أ – النهضة العامة في القرن التاسع عشر
مع أن دول المشرق العربي لم تخرج من إطار الإمبراطورية العثمانية رسميا إلا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، في مطلع القرن العشرين، فأن انتقال مصر من وضعها كولاية كاملة التبعية للسلطنة العثمانية (في القرون الثلاثة ما بين السادس عشر والثامن عشر)، إلى دولة شبه مستقلة (داخل الإطار القانوني للإمبراطورية) وذات مشروع نهضوي مميز قاده وأسسه محمد علي، وآل الحكم فيه إلى أبنائه وأحفاده من بعده طيلة قرن ونصف القرن، ان انتقال مصر إلى هذا الوضع شبه الاستقلالي المبكر عن السلطة العثمانية، قد أطلق فيها بعد الغزو الأوروبي الفاشل على أيدي نابليون بونابرت، عصرا من النهضة لم يؤد إلى إطلاق حيوية حضارية عصرية داخل مصر وحدها، بل أرخى بظلاله على دول المشرق العربي المتاخمة لمصر، وتناغم وتكامل مع التحولات الهامة التي طرأت على جبل لبنان، بين عهد الأمير بشير الثاني في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وعهد المتصرفية في نصفه الثاني.إن هذا الحراك السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي كانت مصر مركز انطلاق وإشعاع له، طيلة القرن التاسع عشر، وحتى انهيار الأميراطورية العثمانية، قد أطلقت حيويته المميزة، واحتكاكه المبكر بالحضارة الأوروبية على الشواطئ الشمالية للبحر الابيض المتوسط، نهضة موازية في جميع ميادين الثقافية. حتى يمكن القول أن مصر قادت، في القرن التاسع عشر، حركة عميقة شاملة كانت عبارة عن الجسر الذي عبرت عليه الأمة العربية انتقالا من عصور الانحطاط، إلى العصور الحديثة، في كل المجالات. إن هذا الكتاب هو أبعد ما يكون عن التوغل في تفاصيل هذه الحركة التاريخية الكبرى، وإنما يكتفي بهذا القدر من الإشارة العامة إليها، لإكتشاف الينابيع المباشرة التي انطلقت منها تلك الصحوة العصرية الشاملة في مصر في شتى الميادين الحضارية والثقافية، برغم كل الانتكاسات السياسية التي رافقت ذلك القرن، بما فيها هزيمة محمد علي في بلاد الشام، وتخبط مشروع الخديوي إسماعيل، ووقوع مصر تحت نير الاحتلال البريطاني المباشر في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر. ومن الأهمية بمكان أن نكرر في هذا المجال أن أثر هذه الصحوة لم يتوقف داخل حدود مصر، بل أنها أطلقت عملية تفاعل حقيقي، في حركة أخذ وعطاء، بين مصر وسائر أقاليم بلاد الشام على حدود مصر الشمالية – الشرقية، الأمر الكفيل وحده بتفسير تحول مصر بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، إلى قبلة طلاب الحرية وطلاب التقدم والترقي، بالنسبة لبلاد المشرق العربي، وخاصة سورية ولبنان (عبر فلسطين)، في مختلف مجالات الحياة العامة، من السياسة إلى الصحافة إلى المسرح إلى الموسيقى والغناء، إلى الأدب، وحتى الصناعة والتجارة.ان حيوية هذه الصحوة التاريخية لم تقتصر فقط على إعادة حراثة المجتمع المصري وخضه بقوة من حالة الركود التي طال مكوثه فيها، بل أنها تجاوزت ذلك إلى نشر بذور الحياة العصرية في هذه «الارض الاجتماعية»، بعد حراثتها وتخصيبها.ولقد تمثلت هذه العملية في موجات البعثات التعليمية المتواصلة إلى البلدان الاوروبية، ثم في إقامة المؤسسات العصرية في شتى المجالات العسكرية والزراعية والتربوية والصناعية والتجارية.