على الولايات المتحدة، بدعم من الدول الآسيوية والأوروبية الرائدة، أن تشير إلى أن القيادة الصينية، بحلها مشكلة كوريا الشمالية، ستحسن سمعة الصين الدولية.يبدو أن كوريا الشمالية انتقلت من الاستفزاز المتقطع إلى الدائم. لكن الدولة الوحيدة التي تتمتع بنفوذ حقيقي في بيونغ يانغ هي الصين.
زار رئيس كوريا الجنوبية لي ميونغ باك واشنطن قبل أسبوعين، إلا أن حل مشكلة كوريا الشمالية لايزال بعيداً، ويجب أن تركز الدبلوماسية الأميركية على تشجيع بكين كي تبذل قصارى جهدها «لحلّ» مشكلة نظام كوريا الشمالية المجرم.يبدو التحدي الذي يشكله ما يُدعى «جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية» جلياً للجميع، ولعل نظام كيم يونغ إيل هو الأكثر وحشية على الأرض. فقد ظل متمسكاً بالسلطة متجاهلاً المجاعة التي أودت بحياة ما لا يقل عن نصف مليون شخص. يُعتبر نظامه مأساوياً وأسطورياً في آن واحد. فبينما عمل على إفقار شعبه، حافظ على جيش ضخم، فضلاً عن برنامج أسلحة نووية ناشط، كذلك نجح في ابتكار تزاوج فريد بين الشيوعية والملكية، معيناً خلفاً له على ما يبدو ابنه الأصغر، الذي بات يُدعى اليوم «الرفيق الذكي»، تماماً كما خلف هو أباه كيم إيل سونغ. صحيح أن كيم يونغ إيل شرير، إلا أنه ليس انتحارياً. فهو يحب التمتع بملذات الحياة الحاضرة، على الرغم من ذلك، ستترتب على إطاحة نظامه فوائد إنسانية وأمنية واضحة.من المؤسف أن ما من حل سهل للتخلص من هذا النظام، ولكن لا تحول استراتيجيات كيم الأخيرة، التي تعتمد على المواجهة، دون التوصل إلى تسوية من خلال المفاوضات. فقد شدد المبعوث الخاص الأميركي ستيفن بوسورث على رغبة الإدارة في التحاور مع بيونغ يانغ. لكن احتمال أن تؤدي الدبلوماسية إلى شبه جزيرة خالية من السلاح يتضاءل يوماً بعد يوم. وحتى لو أعربت كوريا الشمالية عن استعدادها لوقف أي نشاطات نووية جديدة، من المستبعد أن تسلم المواد النووية التي تملكها راهناً. ومع أن واشنطن يجب أن تواصل سعيها لعقد مفاوضات ثنائية ومتعددة الأطراف، فقد لا تؤدي هذه العملية إلا إلى المزيد من خيبات الأمل، بالإضافة إلى ذلك، لا تقدّم العقوبات الأكثر تشدداً سوى أمل ضعيف بحل هذه المشكلة. فوسط تقارير عن أن كوريا الشمالية تخطط لتجربة نووية جديدة، صوت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على تشديد العقوبات. وذكرت السفيرة الأميركية إلى الأمم المتحدة، سوزان رايس، أن هذا التدبير يمثل «رداً قوياً صادقاً وملائماً جداً». إلا أنه في الواقع لم يقدّم الشيء الكثير لزيادة فاعلية هذه العقوبات. فكوريا الشمالية هي اليوم الدولة الأكثر انعزالاً في العالم. علاوة على ذلك، لم يسمح النظام مطلقاً لعذاب شعبه بالتأثير في سياساته. فالحكومة التي تركت نصف مليون نسمة يجوعون لن تتأثر على الأرجح بازدياد مشقة مَن لايزالون على قيد الحياة.إذن، هل باتت الترسانة الكورية الشمالية أمراً لا مفر منه؟ ربما لا.وحدها بكين تتمتع بالنفوذ الكافي للتأثير في كوريا الشمالية. تؤمّن الصين كمية كبير مما تحتاج إليه كوريا الشمالية من الطعام والوقود والسلع الاستهلاكية، كذلك تشهد التجارة بين البلدين ارتفاعاً متزايداً. لذلك قد يؤدي قطع حبل النجاة هذا إلى تجميد الاقتصاد الكوري الشمالي. لكن جمهورية الصين الشعبية لاتزال تعارض هذه الفكرة. فقبل تمرير القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن، دعت الصين إلى تدابير «ملائمة ومتوازنة» وشددت على التحلي بـ»الهدوء وضبط النفس». حتى اليوم، تبدو الحكومة الصينية خائفة من انهيار كوري شمالي أكثر من سلاح نووي كوري شمالي. نتيجة لذلك، يبقى الحل الأخير الحرب، إما بضربة محدودة على قواعد بيونغ يانغ الذرية أو بهجوم أكثر شمولية. وتستطيع واشنطن على ما يبدو تدمير منشآتها النووية فوق الأرض وتحتها. ولكن من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيعوق بشكل دائم جهود كوريا الشمالية النووية ويقضي على قدراتها الذرية الحالية أو لا.علاوة على ذلك، سيؤدي هذا الهجوم على الأرجح إلى اندلاع الحرب، فقد يعتبر نظام كيم هذه الضربة الخطوة الأولى في محاولة تغيير النظام قسرياً. فضلاً عن ذلك، إذا وقف هذا النظام مكتوف اليدين، فسيقوض مصداقيته في الوطن ومكانته في العالم. صحيح أن من المستبعد أن تبدأ كوريا الشمالية بحماقة حرباً خاسرة، إلا أن حكومتها لن تتقبل بصمت على الأرجح صراعاً استهلته الولايات المتحدة. قد تخسر كوريا الشمالية أي صراع تخوضه، إلا أنها ستتسبب في الوقت نفسه بضرر كبير لكوريا الجنوبية، التي تقع عاصمتها سيول على مقربة من المنطقة المنزوعة السلاح، مما يعني أنها ضمن مرمى مدفعية كوريا الشمالية وصواريخ السكود التي تملكها. وتشمل العواقب المحتملة الأخرى تسرب الحطام النووي والتسبب بتدفق فيض هائل من اللاجئين. إذن، هل باتت الترسانة الكورية الشمالية أمراً لا مفر منه؟ ربما لا. فلم تُستغل بعد ورقة الصين. تكثر الشكوك حول دور بكين في الأزمة الكورية الشمالية. فيعتقد بعض المحللين أن الصين لا يمكنها التأثير حقاً في بيونغ يانغ، التي اتبعت مسلكاً مستقلاً طوال عقود، في حين يتهم آخرون الصين بتنظيمها عن قصد سبيلاً إلى زعزعة استقرار كوريا الشمالية. أما النظرة السائدة فتعتبر أن الصين غير مستعدة للمخاطرة بعلاقتها مع بيونغ يانغ أو القبول بكلفة انهيار النظام المحتمل. فقد عاملت بكين اللاجئين الكوريين الشماليين، الذين سيواجهون السجن أو حتى الموت في حال رحلوا، بوحشية خالية من أي تعاطف أو رحمة.لكن واشنطن قادرة على تبديل حسابات الصين. ولا شك في أن هذه محاولة تستحق العناء. تستطيع الصين مثلاً قطع المساعدات والمعاملات التجارية. كذلك بإمكان بكين على الأرجح اتخاذ خطوات سرية لتحويل نظام كوريا الشمالية.لا يتورع بعض المحللين عن المخاطرة بالعلاقات الأميركية الصينية في محاولة للضغط على بكين كي تضغط هي بدورها على كوريا الشمالية. على سبيل المثال، ينادي وكيل وزارة الخارجية السابق روبرت جوزف بضرورة فرض ثمن غير محدد على بكين في حال رفضت الرضوخ. لكن مخاطر العلاقة الأميركية الصينية لا تقتصر على التجارة. ومن المستبعد أن تنصاع الصين للضغوط العلنية.من الممكن تفهم مخاوف بكين من العواقب الاقتصادية التي قد تنجم عن انهيار كوريا الشمالية. ولكن لا داعي لأن تكون هذه العواقب حتمية. فبما أن الصين تضم 1.3 مليار نسمة وتتمتع بناتج قومي إجمالي يبلغ 4.2 تريليونات دولار (7.8 تريليونات دولار وفق معامل القوة الشرائية)، تستطيع أن تستوعب كامل سكان كوريا الشمالية الـ23 مليوناً إذا دعت الحاجة، لكن ذلك لن يكون ضرورياً.أولاً، يلزم أن تشير الولايات المتحدة إلى أنها مستعدة لمشاطرة الصين كلفة الاعتناء بأي لاجئين قد يتدفقوا إلى الحدود الصينية (أو النشاطات الإنسانية الصينية في كوريا الشمالية إثر الانهيار). وسيكون الثمن صغيراً مقارنة بكلفة نظام كوريا الشمالية الراهن. وعلى الأمد الطويل، تُقدم حكومة مستقرة تتبنى الإصلاح في كوريا الشمالية أو شبه جزيرة موحدة لبكين فوائد اقتصادية واضحة، كذلك تتمتع الصين اليوم بعلاقات تجارية مع كوريا الجنوبية تفوق علاقاتها بالولايات المتحدة. ومن المتوقع أن تحظى بمزايا مماثلة في دولة كورية شمالية أكثر ازدهاراً.ثانياً، يجب أن تنضم جمهورية كوريا، التي يبلغ ناتجها القومي الإجمالي 900 مليار دولار تقريباً، إلى واشنطن في تقديم هذا العرض. فقد دفعت كلفة إعادة توحيد ألمانيا سيول إلى تعليق آمالها على نهضة اقتصادية في كوريا الشمالية، ولو كانت متواضعة، قبل إعادة توحيد شبه الجزيرة، لكن تصرف بيونغ يانغ الذي يزداد استفزازاً يوماً بعد يوم يشير إلى أن كلفة إعادة التوحد في الحال ستكون أصغر من كلفة الحرب أو سباق التسلح.ثالثاً، يجب أن تحض الولايات المتحدة اليابان على الانضمام إلى هذه الجهود، بما أن هذه الدولة تتمتع بثاني أكبر ناتج قومي إجمالي في العالم (4.8 تريليونات دولار). يعيش نحو مليون شخص ينتمون إلى الإثنية الكورية في اليابان، ويتحدر معظمهم من كوريا الشمالية. وتستطيع طوكيو التعهد بتقديم دعمها المالي، فضلاً عن الإعراب عن استعدادها لقبول عودة المئة ألف كوري، الذين هاجروا إلى كوريا الشمالية خلال ستينيات القرن العشرين، مع أفراد عائلاتهم الذين يُقدر عددهم بمئتي ألف. في المقابل، سيصبح النظام في بيونغ يانغ أكثر استعداداً لتلبية طلبات اليابان بالكشف عن مصير مواطنيها المخطوفين على مر السنين.رابعاً، بإمكان الكوريين الموزعين حول العالم تقديم دعمهم الشخصي، فثمة أكثر من مليوني أميركي كوري، فضلاً نحو مئتي مليون كوري في كندا وروسيا كليهما، ومئة وخمسة وعشرين ألفاً تقريباً في أستراليا، وعشرات الآلاف في بلدان آسيا وأوروبا المختلفة. ويمكنهم جميعاً المساعدة في حال وصل نظام كيم إلى نهاية مأساوية.خامساً، يجب أن تعد إدارة أوباما الصين بأن الولايات المتحدة لن تستغل التدخل الصيني لتحقق مآرب جيو-سياسية، نتيجة لذلك، لن تعني إعادة توحيد كوريا وقوف الجنود الأميركيين على الحدود الصينية، بدلاً من ذلك، سيعود هؤلاء الجنود إلى أرض الوطن. فلا حاجة لهم اليوم للدفاع عن كوريا الجنوبية، ولا شك في أنه لن تكون هناك حاجة إليهم في حال اختفت كوريا الشمالية.سادساً، يجب أن تشير واشنطن إلى خطر انتشار الأسلحة النووية الأوسع في بلدان شرق آسيا المختلفة. فتشكل دولة كورية شمالية نووية لجيرنها مشكلة أكبر من المعضلة التي تفرضها على الولايات المتحدة. ويجب ألا تفترض الصين أن الولايات المتحدة قادرة أو مضطرة إلى منع كوريا الجنوبية واليابان من الرد بالمثل في حال وجدتا نفسيهما أمام دولة كورية شمالية معادية مسلحة نووياً. كذلك ليس في مصلحة الولايات المتحدة أن تبقى وسط هذا المزيج الجيوسياسي غير المستقر. باختصار، ستُرغَم بكين على المشاركة في كابوس دولة كورية شمالية نووية.في الختام، على الولايات المتحدة، بدعم من الدول الآسيوية والأوروبية الرائدة، أن تشير إلى أن القيادة الصينية، بحلها مشكلة كوريا الشمالية، ستحسن سمعة الصين الدولية، فقد شددت الصين على عزمها على «النهوض» سلمياً. وما من دليل أفضل على نواياها الحسنة أو رغبات قيادتها من المساهمة في تخليص العالم من النظام الوحشي الخطر في بيونغ يونغ.لا شك في أن نجاح التدخل الصيني غير مؤكد، لكن احتمال نجاح الخيارات الأخرى ضئيل جداً. فلا التعويل على حسن نية كيم يونغ إيل ولا شن حرب كورية ثانية يبدو استراتيجية ناجحة. إذن، آن الأوان كي تستخدم إدارة أوباما الورقة الصينية. * باحث في «معهد كاتو»، كان مساعداً خاصاً سابقاً للرئيس ريغان.
مقالات - Oped
آن الأوان للعب ورقة الصين في مسألة كوريا الشمالية
06-07-2009