مات القصاب عبدالباري بن مزبان صبيحة يوم الجمعة الموافق للثاني من شهر رجب... والحق أن كل إنسان وكل شيء في منطقتنا (موافق) حتى الأيام.

Ad

مات القصاب عبدالباري بن مزبان عن عمر يناهز الخامسة والأربعين، قضاه في البِر والتقوى، كما يزعم الإعلان المنشور في الجريدة التي أطلعنا عليها المعلم أيوب.

مات القصاب عبدالباري بن مزبان ولا أحد يدري من دفع ثمن إعلان وفاته، ولا أحد يعلم لماذا أعلنوا عن وفاته أصلاً. إن بقاء المرء حياً في بلادنا هو وحده الشيء العجيب الموجب لتنبيه الغافلين.

مات القصاب عبدالباري بن مزبان وترك موته حسرة عظيمة في قلوب عدد كبير من عارفيه ومحبيه، ذلك أن منطقتنا تكاد تكون الأولى بين المناطق في قدرتها على استيعاب الكلاب السائبة.

مات القصاب عبدالباري بن مزبان لكي لا يكون له أي دور فاعل في هذه الحكاية، فها هو يظهر فيها ساعة موته. كأي مشروع حكومي، وها نحن نحتفل بسيرته بعد وفاته.

كأي رجل عظيم. وللمناسبة فإننا لا نجانب الواقع كثيراً، فإن لم يكن عبدالباري من الرجال العظام حقاً، فإن كلاب المنطقة تشهد له بأنه كان من رجال (العظام) لا منازع.

مات عبدالباري بن مزبان وإشارة شكل كبيرة تدور حول حقيقة انتمائه الى منطقتنا، فمجرد نظرة عابرة الى اسمه تؤكد أن جده لم يستشر(الشيخ عبد) في شأن تسمية أبيه. مثلما تؤكد أن ذلك الجد الذي لا نعرف اسمه لم يكن ذا موهبة في اختيار الأسماء، ولولا ذلك لتغير شيء ما في التاريخ. شيء ليس مهماً كثيراً، لكنه كان كفيلاً بأن يساعدنا على قراءة عبارة الافتتاح مثلاً، على النحو التالي: (مات القصاب عبدالباري بن لؤي)!

وتبقى المسألة، على كل حال، مسألة تجميل لا أكثر، فعبد الباري مات، ومزبان لن يستفيد من ذلك التغيير التاريخي قطعاً، لأنه مات قبل عبدالباري بزمن بعيد، أما (الشيخ عبد) الذي ينبغي أن يموت ذات يوم، فقد عوض وقفته المفترضة عند ميلاد مزبان، بوقفته المؤكدة الآن لتأبين عبدالباري.

أول مظهر للصنعة اقتضى أن يقف الشيخ عبد صامتاً محتقن الوجه، قبل أن يغافل الحاضرين فينسف أسماعهم بصرخة جزع حادة: لاااااا.

واشرأبت الأعناق إليه، فواصل صراخه كالمجنون: عبدالباري مات؟ لااااا، عبدالباري ما مات.

والتمعت الدموع في حدقتيه الفاغرتين: هيهات. مستحيل. لا يمكن. لا أصدق. من قال إنه مات؟ هاه؟ من قال؟ كلا ثم كلا... عبدالباري ما مات.

لم يكن ما يقوله الشيخ صحيحاً أبداً، لكن كان على الحاضرين أن يهزوا رؤوسهم مؤمنين على قوله، تأميماً للكذب المقدس المفترض احترامه في مثل هذه المناسبة الجليلة. غير أن أحداً لا يستطيع التحكم في آلية العطار حميد ذي الأسنان الغاربة، فبعد الصمت العميق الذي أعقب الصرخة العميقة، تطوع العطار بتصحيح المعلومة. قال ببرود تام: والله العظيم مات. الطبيب الشرعي أكد ذلك. وإذا لم يكن قد فطس فعلاً فلماذا نحن هنا؟ إذا كنت في شك من الأمر فاسأل زوجته بدرية.

صرخ الشيخ بأعلى ما يستطيع: لاااا.. مثل عبدالباري لا يموت.

قال العطار محتداً: بل يموت ويشبع موتاً. يموت ورجله على رقبته. لماذا لا يموت؟

يموت غصباً عن الذين خلفوه. هل هو أحسن من الأنبياء؟!

