تَهرَّب المخرج الإسرائيلي لفيلم «لبنان» صموئيل ماعوز من الإجابة عن الجوانب السياسية من أسئلة الصحافيين في مؤتمر صحافي عُقد ظهر أمس الأول في البندقية، واقتصر في إجاباته على تجربته التي وصفها بـ«المرعبة». لكنه اعترف أن في الفيلم أحداثاً وقعت وأُخرى لم تقع، ربطها بذاكرته العميقة، وذكرياته التي كثّفها في الفيلم عن تلك الحرب.

يروي المخرج الإسرائيلي صموئيل ماعوز في فيلمه الجديد «لبنان» الذي يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي، قصة حقيقية لجندي شارك في الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

Ad

ويأتي هذا الفيلم المصنوع على الطريقة الأميركية والمصوّر على نحو كامل من داخل دبابة إسرائيلية شاركت في الاجتياح، لينضم إلى أعمال اسرائيلية أخرى سبق أن تناولت هذه الحرب مثل فيلم «فالس مع بشير» للمخرج آري فولمان وفيلم «بوفور» (قلعة الشقيف) للمخرج يوسف سيدار.

وقُدِّم «بوفور» في مهرجان برلين السينمائي 2007 ورُشِّح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي. وتدور أحداثه داخل قلعة الشقيف التي حولّها الإسرائيليون الى قاعدة عسكرية كبيرة كانت عرضة باستمرار لهجمات المقاومة.

ومثلما عاش الجنود الإسرائيليون الخوف والموت والحصار والعزلة والإحساس بالتخلي في قلعة الشقيف، فإنهم يعيشونه هنا في قلعة جديدة ليست سوى دبابة الميركافا التي كانت تعتبر فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية، والتي كانت تعرف بالقلعة.

انهيار القلعة

غير أن سمعة هذه الدبابة انهارت أمام ما حصل من إبادة لواء كامل منها في حرب لبنان عام 2006، حيث اضطُرّت القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى إعادة النظر في صنعها وتحصينها كي تنقذ سمعتها.

وتنبع خصوصية الفيلم الإسرائيلي الجديد «لبنان» من كون كل مشاهده طوال ساعة و32 دقيقة التقطت من داخل دبابة الميركافا لتنتقل الصورة بين مكانين: الداخل والخارج كما يمكن رؤيته من خلال منظار المدفع الرشاش لهذه الدبابة، والتي يكون على الجنود عدم مغادرتها مهما حصل.

زاوية الرؤية في الفيلم لما هو خارج الدبابة باستثناء اللقطتين الأولى والأخيرة للشريط فإنهما تأتيان من منظار القناص وتعقب حركته. ولا وجود للعالم خارج هذا المنظار الذي تظل قدرته على الرؤية محدودة، مما يعوق حركة الدبابة ويجعلها تضلّ طريقها في سهول لبنان.

قناص الدبابة «شموليك» (التحوير الإسرائيلي لصموئيل المخرج»، هو الذي يروي القصة بعد عشرين عاماً من تجربة اجتياح لبنان في أول دبابة إسرائيلية اخترقت الحدود.

أما داخل الدبابة فيفقد الجنود أعصابهم ويتهاوون واحدا تلو الآخر ويتعقد وضعهم النفسي.

وبعكس ما توحي به من الخارج، تتحول الدبابة التي يفترض أن تحمي مَن بداخلها، سجناً يحكم إغلاقه على مَن بداخله فيقتلهم واحدا واحدا في جحيم تلك الحرب التي يحاول التعبير عنها جنود كثيرون للتخلص من عبئها.

وينتقد المخرج بشكل غير مباشر الإدارة العسكرية الإسرائيلية، إذ يصور الخوف والإرباك والتناقض في الأوامر وغياب الإدارة وقت المعركة ليشعر الجندي بوحدة قاتلة في ميدان المعركة.

وهذه النقاط اشتكى الجنود الإسرائيليون من جرائها كثيرا خلال حرب عام 2006 أيضا، مما قاد إلى تحقيق في طبيعة إدارة هذه الحرب.

تلميع «الجندي الإسرائيلي»

غير أن فيلم «لبنان» الإنتاج الفرنسي- الإسرائيلي المشترك، بمشاركة قنوات «آرتي وكانال»، ورغم قول مخرجه وكاتب السيناريو إنه حاول أن يكون صادقا بقدر الإمكان، يصور «إنسانية» الجندي الإسرائيلي في التعامل مع المدني اللبناني، وفي مقابلها يصور «وحشية» الفلسطيني في التعامل مع هذا المدني.

وفي رؤية تدعم الصيغة الدعائية الإسرائيلية، يحتجز الفلسطيني الذي يحمل الكلاشنيكوف ويرتدي الكوفية، مدنيين لبنانيين رهائن ويعرضهم للقتل على أيدي إسرائيليين، في حين يساعد جندي إسرائيلي امرأة على ارتداء ملابس بدل تلك التي احترقت وهي ترتديها.

وينهج هذا الفيلم أيضا النهج نفسه لناحية تبرئة الجندي الإسرائيلي من جرائم قتل الأسرى حين يصور ميليشياويا في القوات اللبنانية يهدد الجندي السوري الأسير لدى الإسرائيليين بالقتل والاغتصاب، وهو الأمر الذي يعفُّ عن فعله الجنود الإسرائيليون كما يُظهِر الفيلم.

ويتبنى الفيلم هذه النظرية الإسرائيلية التي تقول إن اللبنانيين يقتل بعضهم بعضا من دون تدخل إسرائيلي، في حين يصور احترام الجندي الإسرائيلي للجندي السوري ضمن منطق يحاول دائما رفع المسؤولية عن الإسرائيليين في ما يحدث من أمور شنيعة تدخل في طبيعة كل حرب.

لكن هذا الفيلم الحربي تظل مصداقيته محدودة كما يظهر من عدد من الأمثلة التي تجسد في النهاية وجهة نظر إسرائيلية جيدة الصنع لاجتياح لبنان، تنشد خلاصا فرديا للجندي.

(البندقية - أ ف ب)