قبل عدة أسابيع كان الدكتاتور المزكرش ذو الأطوار الغريبة يستعد للقمة العربية القادمة بالتدرب على عرض مسرحي مبتكر, اهتم بكل التفاصيل الصغيرة التي يحتاجها عادة في عروضه المسرحية الموسمية: الملابس ذات الألوان والتصاميم الغريبة, النظريات الجديدة التي سوف تنقذ العالم, غلاف الكتاب الجديد الذي ألفه في خمس دقائق, العبارات الغريبة التي سوف تتناقلها محطات التلفزة.

Ad

كان غارقا في «بروفات» العرض المسرحي، ولم يشتت تركيزه سوى دخول أحد مساعديه ليخبره بأن جاره الأول هرب بعد ثورة شعبية مفاجئة، ولن يحضر العرض المسرحي, شعر باكتئاب خفيف، ولكنه قرر ألا يضيع وقته في التفكير بمصير جاره الذي كان مجرد دكتاتور صغير لا يجيد خنق شعبه حتى الموت، فعاد إلى «البروفات» بعد أن طلب من مساعديه شطب اسم هذا الدكتاتور الهارب من قائمة المدعوين.

بعد أيام قليلة دخل عليه المساعد المشؤوم ذاته ليخبره بأن جاره الآخر تنحى بعد ثورة شعبية هزت العالم أجمع, شعر بإحباط كبير هذه المرة ولكنه كان مصرا على استكمال «البروفات»، فتجاهل الأمر وانغمس في أحد المشاهد الكوميدية المؤثرة بعد أن طلب من من مساعده شطب اسم جاره الآخر من قائمة المدعوين, وحين أصبحت المسرحية جاهزة للعرض دخل عليه المساعد وهو يقول لاهثا: «سيدي القائد يبدو أن الاسم الثالث الذي سيتم شطبه هو اسمك!».

واليوم يعيش الدكتاتور المصاب بداء العظمة واحدة من أقوى نوبات جنونه، وهو يواجه فاتورة 42 عاما من القمع والاستبداد والتهريج السياسي, فأصبح يقصف البيوت الآمنة بالطائرات, ويتهم الشعب الثائر بتعاطي حبوب الهلوسة, ويستأجر المرتزقة ليفتكوا بأهل البلاد, ويرتكب المجازر البشعة تحت أنظار العالم أجمع, ويفكر في إحراق البترول, ويدعي أنه ليس رئيسا للبلاد بل قائد ثورات إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية! إنه اليوم يستخدم كل حيله البهلوانية المضحكة لإيقاف زحف الجماهير الغاضبة باتجاه قصره... يبحث عن أي وسيلة في هذا العالم تمكنه من الحفاظ على خشبة المسرح الهزلي الملطخة بدماء الأبرياء، وهو يصرخ بهستيريا: «شدوا الجرذان... شدوا الجرذان!».

لم يكن الدكتاتور المزكرش أكثر من مهرج شرير فتح باب الجحيم على نفسه, وقفز إلى سدة الحكم في غفلة من التاريخ فصنع تاريخا مشحونا بالغفلات المضحكة, كان يلهو ويلعب ويعبث كما يحلو له, ينصب الخيام في ميادين أوروبا, ويطبع الصور على ملابسه الغريبة, ويؤلف القصص القصيرة, ويحاول ابتكار دولة دون وزارات أو مؤسسات, ويخترع مشاريع وحدوية عجيبة, ويدعو حسناوات إيطاليا إلى الإسلام, ويشق نهرا صناعيا في بلده الصحراوي... ولكن المسرحية الطويلة المرعبة شارفت على الانتهاء, فها هو اليوم يغرق في بحر الدماء ويكتب السطر الأخير في الكتاب الأحمر... لقد كان وجوده في هذا العالم خطيئة تاريخية لا تغتفر, فهل يصحح التاريخ خطيئته الدامية ويلقى هذا السفاح جزاءه العادل؟!

* كاتب سعودي