{هل ثمة ثقافات عربية متعددة أم ثقافة واحدة؟}، سؤال طرحته ندوة {أصيلة} في موسمها الثاني والثلاثين، واختلف بشأنه النقاد. كنا نتوقّع، لولا بعض المفاجآت، أن نسمع كلاماً مكرراً كالذي يقوله الباحثون عادة، إلا أن اختلاف {ثقافات} المتداخلين وصراحة بعضهم المفرطة منحا الأجواء شيئاً من السخرية والضحك المبطّن.تحدّث في اليوم الأول للندوة سبعة باحثين، وغاب عنها المدعوون الكويتيون: بدر الرفاعي، ماضي الخميس، محمد غانم الرميحي، عبد الرضا أسيري، خلدون النقيب، وكانت أسماؤهم مدرجة ضمن الباحثين المناقشين.
ترأس الندوة وزير الإعلام اللبناني طارق متري الذي افتتحها بكلمة أشاد فيها بالخطوة السباقة التي ذهبت إليها {أصيلة} عبر طرح موضوع حوار الثقافات العربية، وهو حوار بيني، ذو خصوصية، لا يذهب مذهب حوار، أو صراع الحضارات الذي طرح أخيراً، مشدداً على {أن الحوار طريق للتحرّر من الصورة النمطية، وله أهمية كبرى، فنحن انشغلنا بسؤال الهوية سنوات طويلة، في حين تبدو الأمة العربية أكثر تنوعاً مما نعتقد}. أشار متري في هذا الصدد إلى الصورة النمطية التي كرّسها الخطاب العربي الذي تمثّل في مقولة {القاهرة تكتب، ولبنان يطبع، وبغداد تقرأ}، داعياً إلى التخلّص من مثل هذه المقولات وملمحاً إلى نهوض أمم أخرى لا تقل شأناً في الثقافة مثل المغرب العربي ودول الخليج العربية، ولم يعد ثمة مركز وأطراف، وهو مفهوم كان سائداً سابقاً. بدوره، قدّم الباحث عمر الحامدي، الأمين العام للمجلس القومي للثقافة العربية في ليبيا، خطاباً {ملغوماً} بعبارات: الامبريالية والصهيونية، الهيمنة الغربية على مقدّرات الأمة، واستطرد في وصفه الإنشائي داعياً المثقفين إلى الوحدة والتكاتف لنهضة الأمة العربية، ملمحاً إلى أن الاستعمار الغربي هو المتسبب في تقسيم {الأمة العربية الواحدة}. كذلك، تحدّث الحامدي عن المناطق الموبوءة بالصراع، بسبب الهيمنة الغربية، ذاكراً: السودان، الصومال، العراق، وفلسطين، قبل أن يفاجئه علي حرب بسؤال معبّأ بالسخرية: {ولبنان شو وضعه؟}، فتوقّف الباحث قليلاً قبل أن يستوعب السؤال، وضجّ الحضور بالضحك، إلا أن الحامدي تابع: {الامبريالية الصهيونية والهيمنة الغربية}. لم يرق الطرح الذي تحدث عنه الباحث للمشاركين في الندوة فانصرفوا عنه إلى الأحاديث الجانبية ما جعله يستدرك الوضع ويتساءل: {أرى أن المنصّة منشغلة، إذا كانت ثمة مشكلة في حديثي سأتوقف}، إلا أن رئيس الجلسة طلب منه المتابعة بكل تهذيب.هيمنة المشرقكانت لافتة الورقة التي قدّمها الباحث الموريتاني عبد الله ولد باه، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية سابقاً، إذ حدّد محاور ثلاثة أساسية تنتهي جميعها إلى أن ما يسمى بالنهضة العربية والثقافة المشرقية التي كُرست سابقاً هي السبب في تخلّف الأمة العربية. وبالطبع طرح رؤيته هذه في مقابل ثقافة أخرى مضادة هي ثقافة المغرب العربي التي ظلمت كثيراً، بفعل تكريس الثقافة المشرقية المتعمد التي قدّم ولد باه أدلة على أثرها السلبي، إذ يراها السبب الوحيد في تخلّفنا، وأما المحاور الأساسية الثلاثة فهي: 1 - تصدّع الفكر السلفي، وتخلّفه في المشرق والمغرب على السواء.2 - تصدّع الخطاب الإسلاموي.3 - تصدّع الخطاب الماركسي.