رحل الشاعر فؤاد رفقة (1930 – 2011) بصمت تماماً كما قصيدته، وهو منذ ديوانه «مرساة على الخليج» الذي صدر عام 1961 عن «دار مجلة شعر»، كان مشغولاً بمسألة الوجود، وهو الشاعر الذي انتمى الى مجلة «شعر» عام 1957، فكان الى جانب يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وعصام محفوظ ومحمد الماغوط، لكنه بالقدر نفسه لم يكن صاخباً مثل أقرانه أو رعيله، فكان أحد الرواد لكنه لم يكن نجماً ولا «صاحب مدرسة»، فبقي حتى أيامه الأخيرة مشغولاً بالشعر الألماني الممزوج بالفلسفة وفي كتابته انهمك في أسئلته وهواجسه الوجودية والطبيعية.

فؤاد رفقة الذي زاوج بين الشعر والفلسفة، ترك وراءه مجموعة من الدواوين أبرزها: «مرساة على الخليج»، «حنين العتبة»، «العشب الذي يموت»، «علامات الزمن الأخير» «أنهار برية»، «عودة المراكب»، «خربة الصوفي»، «كاهن الوقت»، «بيدر»، «مرثية طائر القطا»، «تمارين على الهايكو»، «محدلة الموت وهموم لا تنتهي»، و{عودة المراكب» التي يستهلها بشبه مقدمة أسماها «إشارة»، وقال فيها: «سنة 1961 ظهرت مجموعة شعرية عنوانها «مرساة على الخليج»، في هذه المجموعة البكرية رفع الشاعر مرساته وغامر صوب الأفق من دون أن يعرف الى أين، في هذه المغامرة عرف الأقاليم والخلجان، تعلم لغات غير موطوءة، وفي نهاية المطاف أدرك أن النجوم البعيدة تظل بعيدة، فعاد الى شباكه الممزقة صيد أقل بكثير من الحلم.

Ad

يعرف الآن أنّ المهمّ في هذه المغامرة هو المغامرة ذاتها، لا نتائجها، فالنتائج كلها حشيش يابس في النّار، كذلك يعرف الآن أنه في هذه المغامرة كان عليه أن يسكن العزلة القداسة، فالخصومة بين الإبداع ونداء الجسد قديمة ودائمة الهدير، وهو يعرف الآن أنّ ما أصابه في هذه المغامرة لم يكن مصادفة، فالأقدار أبداً ودائما ترسم الخرائط والاتجاه». وختم رفقة بقصيدة: «أيتها الأرض/ هو ذا ابنك الضال/ من التيه في الأنواء/ بلا وجه يعود/ فضمدي شظاياه/ مدي له السرير/ أغلقي النوافذ/ واطفئي الشموع../ رائعة كانت البحار/ تحت الشمس/ رغم الصواعق».

كتب فؤاد رفقة سكونه الروحي وطقوسه الدينية، وتجلياته بين الكلمة والذات، بين الطبيعة والإنسان، بين الأرض والحياة، بين الزمان والمكان، فهو كأنه يجلس في صومعة تارةً، وبين أحضان الطبيعة طورًا، متأملاً، غارقًا في ما يسميه «وادي الطقوس» (عنوان أحد كتبه)، تلك الطقوس التي تنتج العبارات الدافئة، وبخور المعنى، وصلاة الكلمات، وقداديس الشعر، تلك الطقوس التي ترشدنا الى أن كل شيء يصل الى اللاشيء، أو السيزيفية التي أيضًا هي مرآة كل شيء.

وفي قصيدة «باشق» من ديوان «عودة المراكب»، قال رفقة: «قفص معدني/ من ثقوبه/ باشق يلمح الأحراج/ رائحة الوعر: يدور/ حول نفسه يدور/ يتعثر/ يسقط/ في ريشه يغيب/ تحت أشلاء الصور/ صديقان هو وحطاب الشعر». هل الشاعر حطاب؟ كتب رفقة شعر الحداثة في أجواء الريف والأرض والفلاحين بعيداً عن المدينة وأحوالها وزحمتها. بل كتب ما يشبه التنديد بالتقنية الحربية: «تحت رمانة خريفية/ آخر النهار،/ نعاس،/ لا ذاكرة ولا أحلام،/ فجأة/ عبر الأطلسي/ إف 16 تشق المحيط/ في سماء النجوم والأقمار/ ترسم خرائط الدماء».

رأى رفقة أنه لا يمكن فهم أي شاعر من دون خلفية فلسفية، «مثلما لا يمكن فهم هايدغر من دون الاطلاع على ريلكه وهولدرلن وتراكل... حتى أن بعض الفلاسفة في ألمانيا يعتبرون الشعر أهم من الفلسفة. إذا أردت أن تعرف نظريتك مضبوطة أم لا، إقرأ الشعر».