ومع أن مرحلة هامة من هذه الحركة التاريخية، قد تم إنجازها على يدي محمد علي مباشرة، في النصف الاول من القرن التاسع عشر، فأن اندفاع الخديوي اسماعيل في مشروعه لتحويل مصر «قطعة من أوروبا»، قد أدى (برغم ما شابه من تهور وتخبط واسراف)، الى تحريك كل ما بقي راكدا في أعماق المجتمع المصري قرونا عديدة، في عملية مد وجزر بين اتجاه «الأوربة» من جهة، واتجاه اعادة اكتشاف ملامح الشخصية الحضارية المصرية، الضاربة عميقا في تراكم العهود الفرعونية والقبطية والاسلامية العربية. واذا كان غرض هذه الصفحات لا يتضمن تأريخا دقيقا للتحولات الشاملة التي عصفت بمصر والمشرق العربي في القرن التاسع عشر، بل يقتصر على لمس سريع لملامح النهضة التي أعدت المسرح لاستقبال موهبة استثنائية كموهبة أم كلثوم، ومواهب ملحنيها العباقرة، وصهر هذه المواهب في بوتقة مؤسسة فنية تحولت الى عمود أساسي من أعمدة الحياة الثقافية العربية في القرن العشرين، فأن من المفيد جدا استعراض سريع للثمار الناضجة لتلك الحركة التاريخية، المتمثلة بظهور كوكبة من الاسماء اللامعة في شتى حقول الثقافة، في حقبة قصيرة لم تتعد الثلث الاخير من القرن التاسع عشر.فبعد أن تزامنت حول انتصاف القرن التاسع عشر ولادة محمود سامي البارودي (رائد النهضة الشعرية الكلاسيكية العربية ومنهي عصور الانحطاط)، وولادة عبده الحامولي ومحمد عثمان وسلامة حجازي وأحمد أبو خليل القباني الدمشقي (السوري المتمصر)، عباقرة الموسيقى والغناء، الذين أعلنوا نهاية عصر الانحطاط في ميدان هذه الفنون، فقد شهدت المرحلة اللاحقة تزامن ولادة كل من أحمد شوقي (1868) وخليل مطران (1871) وحافظ ابراهيم (1872) وقاسم أمين (1865) وداوود حسني (1871). ثم جاء الربع الاخير من القرن التاسع عشر، وهو المرحلة الاكثر خصوبة فأنجبت مصر في المجال الادبي والفكري كلا من: أحمد حسن الزيات، ومحمد حسين هيكل، ومحمد تيمور، وأحمد أمين، وتوفيق الحكيم، وطه حسين وعباس محمود العقاد والمازني.وفي المجال الموسيقي والغنائي كلا من: كامل الخلعي، وأبو العلا محمد، وسيد درويش ومحمد القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم. ولم يتجاوز هذه الحقبة (بست سنوات فقط) من الاعمدة الاساسية في مؤسسة أم كلثوم، سوى رياض السنباطي، الذي ولد في العام 1906. وفي مجال المسرح، تزامنت في هذه الحقبة الاستثنائية الخصوبة ولادة كل من يوسف وهبي وزكي طليمات ونجيب الريحاني (من أصل عراقي) وبديع خيري وأحمد رامي وبيرم التونسي في مجال الشعر الغنائي. كما كان قد ولد في لبنان في الفترة نفسها الرائد المسرحي الكبير جورج أبيض، الذي أزهرت كل ثمار عبقريته في أرض الكنانة، بعد رحلة دراسية لفرنسا. وكان بديهيا أن يغنم القرن العشرون كل ثمار نتاج هؤلاء العباقرة، الذين ولدوا دفعة واحدة في تلك المرحلة ذات الخصوبة الاستثنائية في نهاية القرن التاسع عشر.فإذا أقفلنا ملف هذا الاستهلال الثقافي العام، للعصر الذي مهد لظهور أم كلثوم، وكوكبة شعرائها، وكوكبة ملحنيها، فأن من الضروري أن نفتح (ولو بإيجاز وتركيز) الملف الخاص بالنهضة الموسيقية للقرن التاسع عشر، لأنه الرحم الذي تكونت فيه موهبة أم كلثوم الغنائية، وموهبة رامي وبيرم في الشعر الغنائي، وموهبة القصبجي وزكريا والسنباطي في توليد إبداعاتهم الموسيقية الفذة، فيما بعد.