يقوم سيّاح كثر بجولة تحت الأرض في السرداب الإمبراطوري the Imperial Crypt، موقع تراثي شهير عالمياً يقع تحت مدينة فيينا في النمسا، لكن المرقد الأخير لأقوى سلالة في أوروبا سابقاً ضحية إهمال الدولة النمساوية.

حين يسدل الليل ستائره، تخيّم الوحدة على ليوبولد الأول. يرقد الإمبراطور الراحل داخل تابوته المستقر في مشغل السرداب الإمبراطوري المهجور. كان عامل الترميم غادر عمله قبل ساعات، ووحده الأب غوتفرايد يجول بمفاتيحه المجلجلة للتحقّق من القبو.

Ad

يكشف ضوء النيون عن زخرفات معقّدة تزيّن التابوت القصديري الضخم الباروكي لحاكم هابسبورغ السابق، مثل مخالب أسد، أفاع، وصقور ذات أجنحة ممدودة على وسعها. وُضع رأس الميّت المصنوع من الرصاص، والمنفصل عن التابوت، على منضدة العمل بين فراشي الأسنان ورغوة الصابون، لإزالة طبقات الشمع والغبار التي تراكمت عليه طوال أكثر من 300 عام.

كان الرجل المدفون في هذا التابوت العظيم المغطّى بالغبار أقوى ملوك القارة. حكم ليوبولد الأول الإمبراطورية الرومانية لنحو نصف قرن، بدءاً من العام 1658. فأجبر القوّات التركية على التقهقر عن فيينا، وهزم ملك فرنسا لويس الرابع عشر، ومهّد الطريق لإمبراطورية امتدت حتّى هولندا، جبال الكربات، سيليزيا، وسردينيا.

من أصل أقارب ليوبولد الأول من أسرة هابسبورغ البالغ عددهم 146 والذين دُفنوا في ذلك الجزء من السرداب المُتاح أمام الجمهور، وحده الإمبراطور فرانز جوزيف الأول حكم لفترة طويلة. لكن هذا الأخير الذي يرقد في تابوته النحاسي المتين منذ العام 1916، لم يُضطر بعد إلى زيارة المشغل. أرخى الزمن بأثره على أولئك الذين توفوا في وقت سابق ووُضعوا في توابيت قصديرية. على مدى قرون، كان السرداب في غاية البرودة والرطوبة. فتشققت الوجنات الجصّية لتماثيل الملائكة الصغار الفخمة، وتآكلت أغطية الأضرحة القصديرية وصفائحها الأساسية، حتّى أن بعض التوابيت يوشك على التداعي كلّياً.

مهام حساسة

يشرح أحد الموظفين الذي يعمل منذ زمن طويل في السرداب، المهام الحساسة اليومية في نعش أكثر السلالات نفوذاً في أوروبا سابقاً: {حين تبدأ حال التوابيت بالتدهور في السرداب، يأتي أشخاص من الخدمة الجنائزية في فيينا حاملين معهم أقنعة حامية وتابوتاً. تُحفظ الرفات في التابوت لفترة موقّتة بينما يرممون التابوت القديم. من ثم توضع الرفات مجدداً في التابوت الأصلي وتُطبّق عليها مجدداً الطقوس الضرورية لجعلها مقدّسة إن استدعت الحاجة}. تتيح عملية نقل الرفات من تابوت إلى آخر إلقاء نظرة خاطفة إلى الجثث التي تشغل هذه التوابيت. يقول العامل بلهجته الفيينية المتشدقة: {لا يزال معظمها بحالة جيّدة، على رغم أنها أصبحت هياكل عظمية، لكن لا يزال الشعر نامياً عليها، وترتدي ثياباً مطرّزة وأحذية عالية الكعب، وأيديها مثنية فوق مسبحة. لكن أحد هؤلاء الأموات، أمير، يبدو بحالة سيئة}.

