● كيف ترى أسباب تراجع العلوم الإنسانية في العالم العربي والإسلامي؟ـ الحقائق العلمية تؤكد أن العالم الإسلامي متخلف لأن العلوم الإنسانية فيه متخلفة، فالأدب والفلسفة والفقه وعلم الشريعة والأجناس والقانون وتاريخ الأديان المقارن وعلما النفس والاجتماع لدينا علوم متخلفة لا تتحرك إلى الأمام في الوقت الذي سبقنا العالم كله فيها، وإننا في داخل العالم الإسلامي منذ ربع قرن ونحن نصمم على الحديث عن طقوس الإسلام ليل نهار ونختصر الإسلام فيها وليس هذا المفهوم الحقيقي للإسلام، فكثرة الحديث عن شيء معناه أنه مفرغ من القيم، وهذا ليس بصحيح، فالإسلام ليس لحية رجل ولا حجاب امرأة ولا مائدة رحمن ولا قراءة قرآن.
● ظهر على الساحة الإسلامية خلال الأعوام الأخيرة جيل من الدعاة يهتم بالمظهر ويبتعد كثيراً عن جوهر الإسلام، فكيف تنظر إلى هذه الظاهرة؟ـ للأسف الشديد هؤلاء الدعاة حولوا الدعوة الإسلامية إلى تجارة، ووسيلة لتحقيق مكاسب مادية مهملين الجوانب الأصولية في الفكر الإسلامي المستقيم المبتعد عن المظاهر، فإنهم يركزون على الأثر المظهري كاللحية والحجاب دون التطرق إلى تعليم العقول، ما أدى إلى سهولة استقطاب الشباب للعقائد الشاذة وأفكار جماعات «عبادة الشيطان والإيموز ليست»، فتم تغييب الدعاة الفاعلين عن عمد في وسائل الإعلام والفضائيات، وتم إبراز هؤلاء الدعاة الذين يحصرون الإسلام في مظاهر لا تغني ولا تسمن من جوع، والعالم اليوم خصوصاً الغرب ينتظر من المسلمين تقديم فكر تاريخي بصورة واقعية، ولكن للأسف فإن البضاعة تأتيهم رديئة في صورة دعاة وأئمة لا يعرفون أصول ومناهج الإسلام الحديثة، فقط يتحدثون عن إسلام العصور الوسطى وكأن الإسلام لا يتفاعل مع التطورات الحديثة في العصر الراهن.● لديك مقترح بإنشاء مركز عالمي للحوار بين الأديان بجامعة الأزهر، فما الهدف من هذا المركز، وكيف يمكن استثماره لتقديم الفكر الإسلامي الصحيح من خلال الحوار؟ـ بالفعل أنا من أشد المطالبين بضرورة إنشاء مركز عالمي لحوار الأديان والدعوة الخارجية بجامعة الأزهر يستفيد منه العالم الإسلامي بشكل عام في حواره مع الآخر، ويضم بين أعضائه مفكرين إسلاميين لهم علاقة بالغرب، وأحاول خلال المرحلة الحالية اتخاذ الخطوات الفعلية لتنفيذ هذه المبادرة، بعد أن تركنا دستور الخطاب الإسلامي لهواة لا يعرفون شيئاً وفتحنا لهم القنوات الفضائية يقولون فيها ما يريدون، خصوصاً أن العلماء المستنيرين في العالم الإسلامي عامة والذين يعيشون في الغرب بشكل خاص يملكون وسائل فعالة للقضاء على هذه الصورة المغلوطة عن الإسلام، ففي فرنسا مثلاً يقيم المسلمون كل عام في ضواحي باريس مهرجاناً عالمياً، غير أننا لا نحسن استغلاله، إذ يقدم فيه شيوخ متطرفون صورة خاطئة عن الإسلام للشباب الفرنسي، لذلك فإنه يجب إعداد جيل من المحاورين المسلمين يكون قادراً بالفعل على إدارة حوار متكافئ مع الآخر، وسيكون هذا المركز المقترح نواة طيبة لإعداد هذا الجيل.● كيف تنظر إلى الحظر الفرنسي للنقاب، وهل يمثل هذا الأمر قضية أساسية بالنسبة للمسلمين في فرنسا؟