ب – النهضة الموسيقية في القرن التاسع عشرلم تكن النهضة الثقافية والفكرية التي انطلقت في بعض أرجاء الوطن العربي في منتصف القرن التاسع عشر، سوى تكرار للسياق الطبيعي الذي تمر به كل الامم الحية عندما تدخل مرحلة صحوة جديدة، تحاول الخروج بها من مرحلة انحطاط طويل، أو سبات حضاري طويل. وهو سياق يرتكز في العادة (عندنا كما عند سوانا من الامم) على خطين يتكاملان حينا، ويتفاعلان حينا، ويتصارعان أو يتناقضان حينا آخر، كل ذلك في رحلة مخاض طويل، الى أن تتبلور وتستقر أسس النهضة الحديثة في سائر الحقول والميادين. ويمكن القول أن ما حققه العرب في هذا السياق، في حقل الموسيقى والغناء، قد يكون من أنجح المسارات وأغناها في الحياة العربية المعاصرة.ومع أن هذا المسار يتعرض الآن لانتكاسة واضحة، غير أن ما أنجز في مجال النهضة الموسيقية – الغنائية في القرنين الإخيرين، لا بد من استكماله، كما أنه يصلح لإستعارة خلاصاته الإيجابية، في حقول الحياة العربية العامة، التي ما زالت في طور التعثر.أما الخطان المتكاملان المتفاعلان المتصارعان عند انطلاق الامم الحية نحو مرحلة النهضة الحديثة، فيتراوحان بين التأثر الطبيعي بإنجازات الامم التي سبقت في هذا المجال او ذاك من مجالات الحياة، في العصور الحديثة، وبين اعادة اكتشاف معالم النهضة التي انجزت في عصور سابقة، في هذه المنطقة من العالم.وعلى سبيل المقارنة، فان هذا هو بالضبط ما فعلته الامم الاوروبية عند ما بدأت بعد القرن الخامس عشر رحلة خروجها من مرحلة السبات الحضاري الطويل، لتستعيد حيويتها الحضارية التي كانت لها قديما، أيام أثينا وروما. فوجدت نفسها بعد مرحلة طويلة من النقل والهضم والتمثل بمنجزات الحضارة العربية المتنقلة إلى أوروبا عبر قرون ثمانية في الاندلس، تعيد اكتشاف كوامن الحيوية الحضارية الأوروبية في عظمة أثينا القديمة في الفكر والثقافة، وعظمة روما في بناء أسس وعناصر الدولة القوية المزدهرة.وعندما بدأ العرب يفتحون عيونهم في مطلع القرن التاسع عشر على الانوار العصرية الباهرة القادمة اليهم من الضفة الشمالية للبحر الابيض المتوسط، فقد كانت قرون طويلة من الانحطاط تفصلهم عن عصور النهضة العربية الحضارية الضاربة في أعماق التاريخ. وفي مجال الموسيقى والغناء بالذات، الذي كان الوجود العربي في الاندلس آخر حلقاته المزدهرة، فان قرونا ثلاثة كانت (في بداية القرن التاسع عشر) تفصلنا عن هذه الحلقة الأخيرة (نهاية القرن الخامس عشر).عند هذا المنعطف التاريخي، كانت الامم الاوروبية قد أنجزت ثلاثة قرون من الإبداع الحضاري الموسيقي، لعل بالإمكان اختصار عصارته برموز تاريخية كبرى حتى ذلك الوقت (بداية القرن التاسع عشر) هي باخ وموزار وبتهوفن، وان كان الاحتكاك العربي بهذه الإنجازات قد تأخر حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.وهكذا، وجد العرب أنفسهم، في فجر صحوتهم الحديثة، أمام هذه الإنجازات الاوروبية الهائلة في مضمار الموسيقى، ووراءهم عصور من الازدهار الموسيقى التاريخي العربي بين الحجاز ودمشق وبغداد ثم الاندلس، ولكن المعضلة الكبرى كانت في إعادة الاتصال الحي بتلك الكنوز الحضارية الغارقة في لجة التاريخ، للانطلاق من آخر حلقاتها، ومواصلة المسيرة الحضارية العربية في مجال الموسيقى.