صرخ الشيخ. مستحيل. لا يمكن.

قال العطار بتسليم اليائس: حسناً يا شيخ، كما تحب. لكن تولّ وحدك مهمة إرجاعه الليلة الى مخدع الزوجية. إن بدرية لن تغفر له ولا لك.

جذبه الحاج عبدالعزيز، وطلب أن يسكت، موضحاً له بالإشارة أن هذه ليست ساعة الحقائق.

عندئذ استرسل الشيخ عبد في رثائه: يقولون إنك مت يا حبيبنا.. وهل يموت مثلك؟ أنت الورع التقي الطيب الصادق الشريف المحسن، كيف تموت؟!

ردد الحاضرون ببكائية مفرطة: إي والله... إي والله.

قال الشيخ: هب أنك كنت تسكر وتعربد.. وماذا في ذلك؟ الله غفور رحيم. وهل كنت تسكر إلا بسبب العذاب النفسي الذي كنت تعانيه وأنت ترى ابتعاد الناس عن دينهم؟ آه وألف آه... كم كنت تأسى لذنبك ولا تنجو من سوء الظنون بك حتى وأنت تقوم بالإحسان.

هل تتذكر عندما أوقفك (ماهود) الشرطي قبل سنتين، وأنت خارج من بيت العاهرات؟ ماذا كنت تعمل هناك يا عبدالباري؟ آه من وساوس الشيطان ومن لؤم الإنسان.. ماذا كان الشرطي يعتقد؟ لكن مصير الحق أن يظهر، وأن الباطل كان زهوقاً. لقد اقتنع (ماهود) بأنك كنت توزع الصدقات هناك فأطلقك واعتذر منك. هل شملته هو أيضاً بصدقاتك يا عبدالباري؟! ألا رحمة الله عليك، كم كنت عطوفاً وكريماً!

ماذا أقول فيك؟ ماذا أقول عنك؟ قالوا، وبئس ما قالوا، إنك كنت تذبح، في بعض الأيام، كلاباً. أشهد. إي والله أشهد.. لكن آه من لؤم البشر، لماذا لم يصدقوك عندما اعلنت أنك تذبحها لإطعام الكلاب المسكينة الضالة التي ليس لها معيل؟ ما زال صدى حكمتك يرن في أذني.. كأني أسمع صوتك الآن. هل تذكر؟ هل تذكر؟

اندفع العطار من جديد: يذكر ماذا؟ قلنا لك إنه ميت يا شيخ.

صاح الجميع: هش.

وواصل الشيخ: هل تذكر يوم قلت: الكلاب للكلاب والخراف للخراف؟ أنت وربك يا عبدالباري. إذا أراد الله أن يرحمك فماذا يطلع في أيدينا؟ ربما كنت من الصادقين. نعم يا عزيزنا... الكلاب للكلاب والخراف للزبائن.

صاح النجار سبتي: لا... لقد قال إن الخراف للخراف.

قاطعه المعلم أيوب: كان ابن نكتة.

قلت: هذا افتراء. أبوه مزبان لم يكن نكتة... مزبان القبيح الكئيب كان نكبة.

قال المعلم أيوب: لم أقصد هذا.

قلت: أدري... لكنني أنكت.

ولْولَ الشيخ عبد متوعداً: اتتكون في هذا الموقف العصيب؟ اتتكون وجثة الميت لم تبرد بعد؟!

قاطعه العطار متهللاً: نشكر الله على أنك صدقت أخيراً أنه قد مات. لكن من قال إن جثته لم تبرد؟ صدقني... إنها الآن قالب ثلج. أنا شاهدتهم بعيني هاتين وهم يضعونه في ثلاجة المستشفى.

هزّ الشيخ يده واستطرد: رحمة الله عليك، كم ظلمناك. لقد اتهمناك بسرقة لحاف (أم جوني) ولم يخطر في بال أحد منا أنك كنت تنوي تجديده لدى النداف... آه من لؤم البشر.

لك الجنة يا عبدالباري، ولأم جوني العوض في لحافها، ولا أقول فيك إلا كما قال الشاعر: (مكر مفر مقبل مدبر معا... كجلمود صخر حطه السيل من عل).

همس المعلم أيوب في أذني ونحن خارجان من مجلس التأبين: لقد كانت تلك أروع خطبة (تأنيب) سمعتها في حياتي!