بالإشارة إلى المحور الأول، رأى الباحث الموريتاني أن السلفية في المغرب العربي قدّمت وجهاً مشرقاَ، يتمثّل في مفكرين اثنين هما: علاء الفاسي والطاهر بن عاشور، اللذان تبنّيا النظرة التحديثية، إلا أن كتبهما لم تجد قبولاً في المشرق. يرى ولد باه أن نكوص هذين العالمين أضر كثيراً بالفكر السلفي، وأدى صعود نجم حسن البنا إلى هيمنة النزعة الأصولية المغلقة. أما في ما يتعلق بالخطاب الإسلامي، فقد أُطلقت في فترة الثلاثينيات كتابات المفكر المغاربي مالك بن نبي، التي لم يُرد لها أن تروّج في المشرق، فيما كان يُكرس عمداً لخطاب سيد قطب، الذي رأى المحاضر أنه أحد أسباب تخلّفنا ورجعيّتنا.المحور الثالث الذي تقدّم به الباحث يتعلّق بالنموذج الماركسي الذي هيمن على خطابنا بعد هزيمة 67، إذ رأى أن {المشارقة} لم يقدموا سوى فكرة الماركسية التقليدية المتعلقة بالصراع الطبقي، ورفض كل ما يتعلّق بالرأسمالية وتجاهل وجه الماركسية المستنير الذي تقدّم به المفكر عبد الله العروي وطرح عبره أن الماركسية ليست بالضرورة معادية لليبرالية وحقوق الإنسان، بل هي حصيلة الحداثة ومزيج من هذا وذاك.كانت الورقة التي تقدم بها الباحث ولد باه، دقيقة، مختلفة، مستفزّة، ومن الممكن أن تكون محفزاً جديداً للاختلاف، لو وُجد في الندوة أحد أولائك المتعصّبين للفكر النهضوي المشرقي، الذي كرّس له محمد عبده ورفاعة الطهطاوي ومن بعدهما سيد قطب والبنا.مفهوم التسامحقدّم المفكّر اللبناني علي حرب مداخلة شفهية اكتفت بالتعليق على نقاط معينة تحدث عنها المحاضرون، مفضلاً تأجيل ورقته المكتوبة إلى اليوم الثاني للندوة.أشار حرب إلى مفهوم سائد في الثقافة العربية يدعو إلى تقديم الحوار بمفهوم التسامح، وهو مفهوم مغلوط، {لأننا لو أقرّينا به فسنتقبّل الآخر مع إقرارنا بخطئه، ما يولّد نوعاً من التواطؤ} على حدّ تعبيره. دعا حرب إلى {الحوار المتبادل} بحيث يتزعزع أحد الطرفين عن مركزيته، ويعترف بنسبية آرائه وبأنها قابلة للصواب والخطأ. وتساءل عن الوجهة التي يذهب إليها خطابنا العربي الراهن، {فبعد قرنين من مقارعة الغرب بوصفه مستعمراً، نجدنا نطلق عليه اليوم شقيقاً وصديقاً. وبعد فشل المشروعين القومي واليساري، نجد أيضاً الخطاب الإسلامي يسير اليوم نحو فشله}.