يبدو باراك أوباما في أفضل أحواله حين يقتبس عن جورج بوش الابن، إذ عالج أوباما هذا الأسبوع في القمة النووية التي دعا إليها مسألتين مألوفتين جداً لبوش: طموحات إيران النووية والإرهاب النووي. في موضوع إيران، يكاد أوباما لا يحرز أي تقدم، فنراه يخرج من اللقاءات مع الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف أو الرئيس الصيني هو جينتاو ويقول إنه حمل الروس والصينيين على المصادقة على عقوبات صارمة ضد إيران، لكن عندئذ يفيد المسؤولون الروس والصينيون للصحافة بأن ذلك غير صحيح.

Ad

للعقوبات على إيران هدف مزدوج: الضغط على طهران لتغيير مسارها وإبطاء قدرتها مادياً على استيراد مكونات الأسلحة النووية. كان يوجد هدف ثالث: إظهار أن كل خيار استُنفد قبل شن عملية عسكرية ضد المنشآت العسكرية النووية. لكن بات من المستحيل اليوم تصور أوباما يتخذ مثل هذا المنحى. من المحتمل جداً أن تسمح موسكو وبكين لأوباما بعيش لحظة ذهبية أخرى على التلفاز عبر المصادقة على رزمة عقوبات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لكن هاتين أضعف من أن يكون لهما تأثير كبير.   

بذل أوباما في هذه القمة قصارى جهده في مسألة الإرهاب النووي، وكما هي الحال عادةً مع أوباما، يتبين أن هذه الجهود أقل إثارةً للاهتمام مما تبدو عليه، فالكثير من الخطوات رمزية أو لا يُباشر بها إلا بعد سنوات، لكن ثمّة مساع حقيقية لإزالة البلوتونيوم غير الضروري واليورانيوم العالي التخصيب اللذين يشكلان أسس جهاز نووي إرهابي.

حين صدر تقرير مراجعة أوضاع السياسة النووية الأميركية في الأسبوع الماضي، قال أوباما: "لم يعد الخطر الأكبر الذي يهدد الولايات المتحدة والأمن القومي يكمن في تبادل الأسلحة النووية بين الدول إنما في عمليات إرهابية نووية ينفذها متطرفون عنيفون".

تلك هي القضية التي يقتبس فيها أوباما الكثير عن بوش والتي يتكلّم بخصوصها بحس منطقي عال، وبخلاف معظم ما يقوله السياسيون، ذلك تصريح مهّم جداً على لسان أوباما يجب أن يغير الجدال في أستراليا، ذلك أن هذا الأخير اعتنق مبدأ بوش حول أهمية الحرب على الإرهاب.

أعلن بوش على نحو شهير أنه لن يدع أخطر الناس في العالم يهددون الولايات المتحدة وحلفاءها بأخطر الأسلحة في العالم، وفي المقابل، سخرت منه الآراء المحافظة كافة، لاسيما في أستراليا، لربطه مسائل الإرهاب بالأسلحة النووية إلى حد ما. غالباً ما كان يُسمع في التلفزيون والإذاعة بأن الإرهابيين لا يستطيعون الحصول على الأسلحة النووية، لأنها صعبة الصنع، ولن تبيعها لهم أي دولة، ولأنهم لا يريدون حتى الحصول عليها، وما إلى ذلك.

ففي كل مرة يبحث فيها برنامج Lateline الذي يُعرض على شبكة ABC1 عن رد أسترالي على تشعبات الإرهاب العالمي، يلجأ حتماً إلى هيو وايت، بروفيسور في الجامعة الوطنية الأسترالية. يدلي وايت دوماً بالعظة نفسها حول الإرهاب، ولاشك أن عظاته في برنامج Lateline لا تُقابَل أبداً باعتراضات. يعتقد وايت أن الإرهاب ليس خطيراً بما يكفي لاعتباره مسألة استراتيجية. أما النقطة الثانية في عظته فهي أننا لسنا متورطين في أفغانستان لأي سبب يتعلّق بالإرهاب.

جاءت عظة وايت هذه أخيراً في برنامج Lateline كرد على تقرير حكومة ورد حول الإرهاب.

أن يكون هذا المعتقد البعيد عن المنطق إلى حد ما أفضل ما قد يتوصلون إليه هو فشل بالنسبة إلى Lateline ودليل على شلل النماذج الاستراتيجية في الجامعة الوطنية الأسترالية. من الواضح أن أوباما لم يتلق دورةً في الدراسات الاستراتيحية في هذه الجامعة، الأمر الذي يُشكَر عليه.  