ـ أزمة النقاب في فرنسا قضية هامشية، وللأسف الشديد فإن المسلمين في فرنسا شغلوا الدنيا به وتركوا قضيتهم الأساسية، التي تؤصل حقهم في المشاركة السياسية الفاعلة المبنية على حقوق المواطنة الحقيقية، كل هذا يؤدي إلى النظرة السلبية للإسلام من قِبل الغرب كانعكاس لسلوك المسلمين، وقضية النقاب في عمومها مختلف عليها بين العلماء المسلمين أنفسهم، والرأي الغالب فيه أنه عادة وليس عبادة، ومن ثم فترك المسلمة الفرنسية له أفضل، ويجب على المجتمع المسلم في فرنسا أن يعمل على تجذير وجوده في الأراضي الفرنسية ولا يشغل نفسه بهذه القضايا الفرعية.● بصفتك تعيش في الغرب من أكثر من 40 عاماً كيف ترى نظرة الغرب للإسلام والمسلمين في الوقت الحالي؟ـ هذه النظرة يمكن ترجمتها من خلال وصف الغرب الدائم للمسلمين بالإرهاب والتطرف والتشدد والتعصب، وجاء ذلك نتيجة التخلف الحضاري الموجود لدينا منذ سنين، ولكن قصر التخلف على نقص الإمكانات والتكنولوجيا والعلم الحديث خطأ كبير لأننا نستطيع شراء كل ذلك، ففي دول الخليج توجد حضارة أفضل من الموجودة في أوروبا وأميركا ولكنها مازالت حضارة في المباني الشاهقة والاستهلاك التكنولوجي وليست حضارة إعمار وتقدم الإنسان نفسه، ولذلك سيظل الغرب ينظر إلى العالم العربي والإسلامي على أنه مجرد أرض خصبة لاستهلاك منتجاته وليس العالم القادر على إنتاج الحضارة الإنسانية، وهناك سبب آخر جوهري جداً يكمن فينا نحن المسلمين وهو أن العالم الإسلامي يعاني أزمة دينية شديدة أخطر ما فيها فوضى الخطاب الديني، فأكثر من 99 في المئة من الذين يتحدثون في الدين غير مؤهلين، وغير دارسين، بالإضافة إلى أن عدداً كبيراً من الدارسين للإسلام لا يعرفون المناهج الحديثة لفهم الإسلام والمناهج الحديثة ليست إلغاء للفكر والتاريخ.● من وجهة نظرك ما هو السبب الرئيسي وراء هذا الخوف المبالغ فيه من الإسلام في الغرب؟ـ يوجد سوء تفاهم متبادل سببه بعض أفعال المسلمين، والغرب مسؤول أيضاً عنها، وهناك موجة في العالم كله من التخويف من الإسلام صنعتها أوروبا وصنعناها معها، وساعدناها، فلقد صنعت أوروبا الخوف من الإسلام بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، حيث كان لابد أن يوجد الآخر المواجه لأوروبا فقيل إنه سيكون الإسلام، وذلك في الوقت الذي نشأت فيه حركات تطرف، وقالت أوروبا من وقتها: هذا هو الإسلام، وما ساعد على ذلك هو سكوت المسلمين وكأنه حقيقة، ومن بين الأسباب كذلك في توجه الغرب بالعنف إلى الإسلام ونشر الخوف منه أن باحثي أوروبا لا يرون ماذا يحدث بشكل موضوعي في العالم الإسلامي، وهذا يدعمه وجود تعميم في أن الغرب كله أسود وأنه ضد الإسلام، فلا نحاول الاتصال به بشكل جيد لتعريفه بالإسلام، كما أننا لا نمارس النقد الذاتي، وهذه حالة مرضية لابد أن نخرج منها، ولمعالجة هذه الأزمة يجب علينا أن نفهم الآخرين بلغتهم ومنطقهم وثقافتهم حتى يفهمونا بثقافتنا ومنطقنا، وأن نفرق بين الإعلام والدولة، حيث يعيش إعلام الغرب حالة من الفوضى تجاه التعرف الحقيقي على الإسلام، بينما في الجامعات الغربية هناك نقد علمي موضوعي صحيح للإسلام والمسلمين، ويجب استغلال الجاليات الإسلامية في أوروبا والغرب لتصحيح صورة الإسلام، لأن الجاليات الإسلامية في أوروبا أحسن فهماً وتعبيراً عن الإسلام للعالم الأوروبي من العالم الإسلامي لأنهم على أرض الواقع، ولكن عليهم ألا ينقلوا أنظمة بلادهم الثقافية والحياة اليومية التقليدية، والخلط بينها وبين الدين، وهو ما يتسبب في تزايد الرفض للإسلام، خصوصاً في ما بتعلق بالمظهر العام، يمكن للجاليات الإسلامية أن تصحح الصورة عن الإسلام من خلال إنشاء جمعيات إسلامية تعمل في هدوء وتفاهم في التواصل مع المجتمع الغربي، وإظهار الإسلام بصورته الحقيقية كدين يقبل الآخر ولا يصطدم معه، وأن يضربوا من أنفسهم مثالاً كعنوان إيجابي عن الإسلام ومبادئه، كما على الجالية الإسلامية أن تقبل بالمواطنة في أوروبا.