يختلف الاقتصاد الليبي عن اقتصادي تونس ومصر من حيث طابعه الريعي، إذ إنه مفرط في اعتماده على إنتاج وتصدير النفط الخام، شأنه في ذلك شأن الاقتصاد الكويتي، حيث تشكل عوائد النفط أكثر من ثلثي الدخل الحكومي، وتهيمن الدولة الليبية على مجمل النشاط الاقتصادي المحلي، وتوفر خدمات التعليم والصحة دون مقابل، كما تدعم أسعار الكهرباء والماء والوقود وقائمة لا بأس بها من السلع الغذائية الأساسية، ويحقق الاقتصاد الليبي أعلى متوسط للدخل القومي في إفريقيا قاطبة، وقدر معدل نمو الاقتصاد الليبي في عام 2010 بنحو 10.6 في المئة.

Ad

الموقف الأوروبي

وليبيا هي أغنى البلدان الإفريقية في الاحتياطات النفطية، إذ يصل حجم احتياطها المؤكد من النفط وفق بيانات مطلع العام الجاري إلى نحو 46.4 مليار برميل، وهي تتقدم بذلك على نيجيريا التي يبلغ احتياطها 37.2 مليار برميل، ووصل إنتاج النفط الليبي إلى نحو 1.65 مليون برميل/يوم (متوسط عام 2010)، وهذا معدل يقل عن طاقتها الإنتاجية البالغة 1.8 مليون برميل/يوم، ولكنه يزيد على حصتها المقررة في «أوبك»، وتقف إيطاليا على رأس قائمة مستوردي النفط الليبي، إذ تصل حصتها من صادراته الى نحو 30 في المئة، تليها فرنسا (15 في المئة) ثم الصين وألمانيا وإسبانيا (نحو 10 في المئة لكل منها)، وتتميز غالبية النفوط الليبية بالنقاوة العالية (أعلى من 40 درجة وفق مقياس معهد البترول الأميركي API) وحموضة منخفضة، وهي التي تفضلها المصافي الأوروبية، بينما تصدر ليبيا نفوطها الأقل جودة الى الأسواق الآسيوية.

ومن خلال صندوقها السيادي تعد ليبيا أحد أهم المستثمرين في شركة ايني الايطالية العملاقة، كما أنها تمتلك شبكة من المصافي وخطوط توزيع الوقود في كل من ايطاليا وألمانيا وسويسرا، كما تنشط في صناعة الاستخراج وتطوير الحقول الليبية كل من «ايني» و»توتال» الفرنسية و»ريبسول» الإسبانية بالإضافة الى عدد آخر من شركات النفط العالمية، ويفسر هذا، إلى حد كبير، الموقف الأوروبي المتحفظ تجاه حركة الشارع الليبي مقارنة بالموقف من مصر وتونس.

وعلى الرغم من وفرة العوائد النفطية، وكفايتها لسد احتياجات العدد الضئيل نسبياً لسكانها البالغ نحو 6 ملايين نسمة، يعاني الاقتصاد الليبي بيروقراطية الدولة وسوء الإدارة، مما أدى إلى تردي الأحوال المعيشية للسكان، وكان النظام الليبي قد أرجع خلال عقد التسعينيات تردي الأحوال الاقتصادية في البلاد الى العقوبات الاقتصادية الدولية التي فرضها مجلس الأمن على ليبيا، بدءا من أبريل 1992، وذلك على خلفية قضية «لوكيربي»، ولكن ليبيا لم تخضع فعليا وبشكل تام لتلك العقوبات، حيث تمكنت من الحصول على دعم فوري من الدول العربية، وتعاطف من قبل مجموعة دول عدم الانحياز، ومن الدول الإفريقية، التي قررت في قمتها التي انعقدت في بوركينا فاسو في منتصف عام 1998 كسر الحصار المفروض على ليبيا. وقد تم رفع العقوبات الدولية كليا عن ليبيا بحلول عام 2003، كما تخلت الولايات المتحدة عن هذه العقوبات في عام 2004.

الإصلاح الاقتصادي

وبمجرد رفع العقوبات الدولية هرعت العشرات من شركات النفط العالمية إلى ليبيا للاستفادة من فرص الاستثمار في حقول النفط والغاز، كما حاولت الدولة البدء بسلسلة من برامج الإصلاح الاقتصادي منذ ذلك الحين، حيث أعلنت تحرير الاقتصاد، وحفز مشاركة القطاع الخاص عن طريق توفير القروض الميسرة، وتشجيع الاستثمار الأجنبي، والتصريح للمصارف الأجنبية بالعمل، وخفض الضرائب على الواردات، والحد من المزايا الجمركية للمؤسسات العامة.

لكن الانتفاضة الليبية الأخيرة أكدت حقيقتين هامتين، الأولى هي أن شعارات وبرامج الإصلاح الاقتصادي لا يمكن لها أن تثمر في ظل تفشي سوء الإدارة والفساد المالي والمحسوبية وغياب الشفافية والرقابة الفاعلة والحريات العامة. فكل برامج الإصلاح والتحفيز فشلت في توفير فرص العمل الكافية، مما أدى إلى تفاقم مشكلة البطالة بين الشباب الليبيين التي بلغت نسبتها نحو 30 في المئة، مما يضع ليبيا على رأس قائمة البطالة ليس في البلدان النفطية فحسب، بل في شمال إفريقيا أيضا، وهي بذلك أسوأ حتى من بلدان فقيرة مثل موريتانيا وموزمبيق ومالي وسانت لوسيا.

الحقيقة الثانية هي أن أنظمة الحكم الشمولية والمركزية أثبتت وللمرة المئة عدم قدرتها على تلمس الحاجات الحقيقية لشعوبها، بسبب فقدانها قنوات اتصال حقيقية مع هذه الشعوب، فعلى الرغم مما سمي بالنظام الجماهيري في ليبيا الذي يعتمد على المؤتمرات الشعبية، حيث يوجد مؤتمر لكل حي سكني أو قرية يضم المواطنين البالغين 18 عاما والذين يختارون من بينهم 100 مواطن ومواطنة مقيمين في نفس الحي أو القرية يشكلون ما يدعى الكومونة (حيث يتوزع تمثيل مجموع الشعب الليبي على 30 ألف كومونة)، فإن الانتفاضة الشعبية الأخيرة أكدت عدم فاعلية ومصداقية هذا النظام في تحقيق تمثيل فعلي حر للمواطنين، فقنوات الاختيار والتمثيل والقرار قد تعوزها الشفافية والنزاهة، كما أن القرارات الحاسمة والمؤثرة والأساسية تبقى بيد أمانة المؤتمر العام، أي أن نظام الحكم يبقى شموليا ومركزيا بل وفرديا في جوهره.

* أستاذ الاقتصاد في جامعة الكويت