كان السجل الوحيد المتوفر لتراث النهضة الموسيقية الغنائية العربية في العصر الذهبي الأول، يبدو محصوراً في الكتب التاريخية والنظرية التي سلفت الاشارة اليها في مقدمة هذا الكتاب.غير أن الجهود التي بذلت سابقا وحتى يومنا هذا في فك الرموز الموسيقية القديمة (الموازية لاساليب التدوين الحديث بالنوطة الموسيقية) لم تصل بعد الى درجة تمكننا من ترجمة المدون في هذه الكتب إلى أنغام مسموعة، يمكن أن يعاد عزفها وأداؤها في يومنا هذا.عند هذا الحاجز، كان لا بد من الالتفات إلى ما تبقى من التراث الشفوي، الذي وصل إلينا عبر الانتقال من جيل إلى جيل.ولقد تبين في هذا المجال أن الخط الذي ظل محتفظا بقوة اندفاعه، وبوضوح التراكم فيه من جيل لجيل، هو خط الإنشاد الديني. كما تبين أنه، بغض النظر عن التقلبات العملية بين تحريم الغناء والموسيقى وتحليلهما عبر العصور، فان قناة سرية (وأحيانا علنية) كانت تربط على مر الزمان (عندنا كما عند سائر الامم الحية منذ أيام الفراعنة والبابليين والإغريق) بين الإنشاد الديني والإنشاد الدنيوي، وهذا أمر منطقي بل بديهي، لأن كلا النوعين من الإنشاد إنما يغرف مادته اللحنية وفلسفته الجمالية من معين حضاري واحد، لدى كل شعب من الشعوب وكل أمة من الامم. بل أن الامر كان وما زال يتعدى ذلك، إلى تداخل أكثر مباشرة بين هذا النوعين من الانشاد، فتنتقل الحان معينة أو تستعار من هذا الحقل إلى ذاك، والعكس بالعكس. كما أن عددا من كبار المشتغلين بالموسيقى الدنيوية كانوا، على مر العصور، ينهمكون بوضع الحان وأناشيد ذات موضوع ديني، تماما كما حصل في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا، وكما حصل في الموسيقى العربية في القرنين الاخيرين (تجربة زكريا أحمد ورياض السنباطي وسيد مكاوي، على سبيل المثال لا الحصر). بل أن إفتتان بعض شيوخ الدين بالغناء الدنيوي، قد وصل ببعضهم في القرن التاسع عشر بالذات (وحتى القرن العشرين)، الى كتابة الاشعار الغنائية حينا، وتلحينها حينا آخر، وأدائها بأصواتهم حينا ثالثا (الشيخ علي محمود والشيخ محمد الفيومي على سبيل المثال)، مما أوجد لنا تراثا قيما تحمل أعماله عبارة "تراث قديم” نظرا لإغفال أسم الشاعر أو اسم الملحن.اذن، يمكن الاستنتاج بدرجة من الثقة، أنه إذا كانت عصور الانحطاط قد غيبت عميقا في باطن التاريخ تراث الغناء والموسيقى العربية الدنيوية، فان ما تسرب من هذا التراث وتغلغل في الإنشاد الديني، هو الحصيلة النغمية التاريخية الباقية في أسماعنا، بل والمتجذرة في أعماق الوجدان الفني والثقافي لشعوب هذه المنطقة من العالم.ومن المفيد جدا قبل إقفال هذا الملف، الإشارة إلى أن المقامات التاريخية الأصلية للموسيقى العربية تكون العمود الفقري الإنشاد الديني الإسلامي والمسيحي الشرقي كالبيزنطي (لدى الطوائف المسيحية الأرثوذكسية) والسرياني (لدى الطوائف السريانية والمارونية). مع إشارة ضرورية إلى أن كون الإسلام دين الغالبية العظمى لسكان المنطقة العربية ( وربما لأسباب أخرى ذات طابع فني) فان تراث تجويد القرآن الكريم والإنشاد الديني الإسلامي هو الأكثر تنوعا وثراء في هذا المجال، خاصة وأن الإنشاد الديني الإسلامي لم يحفظ لنا فقط الثروة الغنائية العربية التاريخية ، بل حفظ لنا أيضا كثيرا من الثروة الإيقاعية العربية.