كتب رفقة أطروحة الدكتوراه في الفلسفة حول مفهوم «الجمال عند هايدغر»، وهو اعتبر أن الثقافة، الشعر والفلسفة تتواءم في داخله. وشعره يستلهم من الفلسفة، تمامًا كما يستلهم فكره من الشعر. وعلى هذا فقصيدته «إف 16» تذكّرنا بالفلسفة الهايدغرية، إذ أشار هايدغر الى أن انتشار التقنية يصاحب بانسحاب لـ{موضوعات» الطبيعة التي تترك المكان للأشياء القابلة للاستهلاك. فـ{الراين» مثلاً، لم يعد ذلك النهر العظيم، نهر شومان وهولدرلن، نهر المنظر الجميل، وإنما «غدا موضوع زيارات تنظّمها وكالة أسفار أقامت على ضفافه صناعة خاصة بالعطل».أما الغابات فأصبحت «مناطق خضراء» أي كائناً داخلاً في مخطط استهلاكي».

مع انتشار التقنية إذاً أصبحت الطبيعة كلّها «مدخرات». لكن الغريب أن الادخار لا يحيل هنا الى الثبات والبقاء والدوام. وإنما، على العكس من ذلك، الى الحركة والانتقال والزوال. لذا قال هايدغر «إن الكائن اليوم هو الكائن القابل للاستبدال». حتى الموت فقد اخترقته الطائرات، «فعلى/ على إصابة الرأس/ يتدرب الطيار». وفي مجموعته الأخيرة «محدلة الموت وهموم لا تنتهي» سأل رفقة الحياة والما – وراء، مثلما سأل الشعر، الذي كان يغريه ويدفعه إلى الكتابة في رحلة غنية ومليئة بالتشعبات. ونرى أن مناخات هذه المجموعة الأخيرة لا تشذ عن أجواء مجموعاته الأخرى حيث «لو يرى الموت/ أنه الجمجمة/ ألا يشتهي المقصلة؟».

من خلال ترجمات ﻷعمال الشعراء اﻷلمان ريلكه ونوفاليس وهيسه وسيلان وبريشت وغوته، عمل رفقة – وكثيراً ما كان اﻷول في ذلك - على تعريف الدول التي تتحدث العربية بروائع الشعر اﻷلماني. كذلك، أدى دور الوسيط بين العوالم الفكرية للشرق والغرب من خلال عمله أستاذاً للفلسفة فى الجامعة اللبنانية اﻷميركية في بيروت. والالتقاء بين الشعر اﻷلماني والفلسفة والذي وصفه رفقة يوماً بأنه «زلزال هزّ كيانه»، كان له تأثير مستمر حتى اﻵن على إنتاجه الشعري.

باختصار، يمكن القول إن فؤاد رفقة ساهم في إغناء التلاقي الألماني العربي من خلال الثقافة والشعر، فهو كان المطلع تماماً على هولدرلن وهايدغر وواسع الاطلاع على الشعر الألماني، وكان يعرف تراث هذا الشعر والكثير من الشعراء الألمان.

فؤاد رفقة، «السوري الأصل»، المولود في الكفرون (قرب حمص) قلّ ما يُعرف أنه من سورية، بل يُعرف على أنه شاعر لبنانيّ.

من قصائده

خربشات في جسد الوقت

من الظلم أن نتوقع من الكرمة ثمراً غير العنب، ومن الإنسان غير ما عنده.

في حفلة البارحة كان ساطع الحضور: سلامات، أحاديث، نظريات، نبيذ متعدد اللون. لكنه في الأمسية عينها كان الغائب الأكبر. بين اللحظات كانت تبرق من ثقوب العمر ملامح قديمة، متآكلة، في هدوء تتسرب إلى القلب وتصمت، كطائر في قفص، بين عينيه روائح إحراج لن تعود.

الحياة سلسلة من البدايات: شفق يتسرب من جدائل الليل، شمس تنحني على شفة البحر، لحن وراء نافذة، طائر يوقظ الفجر، عجوز في الشارع، غيمة، ثمرة فجة تلطم الأرض، وجه امرأة في المطار: هذه التفاصيل وسواها مفارق للرؤية الصاحية، للرؤية الواسعة الأحداق.

اليوم ذكرى ولادته. يخاف الالتفات إلى الخلف، يخاف أن يقوم بجرد حساب. فالغلَّة أقل بكثير من الدمع والأوجاع.

الطبيعة كائن حيٌّ، طاقة غير محدودة الأوتار والأحاسيس. ومع هذا، يعرِّيها الإنسان المعاصر، يجرِّدها من عباءتها، من أساطيرها وأسرارها، يحوِّلها إلى جسدٍ ميتٍ طمعاً بالمال والسلطة.

طويلاً تصبر، لكنها في النهاية تنفجر. فلا الصواريخ تجدي، ولا مركبات الفضاء، وقت الأعاصير وهدير البراكين