تحدث في الندوة كذلك باحثون آخرون هم: الناقدة رشيدة بن مسعود، الباحث والإعلامي خالد الحروب، والباحث كمال عبداللطيف. تشابهت طروحات هؤلاء، إلا أن اختلافاً بسيطاً كمن في بعض التفاصيل، فقد ذهب عبداللطيف إلى أن {ما نطلق عليه غالباً لقب {حوار} هو في الحقيقة صراع مبطن لنفوذ سياسي واقتصادي، يُستخدم فيه المثقفون لتحقيق غاية ما، وإلا فما معنى أن نتحدث عن حوار: {الحضارات، الثقافات، الأديان، الهامش والمركز، فيما لا نرى سوى صراع نفوذ، يعلو شأنه يوماً بعد يوم؟}. أما خالد الحروب فشدّد على ضرورة توافر تفاهم مبطّن بين الثقافة الكبرى والثقافات الصغيرة ليكون ثمة انسجام، ففي عصر الإعلام والفضاءات المفتوحة لم يعد لثقافة ما أن تنزوي حول نفسها.من جهته، قدم الوزير محمد بن عيسى مداخلة أشار فيها إلى الجهد الذي تبذله جامعة المعتمد بن عباد الصيفية في مناقشة القضايا المهمة المعاصرة، مشيراً إلى أهمية محاور الندوة المقدمة، لجهة المفارقة الكامنة في الموضوع وحداثته في آن. يكمن التحدي الحقيقي، برأيه، في كيفية التكيف مع الثقافة المعولمة والاندماج معها من دون الذوبان فيها.الأرض الخضراءعقدت أصيلة الثلثاء المنصرم ندوة علمية تطبيقية صرفة بعنوان: {الهندسة المعمارية الخضراء: التاريخ والآمال} تحدث فيها الدكتور سامي المصري، مدير الاستراتيجية والتنمية في هيئة أبو ظبي للتراث، والمهندس الألماني إيروك روزواغ. تحدث المصري عن الاتجاه الحديث للهندسة المعمارية التي تتبناها هيئة الثقافة في أبو ظبي والمتمثلة في إعادة الاعتبار إلى البناء بالطين، والتقليل من البناء الخرساني، كذلك حماية التراث وجمع المعلومات لضمان سلامة الفن المعماري التقليدي، ليؤدي دوره كعنصر فاعل.بدوره، قدّم روزواغ خرائط ورسومات بيانية توضح اقتصادية البناء بالطين في ما يتعلّق بالحفاظ على الطاقة والتقليل من التلوث، واستغرب الاتجاه السائد في دول الجنوب نحو اعتماد البناء بالخراسان المسلح الذي يزيد الحرارة في الداخل، في حين أنها دول صحراوية شديدة الحرارة، بينما يتّجه الغرب إلى اعتماد المباني الخضراء، أو تلك التي تعتمد الطين عنصراً أساسياً فيها. ودعا إلى التخلّص من المفهوم السائد الذي يعتبر الطين مادة لصناعة بيوت الفقراء، لا سيما أن المباني الحديثة بدأت ترتكز عليه.لم يستطع المحاضران تقديم إجابات كافية لبعض تساؤلات الحضور في ما يتعلق بمقدار الارتفاع الذي قد تبلغه البيوت المبنية من الطين، وكذلك السلامة في حال الأمطار والزلازل ونحو ذلك. وثمة سؤال ملحّ آخر يتعلق بمدى تقبّل سوق العقار للرجوع إلى البناء بالطين في ظل الأزمة الاقتصادية والتسابق نحو الكسب المادي.على صعيد آخر، احتضن {مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية} في {أصيلة} مسرحية {خواتم الحظ} للأطفال، تأليف المسكيني الصغير، وإخراج سعيد عامل، فيما قدّم العازفان الإسبانيان ميغيل تراباغا ومارغريتا غارسيا إيسكاربا مقطوعات موسيقية على آلة الغيتار.
توابل
غاب المتحدّثون الكويتيّون عن يومها الأول أصيلة...حوار ثقافات أم خطاب هيمنة؟
18-07-2010