غير أن هذا الفضل الحضاري البارز لتراث الإنشاد الديني، يجب أن لا ينسينا أن بعض الألوان التراثية المتنقلة من جيل إلى جيل، في عدد من الحواضر العربية، مثل بعض مدن بلاد المغرب العربي، والقاهرة، وحلب وبعض المناطق الشمالية للخليج العربي، قد حفظت لنا فيما تبقى من فنون المالوف والموشح والصوت، قدرا لا بأس به من مادة التراث الموسيقي والغنائي العربي التاريخي.فإذا انتقلنا إلى الاثر العملي لهذه الخلفية التاريخية، في النهضة الموسيقية – الغنائية العربية في القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، فلا شك بأن الاثر العملي الاعظم كان لتراث الإنشاد الديني الاسلامي، الذي يلفت النظر أن كل العباقرة التاريخيين الذين رفعوا أعمدة النهضة الموسيقية الغنائية العربية المعاصرة ظلوا يغرفون من معينه، ويؤسسون معارفهم الموسيقية والغنائية على تراثه ، ابتداء من الشيخ عبد الرحيم المسلوب و عبده الحامولي ومحمد عثمان وسلامة حجازي وأبو خليل القباني، مرورا بالقصبجي وزكريا أحمد وسيد درويش والسنباطي ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وصولا الى الشيخ سيد مكاوي في النصف الثاني من القرن العشرين. فالإنشاد الديني الإسلامي كان الاكاديمية الكبرى التي تخرج منها كل هؤلاء العباقرة.ان موضوع تراث الإنشاد الديني في الحياة الثقافية والحضارية لشعوب هذه المنطقة من العالم، على مر العصور، ودور هذا التراث كحافظة تاريخية للذاكرة الفنية لشعوب المنطقة، ثم أثر هذا التراث في تحفيز النهضة الموسيقية- الثقافية الحديثة وتزويدها بقاعدة ارتكاز تاريخية صلبة، ما كان لهذه النهضة أن تقوم على سواها، ان هذا الموضوع بكل تفاصيله الهامة، يحتاج بلا شك الى دراسات واستقصاءات علمية معمقة ومطولة، ما زال العرب مقصرين في مجالها الى أبعد مدى. ولكننا نكتفي في هذه الاسطر بهذه الإشارات المركزة الضرورية لنفهم بالعمق أسس وملامح النهضة الموسيقية - الغنائية التي مهدت لظهور مغنية بوزن وأهمية أم كلثوم، وظهور عباقرة التلحين الثلاثة الذين صنعوا الأعمدة الأساسية لعظمتها الفنية، إضافة إلى أستاذها الأول الشيخ أبو العلا محمد، كما سنرى في الفصول التالية من الكتاب.وخلاصة الأمر، أنه عندما حرك عصر محمد علي، ومن بعده عصر الخديوي إسماعيل، حوافز النهضة في مصر، ذلك القطر العربي المركزي بين مشرق الوطن العربي ومغربه، وجد رواد النهضة في كل ميادين الحياة العامة أنفسهم بين خطين متوازيين متكاملين متفاعلين متصارعين:خط التأمل في إنجازات الأمم الاوروبية التي كانت قد قطعت ثلاثة قرون كاملة في استكمال ملامح حضارتها المعاصرة في كل الميادين، ومحاولة استخلاص ما يفيدنا من عبر ودروس، للخروج من سباتنا الحضاري الذي طال وامتد.خط إعادة اكتشاف آخر حلقات التقدم الحضاري العربي التاريخي، للارتباط بها أولا، ثم ربطها بحلقات التقدم العربي الحضاري المعاصر، في سلسلة متجانسة قابلة للحياة والاستمرار.في مجال الشعر، على سبيل المثال، اعاد الشاعر والسياسي المصري محمود سامي البارودي (المولود في العام 1840)، الارتباط بنماذج الشعر العربي الكلاسيكي في العصرين الذهبيين الاموي والعباسي، وراح ينسج على منوالها أشعاره الحديثة، قفزاً فوق عصور الانحطاط الادبي التي تفصلنا عنها، وتجاوزاً لتلك العصور. ثم جاء أحمد شوقي (المولود في العام 1868)، يتابع مهمة البارودي ويطورها، منطلقا من الاسس نفسها، ومكملا السياق نفسه.