مع أن التسريبات التي صدرت عن القرار الظني المتوقع صدوره تكفي للتشكيك في مصداقيتها، فضلاً عن سابقة الاعتماد على أقوال شهود زور، دون أن يتم التحقيق معهم لمعرفة من موَّلهم ودفعهم للقيام بهذا الدور.

إذا كان للتكفيريين والمتطرفين موقف معارض من الناحية العقائدية لـ"حزب الله" تشكل لهم عقدة تدفعهم لمعاداته في كل أفعاله أيا كانت، فإن ما يثير الاستغراب أن ينجرف وراء هذه الدعاية كتاب لا يحملون هذه العقدة، ولكن يبدو أن موجة الهجوم التحريضي من قبل أميركا وإسرائيل والمتطرفين قد جرفت هؤلاء مع التيار من حيث لا يشعرون، فراحوا يرددون الأسطوانة نفسها. ربما أن ذنب "حزب الله" الوحيد- الذي يحمل بعض من يدّعي العروبة أو يلبس لبوس الدين على إلصاق تهمة قتل الرئيس رفيق الحريري بـ"حزب الله"- هو أنه قاتل إسرائيل وانتصر عليها، وهو ما لم تفعله جيوش العرب والمسلمين قاطبة... ولذا فإن مشكلة السيد حسن نصرالله مع هؤلاء أنه يلبس العمامة السوداء، ولو لم يكن كذلك لكان لهم موقف آخر منه.