يشكّل السرداب أحد المعالم الرئيسة المستقطبة للسيّاح في مركز المدينة التاريخية في فيينا، التي صنّفتها منظّمة اليونسكو موقعاً تراثياً عالمياً. يرفض الرهبان الكبوشيون الذي يشرفون على السرداب الإتيان على ذكر أي قصص قديمة مرعبة. على حدّ قولهم، لم يخرج أي إمبراطور سابق من تابوته وهو يتشقلب، وفي الأحوال كافة، تغيّر كل شيء في السرداب منذ العام 2003. فرُمّمت أكثر التصاميم هشاشةً وباتت درجة الحرارة والرطوبة ثابتة بفضل وحدة تكييف الجو.

حين غادر السيّاح مساءً، خيّم صمت خاص بعالم الموتى في القبو، الذي يقع على مسافة عشرة أمتار تحت فيينا. تُحفَظ ههنا توابيت وجرّات على شكل قلب يعود تاريخها إلى نحو 400 عام. فيرقد أباطرة ذوو نزعة إصلاحية إلى جانب مشعلي حروب متوّجين، وضحايا جرائم القتل مثل الإمبراطورة إليزابيت المشهورة بلقبها {سيسي} إلى جانب منتحرين أمثال ابنها رودولف، الذي كان الوريث المفترض. تُحفظ في السرداب أيضاً رفات الأقارب الأرستقراطيين من أسر بوربون، بارما، بورغوندي، وأراغون. لكن أفراد أسرة هابسبورغ باتوا يتمتعون بسلطة أساسية بفضل استراتيجيتهم المتمثّلة في إقامة روابط نسب بشكل سلمي بواسطة الزواج.

مع ذلك، باستثناء الرهبان ومدينة فيينا، وحدها {جمعية الحفاظ على السرداب الإمبراطوري}، التي تضم ألف عضو، متأكدة اليوم من أن مرقد أسرة هابسبورغ المخلوعة لا يزال يعكس أقلّه عظمة الأسرة السابقة. يشتكي كارل هابسبورغ، حفيد آخر إمبراطور المخلص، وهو اليوم زعيم أسرة هابسبورغ: {جُرّدنا من ممتلكاتنا، حتّى أننا لم نملك الأموال الضرورية لأعمال الترميم. السرداب الإمبراطوري معلم عظيم، وعلى الحكومة أن تتدخل في عملية ترميمه}.

لكن الحكومة النمساوية لا تلبّي النداء. فحتّى بعد مرور تسعين عاماً على إقرارها قرار هابسبورغ، لا تزال جمهورية النمسا تتلقى مطالب السلالة السابقة بـ{حماسة محدودة}، على حدّ تعبير رئيس مكتب الآثار الفدرالي في النمسا. لا يزال القرار الصادر في 3 أبريل (نيسان) 1919 نافذاً. لكن أفراد أسرة هابسبورغ جُرّدوا من ممتلكاتهم الخاصة، ومُنعوا من حق الترشّح للانتخابات والبقاء في النمسا إلى أن تنازلوا خطياً عن مطالبتهم بالعرش وانتمائهم إلى السلالة المخلوعة.

دُفن كارل لادويغ، ابن آخر إمبراطور من سلالة هابسبورغ، في قبو الأسرة في يناير (كانون الثاني) 2008. كان رفض طوال حياته تلبية كامل أحكام قانون هابسبورغ، وقد دفع ثمن ذلك بأن مُنع لأكثر من نصف قرن من دخول البلاد. كان كارل لادويغ شقيق وريث العرش الأكبر، أوتو فون هابسبورغ، وشارك في عملية الإنزال التي نفّذها الحلفاء في النورماندي في العام 1944 بزي أميركي. فشعر آنذاك بأنه أثبت بما يكفي مشاعر انتمائه للجمهورية.