● أنت صاحب فكر مختلف عن العلمانية فأنت من القلائل الذين يقولون إنها لا تعادي الدين فما تعليقك؟ـ أنا لا أدافع عن العلمانية لكني أراها ليست ضد الإسلام وهي بيئة صالحة جداً لأن يعيش فيها الإسلام، والمشكلة أن الناس ترى أن العلمانية فصل الدين عن الحياة وهذا لا أرضاه، لكني أرى فصل الدين عن الدولة بمعنى ألا تستخدم الدولة كستار لتحقيق أغراض سياسية، وهذا دأب الحكومات الإسلامية منذ العهد الأموي، فمثلا قضية الإمام ابن حنبل ومسألة خلق القرآن حيث تم جلده وتعذيبه وسجنه، والحقيقة أن هذه القضية تم استغلالها لأغراض سياسية، والبعض منا يجهل هذه الأسباب، وهي رغم أن الخلافة الإسلامية كانت غنية جداً كان هناك نوع من الظلم وفقراء مسحوقون وكان ابن حنبل ولياً لعامة الفقراء، والدولة خافت منه حتى لا يشعل نار الثورة على الخلافة، ومن هنا تم توظيف الأغراض السياسية تحت عباءة الدين، كذلك محنة الحلاج ظلموه بزعم أنه قال أنا الله وأنا الحق ورموه بالكفر، لكن ليس هذا هو السبب الحقيقي، وتم أيضاً توظيف الخطاب الديني لخدمة الأغراض السياسية، والحقيقة أن بغداد كانت تعيش مجاعة والناس كانت تأكل الكلاب والحيوانات، والخلافة وقتها لم تستطع حل هذه المشكلات التي تهدد المسلمين مع انتشار الفساد في البلاط، والحلاج كان دائماً يقول للمسلمين «ثوروا أو موتوا»، مطالباً الفقراء بالثورة على الحكام بدعوى أن الله لم يرد لعباده هذا الظلم والهوان، وعملت الخلافة وقتها على ضرب عصفورين بحجر واحد، فالأول قالوا إن الحلاج كافر والثاني ان الدولة تدافع عن الدين، لذلك أرى فصل الدين عن الدولة وليس عن الدنيا والتي يمكن أن تكون إحدى الوسائل لحل مشاكلنا، وأكرر أن العلمانية ليست كفراً فهي أن الدولة لا تتدخل في الدين والعلمانية في فرنسا متصالحة مع الدين وليست متخاصمة معه.
توابل - دين ودنيا
د. محمود عزب أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة السوربون: العلمانية ليست كفراً وفصل الدين عن الدولة لا يعني إقصاءه عن الدنيا
20-08-2010
د. محمود عزب أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة السوربون بفرنسا أحد علماء الأزهر الذين استوطنوا الأراضي الفرنسية منذ أكثر من أربعين عاماً، حتى أصبح أحد الأركان الركينة في العمل الإسلامي في الغرب بشكل عام وفرنسا بشكل خاص، وله كثير من الآراء المثيرة للجدل، فهو من الذين يؤيدون أن العلمانية ليست ضد الدين وبل هي فصل الدين عن الدولة لا عن الدنيا، ويحمل العالم الإسلامي نتيجة تخلفه لعدم اهتمامه بالعلوم الإنسانية، ويطالب بعدم حصر الإسلام في مظاهر خادعة وإنما تقديمه للعالم خصوصاً في الغرب في ثوبه الصحيح، وكثير من الآراء الأخرى للدكتور عزب رصدتها "الجريدة" خلال حوارها معه أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة.