الفقيه السوري المعروف د. وهبة الزحيلي لا يعرف في حياته إلا سبيل العلم والذود عنه والعمل من أجل نفع المسلمين. له الكثير من المؤلفات تزيد على السبعين كتاباًَ، منها أربع موسوعات هي «الفقه الإسلامي وأدلته» و«التفسير المنير» و«أصول الفقه الإسلامي» و«موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر» وقد تُرجمت كتبه إلى لغات أجنبية عدة، وشارك في مئة وثمانين مؤتمراً، حتى إنه يحضر في الشهر الواحد أكثر من مؤتمر في البلدان العربية والإسلامية، وهو عضو في كل المجامع الفقهية الإسلامية على مستوى العالم. «الجريدة» التقت الزحيلي خلال زيارته الأخيرة للقاهرة، وكان لنا معه هذا الحوار:
* يتحدث الكثيرون عن التجديد في الفقه الإسلامي فكيف ترون أهم شروط التجديد في ظل الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام خاصة في ثوابته؟- لا حياة للمسلمين بدون تجديد، فالفقه الإسلامي ليس كالقوانين الوضعية فأحكام الفقه هي وحي إلهي، ولكن يجب أن ندرك أن الفقه الإسلامي منه ما هو ثابت، تعبر عنه الأحكام المعروفة من الدين بالضرورة والأحكام المنقولة بدليل قوي لا يقبل التأويل أو النسخ أو التعديل، فهذه ليست آراء لنا، ولكنها أحكام شرعية من الله عز وجل، وهذه الثوابت لا يجوز الاقتراب منها، وعلى الجانب الآخر فهناك قضايا تخضع للقاعدة التي سنها العلماء تحت عنوان: «تتغير الأحكام بتغير الأزمان أو الأماكن» وهذه القاعدة تعبر عن ضرورة التجديد فيما بُني من هذه الأحكام على العرف أو العادة أو المصالح المرسلة أو القياس فهذه تقبل التجديد، ثم إن الحوادث الطارئة أو النوازل الجديدة كلها لم تأت بها أحكام سابقة بسبب تطور الحضارات والنقل البري والبحري والجوي ومشكلات في كثير من العقود الحديثة التي لم تكن معروفة فيما مضى، ولهذا فمن الضروري أن يكون هناك تطور في بيان الأحكام الشرعية ليعرف الحلال من الحرام بدلا من أن يضطر الناس إلى أن يصبحوا من الآثمين، فالإنسان حينما يجد رأياً، ولو كان ضعيفا منبعه من الإسلام فإنه يفضل الأخذ به والحمد لله فقد جاء الاجتهاد الجماعي وهناك عدة مجامع فقهية منها مجمع البحوث بمصر ومجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة ومجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة ومجمع فقهاء الشريعة بأميركا ومجمع الفقه الإسلامي في السودان وهذه المجامع عالجت بفضل من الله تعالى كثيرا من القضايا الطبية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والقضايا الشرعية التي فيها اختلاف، وبهذا فإن هذه المجامع الفقهية جددت الفقه وحرّكته وغطت ما يحتاج إليه كثير من الناس في بيان الأحكام الشرعية، ولهذا فأنا أناشد كل من يطالبون بتجديد الفقه أن يؤكدوا على أن يكون ذلك عبر الاجتهاد الجماعي، وأن يقوم بذلك العلماء الأعضاء في المجامع الفقهية المعتبرة حتى لا يختلط الحابل بالنابل في هذا المجال.* وما رأيك في العلماء الذين يقولون إن الاجتهاد الحقيقي يبدأ مع النص، وإن مقولة «لا اجتهاد مع النص مقولة خاطئة»؟- هذا الكلام يتردد منذ فترة طويلة وقد وقع العديد من العلماء في هذه الورطة، فقال بعضهم عن علم أصول الفقه إنه علم نشأ ثم نضج ثم احترق، وهكذا فهم العلماء بصورة خاطئة موضوع إغلاق باب الاجتهاد، حيث اعتقدوا خطأ أن باب الاجتهاد تم إغلاقه تماماً منذ القرن الرابع الهجري، وذلك فهم خاطئ للأحداث التاريخية، لأن الثابت أنه لا أحد يملك إغلاق باب الاجتهاد لأنه ضرورة حتمية لضمان خلود هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، والله سبحانه وتعالى لم يهمل عقول هذه الأمة، ونحن لو قلنا بإغلاق باب الاجتهاد فهذا يعني أننا عطلنا الشريعة، نعم هناك نصوص ثابتة، ولكن هناك حوادث متجددة تتطلب اجتهادا، فالاجتهاد فرض وليس مجرد متعة والتاريخ الإسلامي يقول إن إغلاق باب الاجتهاد في أواخر القرن الرابع الهجري كان من قبيل السياسة الشرعية، فقد دخل في الإسلام أناس أرادوا نقد الإسلام من داخله ولم يكن لديهم الأهلية