يبدو استخدام رفات السلالة المنهارة كمعلم سياحي ونبذ ورثة الأسرة في الوقت عينه عملاً نمساوياً بامتياز، على حدّ قول المتحدّرين الأحياء من تلك السلالة. يشتكي مايكل سلفادور هابسبورغ، أحد المتحدّرين من الإمبراطور فرانز جوزيف الأول من السلالة التوسكانية، من الواقع عينه. على حدّ قول هذا المؤرّخ، تخلّى أجداده عن حقهم بالعرش وبقيوا في البلاد، لكن لمَ نواميسهم لم تُرمَّم؟ ويضيف أنه على النمسا مواجهة ماضيها لإيجاد هويتها: {وإلا لن يتبقى منها سوى بقعة جيلاتينية}.

حتّى اليوم، لا تزال فيينا تزوّد قوانين الاتّحاد الأوروبي الفردية على المستوى الوطني بأحكام مرتبطة بأسرة هابسبورغ، وكأن احتمال العودة إلى العرش لا يزال تهديداً مستمراً. مع ذلك يجب أن تتبدد الهواجس الراسخة بأن الجمهورية على وشك الانهيار بظهور المسنين من الرجال النبلاء الذين يكوّنون حرّاس الأسياد التيوتونيين. فهم يأتون سنوياً في 20 نوفمبر (تشرين الثاني)، في ذكرى وفاة فرانز جوزيف، لإنشاد أغنية {حمى الله الامبراطور} God Save the Emperor في الكنيسة الكبوشية فوق السرداب ومن ثم يتجمّعون في كنيسة السرداب تحت الأرض، حيث من الممكن مشاهدة القواعد الرخامية الثلاث الفارغة.

علّق كارل هابسبورغ قبل وقت قصير من وفاة والدته منذ أكثر من أسبوعين: {لا يتطلّب الأمر الكثير من التفكير} لتخمين من سيشغل هذه الأماكن الثلاثة العظيمة. قال والد كارل، أوتو، 97 عاماً، ممازحاً بأن الرهبان الكبوشيين ينظرون إليه بإمعان خلال زياراته الى السرداب، {لأخذ القياسات لوقت لاحق}.

النعش الفارغ

مع ذلك، لا بد من تسوية بعض الأمور قبل أن يطالب المتحدّر الأخير من سلالة هابسبورغ بمكان له في السرداب. لا أحد أخبر في ذلك من المهندس كارل شليريتزكو من شركة برينير الهندسية المتخذة مقراً لها في فيينا. فضلاً عن الرهبان الكبوشيين، يعمل شليريتزكو بصفته الجندي المجهول وراء المراسم التي تجري ههنا تحت الأرض. فقد أشرف على الترميمات على مدى الأعوام الماضية، وهو عارف بالمسائل التي لم يوجد لها حل في القبو.

ما الذي يجب عمله مثلاً بالتابوت النحاسي الضخم الواقف من دون جدوى في مدفن فيينا المركزي؟ كان مخصصاً في البداية للإمبراطور تشارلز الأول، لكن هذا الأخير دُفن في ماديرا حيث نُفي. ومنذ تطويبه في العام 2004، استقطب مرقد الامبراطور على الجزيرة عدداً أكبر من السيّاح من السابق. لهذا يرفض هذا الأرخبيل البرتغالي المستقل بذاته نقل الناموس إلى السرداب الإمبراطوري في فيينا.

لذلك يقترح القيّمون على السرداب، ضرورة {تذويب السرداب الضخم المُعد لتشارلز، لكي لا يسرقه متحدّر عجوز من السلالات الملكية، ويتّخذه قبراً له}، مع أن ذلك يطرح مشكلة سياسية. إذ ستكون خطوةً نهائية لا تنذر البتة بعودة رفات تشارلز.