لم يثمر الاستثمار الأكاديمي لأستراليا في الإرهاب نتائج كبيرة لقاء المال. أجرى الاختصاصيون في البلاد دراسات مهمة، لكن الدورات التي تتعلق بالإرهاب غالباً ما تولتها النماذج التي تعتمد تحليل الأسباب الجذرية، وتلك التي تأبى إضفاء الطابع الشيطاني على "الآخرين" وأصحاب النظريات الذين لا يتمتعون بأي قيمة عملية على الإطلاق. نادراً ما تجري في أستراليا دراسات جدية عمّا يقوم به الإرهابيون في الوقت الراهن. فالأسماء التي تسيطر على الجدال بشأن الإرهابيين من جنوب شرق آسيا، مثل سيدني جونز، وروهان غوناراتنا، وزاكار أبوزا، غائبة عن المؤسسات الأسترالية.

كانت لدي بضعة انتقادات ضد أوباما في الآونة الأخيرة، لكنه حتماً يعي خطر الإرهاب الدولي أفضل من الأكاديميين الأستراليين، ففي هذا الإطار، يرد مقال لغراهام أليسون عن خلفية التهديد العام للإرهاب النووي في عدد يناير-فبراير من المجلة الأميركية Foreign Affairs.

يجادل أليسون بأن التهديد المتمثل في قدرة الإرهابيين على شراء أو سرقة مركّبات أساسية في صناعة الأسلحة النووية من باكستان أو كوريا الشمالية حقيقي. يشير في هذا السياق إلى اختراق إرهابيين، طالبين المقار العسكرية للحكومة الباكستانية العام الماضي مرتدين زي الجيش الباكستاني، ويتساءل حول مدى بعد احتمال حدوث ذلك في منشأة باكستانية للأسلحة النووية.  من جهتهم، شدد متحدثون أميركيون في أثناء قمة أوباما على مدى الجهود التي كان يبذلها تنظيم "القاعدة" لتركيب جهاز نووي بدائي، وذلك حين كان يستقر بشكل شبه علني في أفغانستان.

لذلك يشكّل منع "القاعدة" من التمتع مجدداً بمثل حرية التصرف تلك في داخل أفغانستان المصلحة الاستراتيجية الجوهرية للتحالف الغربي في أفغانستان، بما فيه أستراليا، بالرغم من أنه يستحيل اكتشاف ذلك عبر الإصغاء إلى الجدال الاستراتيجي الدائر في أستراليا خارج إطار البيانات الرسمية التي تصدرها حكومة رود.  فضلاً عن ذلك، يؤكّد أليسون أن الإرهابيين الذين يتمكنون من وضع يدهم على جهاز نووي ولو  كان واحدا قد "يغيرون العالم، فمن شأن ذلك أن يقلب الحياة في المدن رأساً على عقب، ويقلّص ما يُعتبر اليوم حريات مدنية أساسية ويغيّر المفاهيم حول نظام نووي قابل للاستمرار".

تلقّى تنظيم "القاعدة" ضربات جسيمة في أفغانستان، وأخيراً في باكستان، الأمر الذي أضعف إلى حد كبير قدرته على تنفيذ عمليات بأجهزة متطورة، لكنه في الوقت عينه، يجنّد أعضاء جدداً في إفريقيا وأجزاء من الشرق الأوسط، مع أن عمليات التجنيد هذه تتم عموماً بقدرات تقنية متدنية. بعبارة أخرى، باتت شبكة الإرهاب الدولية أكثر تهديداً، وبحسب ما جاء في تقرير حكومة رود، يعتبر "حزب الله" اليوم شبكة إرهاب دولية واسعة الانتشار، يتمتع بقدرة تقنية عالية ووجود كبير في أستراليا، ويمكن بالتالي التوقع بأن يضرب أهدافاً كثيرة في حال نشب صراع مع إيران. وفي النهاية، تتخوف قوات الأمن الغربية من الطموحات العالمية المتزايدة لجماعة "عسكر طيبة"، التي نفّذت في مومباي عملية بأجهزة عالية التطور. ويُذكَر أن لهذه الجماعة تاريخا طويلا في محاولة تنفيذ هجمات إرهابية داخل أستراليا. لذلك فإن أوباما محق في لفت أنظارنا إلى هذا التحدي الاستراتيجي الخطير للغاية.

Greg Sheridan

* محرر قسم الشؤون الخارجية في صحيفة The Australian.