أما في الموسيقى، فقد قفز رواد النهضة الأوائل، وعلى رأسهم الشيخ عبد الرحيم المسلوب، من فوق عصور الانحطاط وأعادوا ارتباطهم بآخر حلقات النهضة الموسيقية العربية (عبر النماذج الثرية للإنشاد الديني، وما تبقى لنا من نماذج الموشحات وألوان الغناء التقليدي بالتواصل الشفوي).وكان بديهيا أن يتابع الرواد الآخرون من جيل تلامذة المسلوب السياق نفسه( كما استند شوقي في تجربته إلى البارودي). غير أن مهمة استكمال حلقات التطور الموسيقي – الغنائي، بعد إتمام مهمة الاتصال بآخر حلقات التراث الذهبي للموسيقى العربية، قد مرت بعد ذلك بمخاض طويل، لم يكن بعيدا (وقد كنا ما نزال في إطار الإمبراطورية العثمانية) عن التأثر بنماذج الفن العثماني. وقد تعمدت هنا استخدام صفة العثماني، بدل التركي، اعتقادا مني بأن الفنون الموسيقية والغنائية التي كانت الأستانة مسرحا لها، خاصة في القرن التاسع عشر، لم تكن (في الغالب) ذات نقاء تركي خالص، بل كانت على الأرجح خلاصة لأربعة قرون من تعايش خليط هائل من الشعوب في إطار الإمبراطورية العثمانية لأربعة قرون كاملة. ولا شك بأن من أغنى هذه الشعوب في تراثها الحضاري، شعوب الأمة العربية، خاصة التراث الموسيقي – الغنائي. وهكذا، جاءت نهضة القرن التاسع عشر، في مجال الموسيقى والغناء، مخاضا حضاريا عميقا من تفاعل المخزون العربي التراثي في الموسيقى والغناء والإنشاد الديني، مع نماذج الفنون الموسيقية الغنائية لبقية شعوب الإمبراطورية العثمانية، مع اتجاه إلى إبراز أشد وضوحا وتميزا للملامح العربية الخاصة، كما يبدو بكل وضوح وجلاء في عيون ما وصلنا من تراث القرن التاسع عشر، خاصة في أعمال المسلوب وفي تطوير محمد عثمان الهائل لفني الدور والموشح، ونتاج كامل الخلعي المجسّد بعدد وافر من الموشحات المتطورة والباذخة الثراء في تنوعها النغمي والإيقاعي، ومجهود أحمد أبو خليل القباني في فن الموشح، وفنون الغناء المسرحي، ودور عبده الحامولي في تطوير فن الدور، وتطوير أساليب الوصلة الغنائية المكتملة الشكل والمحتوى، والجهود الكبيرة والمميزة التي بذلها الشيخ سلامة حجازي في إرهاصات الغناء المسرحي المستند إلى فن القصيدة، ونتاج داوود حسني الغزير في فني الموشح والدور.هذه هي الملامح العامة لمشهد النهضة الموسيقية – الغنائية العربية في مصر، مع نهاية القرن التاسع عشر، زمن ولادة أم كلثوم.وإذا كانت هذه الصورة كافية لتحديد ملامح البيئة الفنية لأم كلثوم عند الولادة، فلا بد، عند الحديث عن بداية احتراف أم كلثوم للفن بعد انتقالها النهائي من قريتها الريفية إلى القاهرة، من استكمال هذه الصورة بلمحة عن الأوضاع العامة الجديدة لمصر وعاصمتها القاهرة، في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية، ودخول المجتمع المصري في صدام مباشر مع الاحتلال البريطاني في ثورة 1919، سعيا إلى استكمال ملامح شخصيته الوطنية والقومية المستقلة سياسيا وحضاريا، ولكن ذلك حديث مؤجل لصفحات لاحقة في هذا الكتاب. إلياس سحابغــــــــــــــــــــــــــداًالسيرة الشخصية وطماي الزهايرة
توابل - سيرة
أم كلثوم... السيرة والأغاني (الحلقة الأولى) المسرح يتهيأ لظهور أم كلثوم وشعرائها وملحنيها حقبتها استثنائية فقد أنجبت كامل الخلصي وأبو العلا محمد وسيد درويش وزكريا أحمد ومحمد عبدالوهاب وأم كلثوم والسنباطي
12-08-2010