من جهته، يواجه الأب غوتفرايد، أحد الرهبان التسعة المتبقين في الكنيسة الكبوشية في ساحة السوق الجديدة في فيينا، مسائل مماثلة باتّزان. يقول: {إن جاء الامبراطور، فهذه ليست بمشكلة أيضاً. عندئذ سننقل بضعة قبور فحسب. لا يكف الناس عن سؤالي بأية حال عمّا إذا كان سيأتي قريباً إلى هنا من ماديرا. فأجيبهم دوماً: {كان لا يزال هناك هذا الصباح}.

بين الأموات والأحياء، النبلاء وعامة الشعب، تولّد التوابيت المغلقة في السرداب حسّاً بالألفة. ينادي كبير المسؤولين في جمعية الحفاظ على السرداب الإمبراطوري من فوق تابوت الإمبراطور ليوبولد الأول عامل الترميم الذي يرمِّم غطاء التابوت، على وقع موسيقى قديمة تصدر من جهازه الإذاعي: {منذ كم من الوقت تعمل عليه؟}. فيجيبه العامل: {منذ يونيو (حزيران)، وسأنتهي قريباً}.

يخفي الجو الهادئ والبهجة الفيينية بامتياز في السرداب الإمبراطوري حماسة العمّال الفنيين الذين جعلوا شغلهم الشاغل الحفاظ على قطعة من التراث العالمي. فالرجل الذي يعمل على ذلك التابوت، مثلاً، هو ليونارد ستراميتز، عامل ترميم معادن مدرّب بدرجة عالية وقد عمل في السرداب طوال 33 عاماً. يُعتبر ستراميتز الأفضل في مجاله وعلى رغم أن قليلين في فيينا يعرفون بمواهبه، فقد استُدعي إلى أماكن بعيدة مثل النيبال، حيث ساعد في ترميم البوابة الذهبية في القصر الملكي القديم في باتان.

أناقةً

يسعى وراء مهندس السرداب شليريتزكو أصحاب أكثر القصور أناقةً في مركز المدينة في فيينا. يقول شليريتزكو إن العمل في السرداب مهمّة شخصية بالنسبة إليه: {أريد المساعدة في الحفاظ على مكان ذات أهمية ثقافية في أوروبا وعلى مكانته}.

من جهته، يمثّل الأب غوتفرايد، كبير الرهبان، ذاكرة السرداب الحية. فهو يحتفظ بمفاتيح توابيت هابسبورغ في صندوق خشبي يحتوي على مغلّفات معنونة بترتيب ويعود تاريخها إلى نحو أربعة قرون. ولكلّ منها تقريباً، قصة عن التاريخ الأوروبي لسردها.

لكن غوتفرايد اليوم في السابعة والسبعين من عمره، وكبير عمّال الترميم المعدني ستراميتز الذي يعمل في الورشة في الرابعة والستين. أمّا المطالبون المفترضون بآخر مواقع التوابيت المتوافرة في السرداب، فتتراوح أعمارهم بين 85 و97 عاماً. ما الذي سيحل إذاً بالضريح، حين تتوقف عربة الموتى الملكية الخاصة بالإمبراطورية النمساوية المجرية، يوماً ما في المستقبل القريب، أمام الكنيسة للمرة الأخيرة؟

على حدّ قول الأب غوتفرايد، سيستمر في الصلاة لأولئك الموجودين في السرداب ما إن يمتلئ، وذلك باتّزان شخص يبدو هذا العالم في نظره مجرد محطّة على الطريق. من جهته، يضيف مايكل سلفادور هابسبورغ، أن المرء يكتشف بوضوح الطبيعة الزائلة لما هو في السرداب: {يتحدث العالم الغربي المسيحي من أعماق السرداب، لذلك نستطيع تلمّس الاستمرارية والشرعية ههنا}.

لكن الوضع مختلف فوق الأرض وسط حياة الجمهورية اليومية، يعقّب هابسبورغ: {جلّ ما تفكّر فيه الحكومة هو حقّها في معاشات التقاعد}.