ولا الكفاءة ولا الإمكان ولا القدرة على الاجتهاد، ولما أحس العلماء الواعدون بخطورة من أرادوا هدم الفقه الإسلامي من داخله أغلقوا باب الاجتهاد في وجه هؤلاء الذين هم ليسوا أهلاً للاجتهاد إغلاقاً مؤقتاً من باب السياسة الشرعية التي تعالج فوضى معينة وظرفا طارئا، وعندما زال هذا الظرف عاد العلماء الموثوق في علمهم إلى الاجتهاد وعاد الحكم الشرعي، والرسول صلى الله عليه وسلم أول من دعا إلى الاجتهاد ودعا إلى التجديد وإلى ما يحقق مصالح الناس في الزمان والمكان، والاجتهاد ينطلق من النص، ونحن في اجتهادنا أسرى النصوص لأن الإسلام شريعة إلهية.* كيف ترى التجديد في مجال الفقه الاقتصادي؟ وهل تدلنا على أبرز نقاط التجديد في هذا المجال الحيوي؟- الفقه الإسلامي قدم مبادئ اقتصادية عظيمة لو أحسن المسلمون، بل وغير المسلمين، استخدامها لما تعرض العالم لأي من الأزمات المالية المتلاحقة التي تزيد الفقير فقرا وتطحن الدول الفقيرة بشكل مثير للشفقة، وبالنسبة للتجديد على صعيد الفقه الاقتصادي، فإنه يكفينا القول إنه لولا أن العلماء والفقهاء المحدثين اجتهدوا وجددوا لما ظهرت إلى الوجود المصارف الإسلامية بكل ما قدمته إلى المجتمعات التي ظهرت فيها، ويكفي البنوك الإسلامية شرفا أنها الهيئات المالية الوحيدة في العالم كله التي نجت من إعصار الأزمة المالية الحالية، التي جعلت الاقتصاد العالمي كله ينكمش بصورة غير مسبوقة، وقد تأكد العالم كله أن الربا هو سبب الأزمة، وهذا دليل حي على عظمة التشريعات الاقتصادية التي جاء بها الإسلام، إذ حرمت الشريعة الإسلامية الربا منذ أربعة عشر قرنا من الزمان والله سبحانه حذرنا من الربا وشروره ومساوئه التي تقضي على المجموعات وتنشر الفقر بينها، لذلك جاءت فكرة البنوك الإسلامية التي لم تتعرض للهزات والأزمة المالية، وهي التي أقنعت العالم غير الإسلامي بأن هذه البنوك تسير على الطريق الصحيح الواضح الذي يجب أن تسير عليه البلاد كلها، لذلك نجد الآن حتى المصارف الربوية بدأت تفتح أفرعاً لها بالتعامل الإسلامي، إذن ثبت أن في الكتاب والسنة النظام الاقتصادي الصحيح، لأنه وضع من لدن حكيم خبير، وهذا النظام هو الذي يجب أن يتم الرجوع إليه، والبنوك الإسلامية تعتمد على 27 عقدا من عقود الفقه الإسلامي، وقد نجحت في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية عن طريق القروض الحسنة وعن طريق الزكاة أيضا.* فوضى الفتاوى من المشكلات التي تؤرق مجتمعاتنا الإسلامية في الفترة الأخيرة فكيف نواجه تلك المشكلة ونتغلب عليها؟- كثير من الإعلاميين يريدون تدمير هذه الأمة، إذ يأتون بمن ليس مؤهلا، والذين يشرعون، وأغلبهم من غير المختصين والباحثين عن الشهرة، ويستخدمونهم في الرد على أسئلة وفتاوى الناس وهو جاهل لا يعرف حقيقة الأحكام الإسلامية، وهؤلاء أوقعوا الناس في حرج، ولا تجد فرقا بين واحد وآخر، لأنهم يتكلمون عن جهل، فهذا أكبر خطر هز الوسط الإسلامي بسبب هذه الفتاوى المتضاربة لعدم وجود أهلية للفتوى عند هؤلاء، ولأنهم لا يفتون بالرأي المعتمد ويلجأون إلى ما يسمونه بالتيسير والتسهيل ويوقعون الناس في بلبلة شديدة وهؤلاء هم خونة يخونون الله والرسول وأصول الإسلام ويؤدون إلى انتشار ما يمكن أن نطلق عليه اسم «فتاوى الرصيف»، والواقع يؤكد أن قضايا الفتاوى في البلاد العربية أصبحت فوضوية ولهذا فالحاجة ماسة إلى وجود مرجعية تشرف على هذه الأمور وتضع على كل واحد رقيبا بحيث لا يتجاوز الصلاحيات التي ينبغي أن يمارسها، كذلك يجب مواجهة الجهل بسبب إغراءات القنوات الفضائية التي تملك أسلوبا منمقا من الكلام الذي يرضي المذيعين والإعلاميين، مما جعل هذه البضاعة رائجة ويأخذون المكافآت على هذه الأعمال، فأدى ذلك إلى أن نسمع فتاوى متناقضة ومضادة ومصادمة لأصول الشريعة، حيث إن الفضائيات دخلت كل بيت وأصبحت تؤثر في الجميع.
توابل
د. وهبة الزحيلي عضو المجامع الفقهية العالمية لـ الجريدة: الاجتهاد ضرورة حتمية لضمان خلود الشريعة وإغلاقه خطر على الإسلام
20-09-2009